محمد عبد الرؤوف: صحراء ما بعد الهزيمة

By Youssef Rakha

١
علينا التلاعب بالهزيمة.
لم يعد هناك إلا شبح واحد،
ولا شبح يأكل شبحًا.
لا شيء غير عادي فى الهزيمة،
هذا ما اعتدت عليه يا أبانوب.
أناجيك يا من تركتني أعطش
فى صحرائك.
هذا بئر، وهذه صبارة،
هذه رمال تلسع سيقاني العارية،
هذه صورة تلبستني أكثر من اللازم،
وهذا شروق شمس لم أعد أحبها.
انتهى الصيف يا أبانوب،
تصيبني الحساسية فى شهر أكتوبر
كما تعرف صديقتك،
التى تدّعي كراهيتي الآن.
طلبت منى أن أتوقف عن معاكسة فتاتك.
لا شبح يأكل شبحًا
يا أبانوب،
هذه أغنية عن الهزيمة،
فى شارع سعد زغلول،
لامست أطرافي مؤخرة فتاتك.
الماء غادر مجراه،
وهذه الأغنية عن ما أسميته
العادي
يا أبانوب.
.
٢
لم يعد من المهم
أن أتحدث عن أحد غيرك
يا أبانوب،
هذه المؤخرة التي تمتلكها،
هذا الشحم المعبأ تحت جلدك
أود أن أخرقه.
تلك الليلة التي تقابلنا فيها فى البار
لم نشرب إلا الجين،
كنت أحلى بكثير حينها من تلك الفتاة،
وددت لو أن أقبلك.
أعرف هذه الأشواك فى شفاهك،
حدثتنى عنها فتاتك القبيحة،
اضطررت أن أضاجعها.
حين سافرت إلى البرازيل
كنت أفكر فيك كثيراً،
لم يقو قضيبي على الانتصاب طويلاً
ولم أنم حتى بعدها.
لا أحب أن أسرد كل تلك الذكريات،
أرغب أن نذهب سوياً للصحراء العربية.
يا أبانوب،
لن يقتل أشواكك إلا الرمال.
أكاد لا أسمع صوتك،
لم يعد لنا الا طريق واحد.
لابد ألا تمر رحلتنا
بالقصر العيني،
الأمطار لا تهطل هناك.
أتذكر حين حفرنا سوياً
نفقًا يأخذنا إلى أنهار الزمالك؟
كانت تقف فتاتك الثانية على الشاطىء،
المايوه الأخضر على الجسد الداكن.
أذكر كيف كانت تؤلمني بطني،
أعطيتنى حينها كأسًا آخر من الجين،
يالك من صديق جميل.
لماذا كنت حزينًا بهذا الشكل وقت غروب الشمس؟
من أزال لمعان الزيت من على جسدها؟
هل يستطيع جلدها أن يمتص حزنك الآن؟
يا أبانوب،
كيف يمكن أن نعود إلى فناء مدرستنا اليوم؟
ألم تذكر أن نفق الزمالك سيصلح لهذا الأمر أيضًا؟
هذا الكأس من الجين سألعقه من على ظهرك،
سنشهد سوياً غروب الشمس.
لن نترك الحزن يخلع المايوه الأخضر عنها.
.
