يوسف رخا: تاريخ آل عثمان في ست حكايات

1277: ما رضي الرجل الصالح شيخ إدبالي أن يزوّج ابنته ملحون لعثمان ابن بيك إقطاع سوغوت المجاور. لعل عينه على إقطاع آخر، أو لعله سمع باتصالهما في الخفاء. عثمان عاشقها، لكن ملحون – ليلة مبيته في دارهم – لم تنبس. أزاحت الباب واليشمك على وجهها، ثم استدارت وانتفخ قماش الشلوار في روحتها. كانت الغرفة باردة، وتساءل عثمان إن كان خلوها من التدفئة من علامات التقشف أو قلة حفاوة. أطفأ المصباح دونما يطرق باب مضيفه، واكتفى بضوء القمر السارح خلال أكثر من فجوة في الخشب والرخام. أزاح السيف وكلل مقبضه بالعمامة، ثم خلع قفطانه والتف في الصوف على البساط. في الظلام خلط الحليب الموضوع قرب مرقده بقليل من العرق الذي يحمله معه وشربه ببطء وهو يغفو. ما مرت ساعة حتى أيقظه منام… والآن، قبل طلوع الشمس، ها هو يرجف متربعاً على الأرض بين يدي الشيخ الجالس على المسطبة أمامه، يحكي له:
إنه – عثمان ابن أرطغرل – رأى القمر يطلع من صدر شيخ إدبالي، ولا يكاد يكتمل بدراً حتى يغوص في بطنه فتنمو من سرته شجرة كالسراي تظلل الأرض. في فيئها الغادي استقرت جبال ثلاثة، جرى نهر عظيم من سفح كل منها. عثمان تعرف على الأنهار بأسمائها – دجلة، والطونة (الدانوب)، والنيل – وراعه أن أوراق الشجرة انقلبت رماحاً تشير رءوسها إلى الدولة البيزنطية. تحت أغصان الشجرة، وقف صبيان نصارى شقر وعلى رؤوسهم تُل أبيض ينشدون الشهادة يتبعها عهد الولاء للسطان. وكان الخلق من حول هؤلاء الصبيان بلا عدد على شطوط الأنهار وفي خلجانها، يشربون ويزرعون ويصطنعون الفساقي. كانوا يتوالدون والخير يورف في ديارهم، دونما يكف الصبيان عن الاستظلال بغصون الشجرة والإنشاد…
وها هو شيخ إدبالي يطرق قليلاً ثم يبسمل ويحوقل ويزأر: هوووووو.
«لقد أنعم الله عليك بدولة تأتي من ظهرك تعلي كلمته في جنبات الأرض» – هكذا يقول لعثمان – «وحلت البركة. هوووووو.» ثم يمد يمناه إلى ابن صاحب الإقطاع ليلثمها الأخير، ويعود يطرق. يبسمل، يحوقل، ويرتفع صوته مؤكداً الابتسامة المتلاعبة على وجه عثمان: «ملحون لك.»
1480: ضمن مقتنيات الناشونال گاليري، عندكم في لندن، يوجد پورتريه سيستوقفك بغض النظر عن أي معلومات قد تعرفها عنه… الوجه يتطلع بجنب، بين الپروفيل والمنظر الأمامي – ثري كوارتر، كما يسمون هذه الزاوية – والخلفية أسود خالص، كأنما لتنضو البشرة الشقراء المشربة بالحمرة. ملامح الوجه حادة، بأنف معقوف ولحية حمراء كلاهما مدبب. وفي كل شيء إلا شيء يبدو العمل إيطالياً: ألوان الزيت وطريقة استخدامها، النسب الواقعية وقواعد المنظور، حتى القوس الراكب على عمودي رخام مثبتين فوق قاعدة حجر – حيث يضع الفنان وجه صاحب الصورة وصدره المزدان بالفرو ليصنع بروازاً داخل اللوحة يعطيها إيحاء الأيقونة – كأنه آرش روماني. والكلام القليل المذهب البائن على لوحي رخام سوداوين ملصقين بالحجر أسفل العمودين، هو الثاني مكتوب بالحرف اللاتيني. وحدها زخرفة البساط المرصع المفروش على منتصف القاعدة، توحي بشيء أقرب إلى البذخ الشرقي. ولأول وهلة، وأنت تنظر إلى اللوحة، قد لا تنتبه للعمامة الملفوفة على طاقية حمراء صلدة فوق رأس صاحب الصورة – كانت تسمى تاجا، هذه الطاقية – ولا التيجان الذهبية الستة المرصوصة على جانبي القوس…
سيستوقفك پورتريه محمد الفاتح بغض النظر عن أنه من أعمال جنتيل بلّليني أهم رسام في بلاط دوج البندقية جيوڤاني موسينيگو، ولا أن بلليني أقام في طوپقپو يرسم ويزين الحجرات سنتين (وكانت إقامته من شروط الصلح الذي بادر به الدوج بعد سبعة أعوام قتال). دونما تعلم أن التيجان إما ترمز إلى سلاطين آل عثمان الستة السابقين على محمد أو تدل على ممالكه الثلاث في آسيا واليونان وطرابزون – سيستوقفك – ولا أن محمد كان أعجز بكثير مما تبينه الصورة – فقد شاخ في الأربعين – أو أنه مات خلال ستة أشهر من إنجازها.سيستوقفك في الپورتريه زواج الشرق بالغرب، بغض النظر.
