ياسر عبد اللطيف: شهوة الملاك

Hesham Elsherif, from “The Way to Hell”. Source: arabdocphotography.org

في حضرة المشنقة، فوق الطبلية، وردًا على السؤال التقليدي، قال للجلادين ورجال القانون إن رغبته الأخيرة هي أن يغتسل حتى لا يقابل ربّه نجسًا. كان إسهال مائي قد أصابه في الطريق من الزنزانة حتى موضع حتفه. لم يستطع التحكم فيه وهم يجرونه جرّا، كما انفتح صنبور بوله من الناحية الأخرى فوصل وقد ابتل بنطاله الأحمر تماما وتلوث بنفاياته حتى فاحت روائحها بقوة في الهواء الثقيل لغرفة الإعدام. قوبِل طلبه بالصمت التام من قِبل مأمور السجن والقاضي وكبير الأطباء. لو أخذوه للاستحمام فذاك يعني الفترة الزمنية التي يستغرقها مشوار آخر حتى حمامات عنابر الحبس، ثم فترة الاغتسال نفسها، ثم العودة من هناك مرة أخرى؛ وذلك بالتأكيد إهدار كبير للوقت الحكومي، ولوقت الباشوات الكبار الذين جاءوا لاستكمال إجراءات تنفيذ الحكم. أدرك الجلادون مغزى صمت الكبار، فسيق إلى موضعه فوق مركز الطبلية دون تلبية الطلب، وأُحكمت الأنشوطة حول عنقه، وألبسوا رأسه الكيس القماشي الأسود.

استمر في القراءة

خالد الشوري: الجرذ

Lucian Freud, Rat Man (Portrait Of Raymond), 1978. Source: widewalls.ch

إنّ الجُرْذان عندما تتنقّل من محلٍّ لمحل ومن بيتٍ لبيت، لا تخرج بوقار من باب ثم تسير بتأنٍّ وتَنْدَلِفُ إلى بابٍ آخر كأنّ الأمر بتلك البساطة. وإنما تَنْدسُّ في الجحور وتَجُوب الأنفاقِ مستترةً عن الأنظار، ثم تَخرج من شق وتَلِجُ إلى شق آخر. وعلى تلك الحال تقضي حياتها متنقلةً بين الأماكن. تمامًا مثلي، غير أن الجحور لا تسع جسدي، فأسير متواريًا عن الأنظار، في الشوارع الضيقة التي تتخلل الحارات الجانبية على دفتي الطرق الرئيسية.
والجرذان لا تخرج من جحورها إلى العالم المكشوف إلا في أضيق الحالات، وأكثرها حرجًا. فهي جبانة، ضعيفة، خروجها لا يعني إلا موتها. أنا شخص لا أختلف عن الجرذان في شيء غير أنني أتوارى خلف سحنة إنسان، لكنني في الحقيقة لست سوى جرذٍ انزوى على نفسه داخل جحره، وحيدًا.

استمر في القراءة

دينا ربيع: فصل في العذراء التي في عقلها شيء‎

Mona Hatoum, Coiffure Dame (Kairouan), 2001-02. Source: alexanderandbonin.com

كانت المرأة لا تحبّذ أحاديث الهوى لما تحويه من مساخرَ وقلة تهذيب، يغفر لها ما شابت عليه من عرف، بتولا لم يمسسها إنس ولا جان. وكانت تمقت المحبين وتشمئزّ من سيرة الحب، إن حدّثتها عن عاشق أثارت غثيانك نظرتها الأخلاقية العاتبة، كأن عينيها الثاقبتين ترى عورة جسدك وروحك من تحت الثياب والوقار.
إذا كان العاشق كهلا، قالت: “شوفي يا أختي الرجل العايب”، وإذا كان شابا سلّت له عصا كلام العيب والحرام ووجهت إليه اتهامات حب السفالة والمسخرة: “ما أنت عينك منها يا وسخ”، كأن التبتّل الذي فرضته على نفسها أُنزل على الخلق أجمعين، وإلا صاروا عندها شهوانيين، وهذا لا تقبله؛ لا يعارضها في ذلك جسدها الذي بردت نيرانه وولّت فوراته إن كانت له فورات.

استمر في القراءة

رؤيا شعبان: ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ الروك أند رول

Rolling Stones cover art by Andy Warhol. Source: recordart.wordpress.com

كنتُ أحب تدخين السجائر مع صديقي عباس، كُنا نحب السجائر والموسيقى الجيدة. أدخنّ في الخفاء، لم يكن مسموحًا لي بالتدخين لأني فتاة ولأني من عائلة مُحافظة. لا تسألوني ما علاقة التدخين بكون الفتاة شريفة، فأنا أيضًا لا أعلم، لكن أخي عبد القاسم ينعت كل مُدخِنة بالعاهرة. كان عباس هو من يجلب لي السجائر، يتستر عليّ، يشاركني تلك البهجة العابرة.

استمر في القراءة

معن أبو طالب: الحظ

Tales of the Other Half. Illustration made especially by Forat Alhattab.