٣
أخبرنا عنه أحد المارين بالشارع، قال إنه يعمل أكثر من مئة ساعة بالأسبوع، دفعنى هذا للتساؤل كم ساعة أعمل بالأسبوع. أشعر كأنها ألف ساعة، أكره العمل كثيراً، أكره اتصاله بالمال، أكره استخدام اللاب توب، أكره كل تلك الأشياء التي يجب أن أتعلمها لأنجح فى عملي. ولكن أحب شكل الماكينات التى تعمل بتناغم، أحب شكل العمال المتكاملين، أحب كل العمليات الإنتاجية، وأكره أصحابها. لا شيء أقبح من أن تكون صاحب عمل، هذا النهم الذي ينمو بداخلك يوماً بعد يوم للمال، اختلاطك مع أفكار أصدقائك، يكرهون المال فى البداية ثم يحبونه كثيراً بعد ذلك. الروشنة الآن هي امتلاك الأموال، السخرية من محبي الفقر، السخرية من شديدي الثراء، الانطباعات التى تحيط من يملك أو من لا يملك أموالاً. الحديث عن الأمر سام، ولكن نحن نعيش فى عاصفة الأزمة الاقتصادية يا مان. بشكل محدد، أكره العمل فى ما أسموه مجال التنمية. أن تتلقى التبرعات لتساعد آخرين أكثر احتياجًا منك، نموذج ممتاز لبناء مجتمع على الاتكالية و العوز. الكل عايز، مدير المنظمة و شحات المنظمة. سأقبض هذا الشهر من أموال سفارة ما، سأنفق معظم الأموال على البيرة ، ربما أشترى قطعة أثاث جديدة من أيكيا. سأحضر حفلة ما، سأدفع إيجار الغرفة، وثمن الواقي الذكري. ربما أذهب فى رحلة لأي ساحل قريب. سأشترى أبهظ أنواع الطعام لكن فين الأكل. فين الأكل اللى يشبّع؟
.
٤
العام الماضى فى نفس هذا الوقت كانت تتشنج أمعائي، فى الصباح أقضى وقتاً طويلا فى الحمام أحاول أن أخرج ما فى بطني من فمي وأفشل، عصارة بطنى الحامضة تمر على المرىء ببطء حتى تخرج بعد تقطيع أحشائى. كنت فيما اعتقدته أسوأ عام فى حياتي، عام الجيش. كان على ان أستيقظ فى الخامسة صباحاً لأحلق ذقني وأذهب لتنظيف المكاتب وصنع الشاى الأخضر لسيادة النقيب، والقيام بباقي أعمال النظافة وإعداد المشروبات للسادة الشوايشة والضباط. انتهى هذا العام ولم ينتهِ شعوري بالتوتر، لازالت عصارة بطني ترغب فى الخروج منها، كل شىء يؤلم، لا أستطيع النوم ولا الأكل، أفقد وزني وتزداد عصبيتي، يزداد معدل سقوط شعري، لا شىء يمكنه إيقاف هذا الانهيار. أحاول كثيراً الإبقاء على هدوئي ولكن لا شىء يوقف سرطان التوتر، الكابوس مستمر. لابد أن أكتب قبل أن أنسى عن خروجي من معسكر التدريب لأول مرة بعد ثلاثة أسابيع، كيف قررت أن أركض باكيًا على كوبري طريق السويس، كيف لم أتوقف عن البكاء حتى وصولي للبيت وحتى بعد ذلك بخمس ساعات. كنت أعلم حينها أننى هزمت تماماً، لا شاعرية فى الأمر، فقط مرارة لا تصلح للأدب، مثل السجن وكل أشكال الظلم، لا شىء جميل فيها. لابد أن أكتب عن أول مرة حاولت فيها مداعبة قضيبى بعد خروجي من هناك، كان المني يخرج بغزارة بنصف انتصاب، كان أمرًا مؤلمًا ومخيفًا، حين احتضنتها فى نفس اليوم حاولت التماسك قدر الإمكان، قررت أن لا أفعل مثلما فعلت فى حضن أمي. لا أذكر كيف كان الجنس، كل شىء كان ككابوس طويل مؤلم للبطن، لم أفهم كيف سيكون علي أن أعود إلى هذا المكان بعد عشرة أيام، كيف كنت أحيا قبل ذلك وكل هذا الفساد يحدث بالقرب مني؟ فى أول الأيام كنت أركض فى الشارع كلما استطعت، كنت أترك كارنيه الجيش فى المنزل وأخرج بالبطاقة فقط، لست عضوًا فى هذه العصابة المجرمة بأي شكل. لا يمكن أن يحدث هذا، أنا أطلب الإغاثة، أنا رؤوف، لماذا لم أنتحر قبل الآن؟ لماذا تراجعت؟ ولماذا قررت أن أتعلم أن أساير الحياة؟ أيعجبك ما وصلنا إليه الآن؟ سبعة شهور منذ أن تركت هذا المكان القذر، أشعر بالخزي لأننى أترك ورائي كل هؤلاء المظلومين، رحلت و توقفت عن النظر. لا أذكر أول مرة مارست الجنس بعد انتهاء الجيش، أذكر حين حاولت السكر بشدة فى الحفلة التى أعددتها بسبب الخروج، كانت حفلة سيئة عادية، لسبب ما قريب من الخرف أشعر أن هناك ضباب يحوم حول الأمور الحسية. لم أعد أشعر بشىء. هناك جدار بيني وبين اللذات الجسدية، ليس كراهب هذه المرة ولكن كمتألم، أو كغاضب، أو كمهزوم. حاولي أن تلامسي يدي، ربما أشعر بشيء. سأحدثك بعدها عن أنني لا أحاول أن أشقطك، ولكني أفعل ذلك، بأشقطك، لا بأس، أنا أدعي أنه اختبار لقدرتي الحسية بعد الصدمة، حيلة قديمة مثل هذا الذكر الآخر الذى يشقط بادعائه أنه مريض بإدمان الجنس، ماذا نفعل فى الصحراء إذن؟ الرمال والشمس، وأنتِ والرياح، وأبانوب. لا شىء آخر، ربما يجب أن نبدأ نبحث عن الماء والصبار، لابد أن نستمر فى الحياة فى كل هذا الفراغ. فلنحفر حفرة فى الرمال نستظل بها، فقد يذوب جلدنا و يختلط بعصارة بطني. ربما تخرج كلها فى الرمال وتجففها الرياح وتبخرها أشعة الشمس، وتعود قدرتي على الأكل فألتهمك وأنام ليل الصحراء كله وأستيقظ لأستمر فى السير وحيدًا.
.
٥
تحت دعوى جعل فصيلتنا البشرية متعددة الكواكب، أعلنايلون ماسكصاحب لقب الرجل الحديدي ومؤسس شركة الفضاء SpaceX أنه فى عام 2020 سيبدأ البشر رحلاتهم لاستيطان المريخ، فبعد أن استطاعت الشركة تصنيع صاروخ يمكن استخدامه أكثر من مرة، يعتبر ايلون أن ذلك هو الخطوة الفاصلة التى ستؤدي لتخفيض الرحلات الفضائية لسعر يناسب الجميع. فشركته تعمل الآن على إنشاء صاروخ ضخم يحمل مركبة تتسع لمئة شخص يدفع كل منهم مئتي ألف دولار مقابل الرحلة. سيحمل هذا الصاروخ المركبة إلى مدار حول الأرض، ويتركها هناك ويعود ليحمل مركبة أخرى تحمل الوقود للمركبة الأولى ويلتحما فى المدار لتزود المركبة الثانية بالوقود حتى تبدأ رحلتها التى تستغرق ثمانين يومًا مبحرة إلى المريخ. وسيكون على أول مئة بشري هناك أن ينشِئوا مصنعًا لتصنيع الميثان ليستخدموه كوقود فى رحلة العودة.
.