بعدما يتولى عنه ابنه بايزيد الثاني الملقب خداوندگار (الإلهي) لشدة تقوته، سيزيل أعمال التصوير الواقعية وكبيرة الحجم من أركان القصر عن آخرها ثم يعرضها للبيع في البازار المجاور، ليبني بثمنها مسجداً. ولن يشتري پورتريه الفاتح، بالصدفة، إلا شخص طلياني.
1534: الپولونية روكسلانا، ابنة الخوري الأوكراني، لم تكن أجمل ولا أشطر بنات الحريم. لكن كثرة مرحها سرعان ما أكسبتها لقب حورم (الضحوك). ولأن جسدها صغير ودمها حامٍ –شبق سائغ يقطر من أبسط حركاتها، وكلامها يسري كالكهرباء – ما كادت تحل بحرملك سليمان حتى أصبحت گوزده أو «في العين»، أي أنها لفتت نظر السلطان، وسرعان ما حظيت برتبة إقبال: الأَمة التي يؤثرها. يؤثرها فترة نادراً ما تدوم، لأن إقبال، أياً ما كانت، تحبل آجلاً أو عاجلاً. والعرف منذ زمن محمد الفاتح أنها إذا وضعت ولداً كف السلطان عن لقائها حتى لا تضع آخر فتجور على حق الأخريات أن تتبوأ إحداهن مكانة والدة سلطان؛ أما إذا وضعت بنتاً فلا يعود الپادشاه يقبل عليها. وفي الحالتين تتحول إقبال إلى قادن أفندي: زوجة من الأربع الذي يسمح بهن الشرع إضافة إلى ما أعطاك الله. كل قادن أفندي ترعى أولادها فيما تتبعها گوزده جديدة تأمل، بدورها، في الخلف الموعود… غير أن الپولونية روكسلانا، ابنة الخوري الأوكراني، وضعت ولداً بعد ولد وظل سليمان يطلبها أن تأتي إليه من القصر القديم – هناك درج الحريم على الإقامة منفصلاً عن الذات العلية – الأمر الذي سيجعلها أشهر من عرف بلقب رابع أقل تحديداً في معناه: خاصكي سلطان. (يقال إن سليمان لم يقرب امرأة غيرها، منذ التقيا، حتى آخر يوم في عمره.) لكن هذه المعاملة الاستثنائية أفزعت الخصيان والوزراء والأئمة. وقتما تسربت الأخبار، صارت الناس تضرب كفاً بكف، وكثرت النميمة.
وحين رفضت روكسلانا أن تلبي دعوة سليمان معتلة بأن ماهيدوران سلطان، أم ابنه الأول مصطفى، ضربتها فأصابتها بجروح وخدوش جعلتها غير أهل لتخت السلطان، حين أرسلت روكسلانا لسليمان تقول إن ماهيدوران نعتتها بأنها لحم وسخ وإن اللحم الوسخ لا يرقى إلى شهية الپادشاه، أرسل سليمان في طلب ماهيدوران ليسألها إن كانت قد فعلت كل هذا. وماهيدوران أجابت بأنها فعلت، وأن ما فعلته أقل كثيراً مما تستحق روكسلانا. فصرفها سليمان على الفور (ستموت في بورصة دون أن تحظى مجدداً بلقائه) ثم أمر بتوسيع حرملك طوپقپو لتنتقل روكسلانا إليه. ولأول مرة في تاريخ الدولة على الإطلاق – ما أثار حفيظة الناس أكثر، فصاروا يحكون أن الپولونية سحرت له – أعلن السلطان نيته في اتخاذ إحدى إمائه زوجة.