أول ما ندم عليه فتحي الحظ لما وصله الخبر هو أنه باع سلاحه، مع أن ثمن السلاح هو ما مكّنه من كمالة حق التاكسي، التاكسي الذي سيخسره إن بقي أعزلَ. كان قد باع السلاح بمربح ممتاز مع بداية الحرب في سوريا، ثم لم تنته الحرب ولا فورة الأسعار. لذلك فهو بحاجة إلى سلاح الآن، نظيف رخيص يستجيب لسبابته كل مرة. ليس من تلك النسخ المعدّلة في تركيا التي تصيب وتخيب، ولا البنادق الأمريكية “اللي بتنضب بالسيارة وبتطلع للسيلفيز”. “هذا السلاح” فكّر الحظ لما جاءه الخبر، “بظل بالحزام، من هون لتنحل القصة.”
جاءه الخبر مع أذان الفجر، وهو يأخذ آخر نفس وبجانبه فتاة غافية. بدأ الهاتف يهتزّ ثم تصاعد صوته بالرنين. إن لم تكن مكالمة من تلك التي ينتظرها فسيفشّ غُلّه بالمتصل ويُسمعه أكمٍ كلمة حلوين. سحب الهاتف بقدمه ثم انقبض حاجباه لما رأى الشاشة تضيء باسم أبي سفيان.
أخبره أبو سفيان الذي كان قد خرج لتوه من نادي القلعة الليلي، ذلك الذي على أول طلوع الشميساني، أنه سمع شباباً على طاولة مجاورة يتحدثون عنه، فتحي الحظ، وعن التاكسي الذي نزّله وكالة، وكيف أن لهم حق فيه، وكيف أنهم سيأخذون حقهم بالمنيح أو بالعاطل، وأن العاطل أجمل. أنصت الحظ بينما تابع أبو سفيان خبريته ونصحه بأن يكون حذراً لأن الشباب بدا أن لهم عُزوة وأنهم جادّون، ثم أضاف أنهم تحدثوا أيضاً عن ذهبات الحجّة. سأل الحظ عن أسمائهم وقال أبو سفيان إنه لا يعرفهم، ثم استدرك أن معتز كان معهم. “معتز ابن أبو خالد؟ مستحيل. قرابتي هذا” قال ثم أدرك سذاجة رده، لكن أبو سفيان آخر هَمُّه: “أنا ما قلت إنه معتز ناوي عـإشي! أنا بس قلت إنه كان قاعد معاهم. على أي حال، أنا ما إلي دخل.”

استمر في القراءة

كارول صنصور: الفاتح من أيلول

Moises Saman, Kobane, Syria. August 8, 2015. Source: magnumphotos.com

في الفاتح من أيلول يشتاق لفلاحة لا يعرفها
ولبلد خسرت نساؤها جميع الاحتمالات
 يحس بولع لشباط
 وحرقة على تموز منته

.

استمر في القراءة

عائلة جادو: أحمد الفخراني | فصل من الرواية الجديدة

Lincoln Agnew, “Marx’s Lesson for the Muslim Brothers”. Source: nytimes.com.

لم أمت ولم أحيَ. أفقت على ضوء شديد السطوع فكان والظلام سواء. أشعر بأنفاسي. قلبي ينبض. رقبتي سليمة، ولا أثر للنحر إلا من ألم خفيف يداعب الرقبة، كأني جرحت أثناء الحلاقة لا مقتولا على يد جلاد. لا أثر للدم الذي كان واحدا من شهود قتلي الصامتين. أتضور شوقا إلى التدخين. ألا يبطل الموت الشوق إلى ما نحب؟
تحسست ما حولي في ظلمة النور العاتية. أهذا قبري؟ أدفنت بشكل لائق أم صرت عويلا إضافيا لروح مغدورة. قمت من مرقدي، كنت قادرا على تحريك ذراعي كحي. لكني أدركت علامة موتي. ساقاي تحركتا بلا إرداة مني نحو خيط من الظلمة انشق وسط النور. أهكذا يكون الموت إذن؟ سير بلا إرداة في مسار بلا خيارات. هذا لا يحسم أي شيء، فقد كان ذلك علامة حياتي السابقة.
وصلت إلى خيط الظلمة، أزحته كستار. فرأيت طريقا مستقيما، على جانبيه شموس خفيفة اللهب معلقة في أعمدة إنارة، وحجارة، خلاء الطريق المرصوف بالأسفلت، خلاء الرمال التي تنتظر الإسمنت والألمونيوم. مصارف، ظلمة بيضاء، وبيوت قليلة متناثرة لها عزلة الكوخ والقصر دون هيبتهما. شاحنات عمياء تمر من حين لآخر، براميل قمامة. أتذكر هذا الطريق، ففيه دفنت لويس. دفنت الحقيقة. أهذا جحيمي؟ أن أسير في نفس طريق جريمتي بلا توقف؟ لماذا وحدي أتحمل عبء دمه؟ لو كانت أنفاسه تحملت قليلا، لصار تحفتي الفنية، لربما صار مصارعا أقوى من عبد المولى أو جمرة إغواء نادرة. ألم يقتلك من أرسلك؟ أين هو الآن؟ في جنة الكوميونة أم يستكمل جحيمه؟ الدين أفيون الشعوب، هذا لا يرضي تجار الأفيون. يقولون إن في الجنة قصورا لمن جمعوا الحسنات، أما الفقراء إليها الذين لم يجمعوا إلا حطب الخطايا، فسيوقدون بها. وأنت تقطع البحر من بلادك المترفة كي تخبر العمال في النهاية أن ماركس حي. لو كنت معه في الجنة، هل ستطلبان نساء وقصورا أم العدل؟ هل ستحتجون من أجل الخطاة ضد إقطاعي الحسنات؟

استمر في القراءة

No more posts.