٦
منذ الأمس، وأنا أفكر ماذا سأكتب ردًا على هذ السؤال: ما الذي تحب أن تشاهده للأبد؟ أحب مشاهدة ما يتحرك، وأحب أن أشاهد ما يُصدر القليل من الضوء. فى الأغلب سيعني ذلك أنني سأستمر فى مراقبة فصيلة ما من الكائنات الحية: الطيور مثلًا، أو النمل، أو النحل. ربما أحب أن أصير بخصائص إله وأشاهد البشر. قد أحب مشاهدة مسام فتاة برونزية بعد إزالة الشعر واختلاط جلدها بالشمس ومياه البحر ولكن ليس لوقت طويل. أتذكر الفتى فى American Beauty، مصور الكيس الطائر الذى شقط بهثورا بيرش، لقد استخدمت مشهده هذا لأفعل مثلما فعل. أخذ التجربة الجنسية مع فتاة خطوة أبعد، يحدث هذا فقط عن طريق إضافة لمسة ملحمية لأمر حميمي. دعيني أعرض عليكِ أعظم ما صورته، دعيني أعرض عليك ما يمكنني أن أشاهده طوال حياتي. تدعوني هذه الفكرة للابتسام، إذا كنت وحيدًا مسالمًا مطمئنًا بلا جوع اجتماعي سأراقب الطيور، والأشجار. سأراقب مداعبة الرياح للحياة، ما تفعله النسمات والعواصف بالأشياء، تعاقب الأمواج، غروب الشمس، شروقها، القمر والنجوم، الدموع وهى تغادر وجهي لتلامس الرمال، وأنفاسي المغادرة والقادمة. سأراقب كيف تحفر قدمي موقعها فى الرمال، سيكون هناك الكثير لأشاهده، ربما الصحراء ليست خالية تمامًا إذن.
.
٧
لقد كنت وحيداً حين قابلتك. كنت أعد ذلك انتصارًا حينها، أن أكسر الوحدة وأنجح اجتماعيًا. الوحدة فشل، والنجاح الاجتماعي شكل من أعظم النجاحات. بعد ذلك أصبحت أتباهى بالقدرة على الوحدة، التأرجح بين الفشل الاجتماعي والوحدة جعل أبسط شكل من أشكال التواصل الناجح يعد انتصارًا بالنسبة لي. مع الوقت توقفت عن الطلب من الجميع أن يذهبوا ليشربوا من البحر، تخففت من حدتي فى الدفاع عن نفسي، في الدفاع عن مواقفي، أصبحت أقرب للمواءمة والنجاح الاجتماعي. يقف على كتفي الطفل الحاد الذى يرى الأمور بمنظار الخطأ والصواب، وأعتبرني خائنًا لنفسي. أتخطى ذلك وأستمر فى التصالح، مع نفسى ومع الآخرين. بقيت بأحب الناس، وأسامحهم على ضعفهم، من منظار الأقوى، تخيل كل الضعف والهوان والشعور بالدونية  بأعمل منه جبل أبص من فوقه على الناس وأتسامح معاهم، بأتصالح مع عيوب المزة وأسميها مزة، وأتصالح مع المنافق من أجل الأموال. التسامح المشروط بالحفاظ على كبريائي. ممكن تبقوا وحشين، هأسامحكم على ده. مشكلة حقيقية أن ترى بداخلك كل هذا الغل والتعالي على الجميع. هذا ما علي أن أتعايش معه، لا أستطيع أن أعمل مع أى فريق أو أن أتواءم مع أي دائرة اجتماعية. حياة المجد الذاتي تفرض علي التفاهة، الوحدة والعيش على أنقاض إنجازات شخصية ضئيلة.
.
٨
فى الطريق لرؤيتك
كان النسيم يلامس
شعرى الخفيف،
كانت قطط الشارع
تحب أغانينا.
اعتقدنا يا أبانوب
أننا أجمل من التونة،
هذه أغنية أخرى عن الفشل،
صحراء ما بعد الفشل.
لن نعيد بناء العالم، أوعدك بذلك
يا أبانوب.
قطط الصحراء لم تولد بعد،
العطش لهم قد يخلقهم.
أول درس اتعلمناه.
الصحراء ليست جرداء كما ينبغي،
اصفرارها غير مكتمل.
لا يتسبب فى ذلك أى شيء أخضر
أو أى لون آخر،
فقط الأصفر غير مكتمل.