عشية العرس كانت قد أنجبت له بنتاً وخمسة أبناء، سيتولى عنه أحدهم يخيب أمل الدولة، مع الوقت: سرخوش سليم ثاني (السكران). لكن من يومها، صارت للعثمانيين أسرة مالكة بالمعنى الأوروبي: أب ملك وأم (عادة ما تكون أمة معتوقة) وأولاد أمراء. أصبحت الزوجة تعيش مع زوجها في القصر الرئيسي، وعلا نجم الحريم حتى صار لأغا الخصيان الأسود ووالدة سلطان سطوة فوق سطوة الديوان.
1622: لم يفهم مصطفى (أخو السلطان أحمد باني الجامع الأزرق) كيف انتهى به الأمر إلى هذا المكان: يقعي في محراب المسجد وجواره أمه، محاطاً بالعسكر. والناس على رؤوسها والجياد تشب على العتبة والدنيا في إعصار. وداود باشا يقول له: أنت السلطان. تطلع في المشهد بفزع وتذكر عزله خلال شهرين من توليه الحكم – إثر موت أحمد بالتيفوس – عن طريق مؤامرة دبرها كزلار آغاسي أو أغا الحريم (كبير الخصيان السود) مع قادة الجيش وأعضاء الديوان؛ لأول مرة في تاريخ الدولة، لم يكن لأحد من آل عثمان يد في الانقلاب. يومذاك حبسه الأغا في أحد أجنحة طوپقپو حتى بويع، في عمر الرابعة عشر، ابن أخيه عثمان الثاني المعروف بگنچ (الصغير). وارتد مصطفى إلى الحريم حيث كان قد أمضى حياته – إلى أن تحايل الانكشارية، صباح اليوم، على النفاذ إلى جناحه من الشرفة بتسلق حبال ارتجلوها من ستائر السراي وحملوه وأمه من طوپقپو إلى ثكناتهم ثم المسجد، حيث وجد داود باشا يقول له: أنت السلطان.
مصطفى ما كان يعلم أن ابن أخيه – يوم قرر أن يحيي تقليد السلطان الغازي فقتل شقيقه الأصغر وخرج على رأس الجيش في حملة لم تفلح إلى حصن خوطين على الجانب البعيد من الدانوب – يوم جرّب الجيش بنفسه، فطن مبكراً إلى فساد الانكشارية وأنهم سبب تأخر البلاد. ما كان يعلم أنه منذئذ عزم على حشد جيش جديد من المسلمين بالولادة في مصر والأناضول، ولا أن هذا سبب انقلاب العسكر عليه والتمثيل بصدره الأعظم وكزلار آغاسي العامل في إمرته. ما كان يعلم، أصلاً، بحدوث انقلاب. لكنه حدس أنه يُستعمل في شيء دموي (بالفعل سيقتل عثمان البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً خلال ساعات). وبدا له أن هؤلاء المصممين على مبايعته من جديد وقتل ابن أخيه ثأراً – وعلى رأسهم داود باشا – هم أنفسهم الذين عزلوه قبل بضعة أشهر ليولوا مكانه عثمان، ذاهبين إلى أن بعقله خللاً.
لكنه وسط الجلبة (بينما عثمان يخطب في الجند ممزق الثياب، عاري الرأس، وداود باشا على أكتاف ثلاثة من الانكشارية يحملونه ركضاً وفي يمناه حبل مشنقة يلوح به في الهواء) بدا لمصطفى أنه انتقل إلى مكان صامت أشبه بالحديقة الداخلية الملحقة بقفصه في طوپقپو – لم يكن قد اصطُلح على تسمية حبس الأمراء في الحريم بالقفص، لكنهم منذ محمد الثالث يحرَمون الخروج والاختلاط بدلاً من قتلهم بوطاق حرير حول الرقبة أو قبضة خصي تعصر الخصيتين: من بعد سليمان ولّى زمن إبادة الإخوة وأبناء الإخوة عند الجلوس على العرش، الطقس الذي ظل يبيحه شيخ الإسلام بدعوى استباب أحول الأمة… ولى زمن الغزاة قادة الجيوش والرضع المختفين في مخابئ أمهاتهم وأدعياء النسب والفرسان رماة السهام – إلا أن الحديقة التي هرب إليها مصطفى في حلم يقظته هذا أرحب وأرحم من جناحه في السراي، حيث لا يموت فيها أحد ولا تحتوي على نساء سوداوات – مصطفى ما كان يطيق النساء أو البشرة الزنجية – ولا تنتهي دهاليزها بعد خطوتين. للحديقة التي تراءت لمصطفى وهم يبايعونه في المسجد أسقف وحوائط متحركة تنزاح بمجرد النظر إليها عن حقول ممتدة وسماء… ولعله بقي في حديقة حلم يقظته إلى أن عزلوه للمرة الثانية خلال العام، إذ زادت أمارات الجنون عليه وبدلاً من إفساد المواكب السلطانية بمخالطة العوام ورمي القروش عشوائياً في الهواء – ما لم يكن يليق بالذات العلية – أصبح يدور حول طوپقپو عارياً، يصرخ ويصيح على ابن أخيه الميت أن ارجع إلى عمك يا عثمان، ارجع لتحمل عن عمك ثقل الملك الذي قطم ظهره.
ارجع ووفر على عمك هذا العذاب.
1808: محمود الثاني، ابن سليم الثالث وأبو عبد المجيد، لن ينسى في حياته ذلك اليوم (ولعله ظل يحلم به بعد مماته، أيضاً، كما يحلم في موته مولانا السلطان). لن يستريح إلى أن يحقّق ما يصبوا إليه السلاطين منذ عهد عثمان گنچ، أول من فطن إلى ضرورة محو الانكشارية من على وجه الأرض. وإلى أن تتدحرج رؤوس الانكشارية من فوق أكتافهم، بالقتل أو الإعدام أو الإبادة الشعبية مباشرة، لن يستريح. حتى خوذاتهم المهملة على المرتفعات – شاشها المجعد مدعوك بالدم – سيظل يطيّحها بسيفه كلما رآها بعد المذبحة التي أغلقت المدينة أسابيع وصبغت مياه القرن الذهبي بالأحمر…
في ذلك اليوم الذي لن ينساه، كان محمود الثاني في الثامنة من عمره. ولم ينج من هجمة الانكشارية على طپقپو إلا لأن خدم أبيه حملوه عبر إحدى المداخن إلى السطح ومنه، على سلم مرتجل من الكوفيات المعقودة، إلى حديقة آمنة، مراوغين الجماعة الآتية لاختطافه. كان الانكشارية قد انضموا إلى المتمردين الذين تمكنوا من عزل سليم الثالث (مؤسس «نظام جديد»: أول إرهاصات الجيش الحديث في الدولة) وتنصيب مصطفى الرابع مكانه، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار ومزيد من الاضطراب، ثم سيطرة أحد حكام الأقاليم، مصطفى باشا بيرقدار، على إستانبول، وحصاره للقصر في خمسة عشر ألف بهدف عزل مصطفى وإعادة سليم إلى العرش. لكن الباشا تباطأ في اقتحام طپقپو تأدباً، ولم يصل إلا ليجد سليم جثة ممثل بها. حينئذ – بينما الباشا راكع عند الجثة يلطم ويلعق جروح السلطان – جاءه عسكره بمحمود، قائلين إليك مولانا السلطان محمود الثاني أيها الباشا، ولتعلم أن مستقبل خلافة المسلمين منعقدعليك…
ربما لِما رآه هناك في طفولته، لم يسكن محمود طپقپو رجلاً، وانتقل إلى ضاحية بشكتاش حيث سيشيد ابنه عبد المجيد، على ضفاف البوسفور، قصر الحديقة (باغچه) المحشوة (طولما) بالزهور – مسقط رأس مولانا وحيد الدين – ويلوذ عبد الحميد بغابات يلدز سنة 1877 تحسباً لهجمة بحرية على شخصه. ربما لِما كان للانكشارية من تحجر في العقيدة ومقاومة للتغيير، كان محمود أول من استبدل القفطان والعمامة بالبدلة الاسطنبلّي والطربوش (المصري، كما كانوا يسمونه نسبة إلى محمد علي باشا وناسه، الذين سبقوا ناس الدولة إلى تحديث الجيش)، كما عهد بالإدارة – وابنه من بعده – لرشيد باشا وفؤاد باشا وعلي باشا (وكلهم مثقفون مجددون استفادوا، مثل علي مبارك والطهطاوي ومحمد عبده، من أوروبا ما بعد الثورة الفرنسية). ربما لِما عاناه من فزع وفجيعة، لم يهدأ حتى أتى على الانكشارية عن آخرهم، وخوذاتهم، سنة ١٨٢٦. حين حصل محمود الثاني على فتوى تؤكد أن الزي الجديد مثله مثل التدريب العسكري المستحدَث ليس أوروبياً كافراً وإنما إسلامياً مجدداً، كانت قد لحقت الحداثة – أخيراً – بالدولة العلية.