أقف الآن على قمة الجبل،
سأترك جسدى يتدحرج على هذه الرمال.

.

كنت فى سهرة فى بيت صديق حزين، الحزن يعود على البيت. الخمر فى الكأس وكل كأس يخص صاحبه. الحشيش يمر على الجميع. كان النقاش عن الوقت الذى قضيناه فى السرير مع النساء وجدواه. رأى أكثرنا فحولة أنه قد استفاد كثيرًا من كل النساء اللاتي نكحهن، وأعرب عن امتنانه للأوقات التى قضاها فى أكساسهن. تحدث عن الوظائف والفرص والأموال التى حصل عليها عن طريق نيك النساء بشكل جيد. كان ضخم الجثة نسبيًا ويحرك يديه كثيرًا أثناء الكلام. تخيلت طريقته فى مداعبة النساء، طريقة مقززة. ربما مقززة بالنسبة لي لأنها ليست طريقتي، أو بمعنى أدق لأنني لن أحصل على كس لو حاولت ممارستها. أخذت جرعة أخرى كبيرة من كأسي، وتحدثت بشيء من الليونة المذكرة عن فشلي مع الفتيات. كيف أطلب الجنس بتهور وكيف يتم رفضي سريعًا. لم يضحك الأصدقاء وبدا كأنهم اتبضنوا، استمر الشرب ورواية القصص المسلية من وجهة نظر كل منا، كنت أحكي أشياء لا أجدها مسلية ولكن كنت أعتقد أنهم سيجدونها كذلك. احك لى يا صديق حيلتك ربما أصطاد بها قطة تروق لنا.
..
أتذكر صديقنا المشترك؟
هذا الذى سجنوه
بسبب كلمة كس؟
أتعرف ما يؤلم فى السجن؟
انس موضوع فقد الحرية هذا،
الأمور الثانوية أهم.
ضرورة الاختلاط الاجتماعي،
الانغماس فى الشعبوية،
غياب الخصوصية،
والتشاجر من أجل إغلاق النور أو فتحه.
أذكر حين كانت الشلة المسيطرة على العنبر تصيبها فورات الهيجان والحماس ليالي الخميس، ينقلب العنبر إلى سيرك مكتمل، يستحيل النوم فيه. حينها يتشاجر العبيد مع بعضهم البعض، مثلما يحدث خارج السجن تماماً. فى الصباح نخدم سويًا السادة اللواءات والعمداء والعقداء، وفى الليل كعبيد نتصارع كي نفرض سيطرتنا إما برغبتنا فى النوم أو الاحتفال. مزاج العنبر مع مزاج الأقوى. والأقوى كان سيد الموس، حلاق سيادة اللواء، الوحيد اللى اللوا بيديله قفاه، لو الموس عايز ينام هننام، لو عايز يبنجر هنبنجر، هكذا هي الحياة.
..
أذكرك أن الصحراء ليست مكتملة الإصفرار
يا أبانوب،
لا ألومك على الوحدة اليوم
بل على السلوى
فى أيام اللقاء.
لا ألومك على الكذب،
ألومك على كل ما صدقت بقوله.
الصحراء بها أكثر من لونين،
الأصفر والأسود،
المقاولون العرب،
والغراب السابح
فى بطن
تلكالدعابةالسخيفة.
.
٩
لأول مرة أؤمن بالأبراج، الأسدين اللى فى الشلة فاهمين بعض، أعرف لماذا تم خدش كبريائه وكيف قرر أن ينبش الجميع. أرى كيف أصابه هذا الجرح بالجنون، أرى كيف تأكله البارانويا، أرى كيف ينتظر لحظة المجد بعد هذه الحرب الضروس التى تنهش لحمه. شاهدت فى الوقت ذاته كيف تتحول الحيتان البريئة مدعية الطيبة المطلقة إلى وحوش جاحدة لكل رابط أو ذكرى. أراقب صديقى الأسد الجريح، أرسل له رسائل مستخدمًا التيليباثي: لا تجعل من نفسك دون كيشوت آخر أرجوك، هذه معركة خاسرة لا طائل منها، أو لا تستمع إلي وانتصر، اثبت لى مرة أخرى أن الانتصار ممكن، أن الأمجاد الذاتية يمكن صناعتها عن طريق تلك المعارك التافهة، ألا ترى أين أقف الآن، مربوطًا بقيد كل تلك المشاريع التى بدأتها، وإذا رحلت سيتهمني الجميع بالهوائية. عالم الأعمال ليس كما عالم الفتيات، لا يمكنك أن تقنع أحدهم أنك ستنتمي لعمل ما وأنت لم تمكث أكثر من شهرين فى أى وظيفة، هل يمكن أن يستأمن أي صاحب عمل مؤسس شركة سابق؟ بماذا ستجيب عن سؤال لماذا تركت الشركة التى بنيتها؟ إذا اختلفت مع أصدقاء عمرك، كيف لي أن أثق بك؟ ألملم كل تلك الأفكار وأرسلها لصديقي الأسد لكي يتعظ، تاريخنا سيلاحقنا يا أسد، وسينتصر الحيتان باللباقة وخفة الدم. ألم تسمع ما قيل سابقًا، خفة الظل تكسب. نحن سنظل مكبلين بالضغينة التى خلفتها الأمجاد الضائعة.
.
لا أفهم كيف يخرج من قناعاتي بالجمال
كل هذا القبح،
كأنه سراب مدينة النجاح.
أناديك
يا أبانوب.
.
١٠
فى شارعهم القاسي المتزخرف، هأكلم أمجد وأصفّر لشعبو فووت صفارة محمد فؤاد، لطفي هيكون مستنينا على الباخرة ماسك مزتين فى كل إيد وبيفتح لنا بار كبير هيقف أمجد عليه ويبدأ فى تحضير الكوكتيلات، هنبدأ عداد المزز من جديد مفيش ماضي مع أى واحدة ، كلهم بالنسبة لنا سواء. الرقصات هتكون متشابكة متقطعة، وصاحبنا الخامس هيظهر فى نص الرقصة التالتة، الشيواوا اللى هتقلب جانجام ستايل بدخوله. خمسة فى خمسة. وتبحر الباخرة، هنعبر بيها من المضيق ونطلع على المحيط، هننقى الجزر اللى هنعسكر فيها بقرعة نعملها بقزايز التكيلا، هننام إحنا الخمسة مع واحدة بس فى اليوم، ممنوع حد فينا ينام مع واحدة لوحده. فى الجنس خمسة على واحد، فى الشرب خمسة بخمسة. وهنغرز بالمركب فى أقرب صحرا، متدثرين بالرمال، ممتنين للماضي، غارقين فى محبتنا.
.
١١
الخروج من الصحراء سيكون عبر باب يأخذنا مرة ثانية إلى المدينة، سنتبادل بعض النظرات الخاطفة، ومثلما حدث فى نهاية فيلم الإرهاب والكباب، سنختبئ فى بعضنا البعض. لن يميز أحد الخاطف من المختطف، سنسير فى زحام المدينة حتى يبتلعنا، ولن يبقى من الصحراء إلا بذرة سألقيها تحت سريري وستغذيها شمس هزائمي. ستنمو كنبتة تحتضننى أفرعها، وحين تبلغ منتهى حجمها سأكون قد ارتفعت كثيراً. حتى أنني عند السقوط، سأسقط فى بحر من الضحكات أصنعها بخيالي الذى ينسج مجتمعات من الساخرين من غبائي. سأتذكر أنني قد زرعت مع تلك النبتة حشائش كبريائي التى لابد أن يقتلعها فتيات الحديقة ليبقوا على أزهار انتصاراتهم مشرقة أمام شمس من لمبات نيون الإعلانات.