1924: أكثر الناس لم يسمعوا بعد بالأمر، من سمع تجمع على بوابة القصر وفي الطريق إلى محطة قطار چاتالجا البعيدة عن حدود إستانبول، حيث تقرر أن يؤخذ عبد المجيد أفندي منعاً للتظاهر من طريق ملتوٍ يقع معظمه خارج المدينة. وهناك على بوابة المحطة، تجمع آخرون يهتفون لآخر مرة في تاريخ أوروبا باسم العسملي. أكثر الناس بين الاعتصام والامتثال. لا أحد سعيداً أو متحمساً لما يجري، لكن لا صوت لأحد. فقط هذه الجموع وسرعة الحركة… غير أن الخليفة اضطر وأسرته للبقاء في محطة چاتالجا بلا أكل أو نوم حتى وصل الأورينت إكسپريس المتجه إلى سويسرا في منتصف الليلة التالية – وحينئذ ناوله المحافظ جوازات السفر وعليها التأشيرات ومظروفاً يحتوي على ألفي جنيه استرليني – بينما الشرطة تحجز المتظاهرين في الخارج، والليل يسقط على الدانوب دون أن يُسمع الأذان. من مجلسه المسائي المعتاد في طولما باغچه إلى مكتب رئيس محطة قطار چاتالجا:
لأول مرة منذ 1517، كانت قد انفصلت سلطة الخليفة الروحية عن سلطته الزمنية في شخص عبد المجيد ابن عبد العزيز، والآن ها هو يجلس متململاً في انتظار الأورينت إكسپريس ليغادر إستانبول بلا رجعة، ضيفاً على رئيس محطة چاتالجا اليهودي. خلال قرون الدولة السبعة، كان للنصارى – واليونانيين بالذات – نصيب الأسد من خير العسملي. الصدر الأعظم الوحيد الذي تمكن من توريث منصبه عبر بضعة أجيال، كوپرولو محمد باشا، كان أصله يونانياً. غير أن علاقة الترك بالنصارى اضطربت منذ الحرب العالمية الأولى: مذابح الأرمن، وحث الأوروبيين لورثة مهد حضارتهم على القتال من أجل قومية وطنية. الكل هاجر أو هُجّر، ولم يبق من الملل التي رعاها العسملي قروناً سوى اليهود من أمثال رئيس المحطة الذي يضايف الخليفة المرتحل جبراً، ويعبر بصدق عن أسفه لما يرى: «حين طُرد اليهود من إسپانيا، كان العثمانيون أول من منحهم المأوى… وحدهم آل عثمان أعطونا حرية العبادة وحافظوا على أملاكنا ونسائنا وحياتنا… لعلني أستطيع أن أرد إليكم ولو جزء تافهاً مما يمليه علي واجب العرفان بالجميل…»
لا أحد يعرف على وجه التأكيد، لكن المفترض أن عبد المجيد أفندي، عندما سمع هذا الكلام، ما كان منه إلا أن أزاح عينيه عن عيني رئيس المحطة، ثم انخرط في البكاء.

One response to يوسف رخا: تاريخ آل عثمان في ست حكايات

  1. Arbada

    يا الله ما أجملك! تخلط الحقائق التاريخية، دون أن تمس قداستها، ببعض الرشاقة الأسلوبية، لتمنحنا منمنمة عثمانية ملونة ترق لها العين، بدلاً من اللوحات الخشبية لإيتيله التاريخ!

    وقعت على الصفحة عرضاً، أثناء بحثي عن لعوب السلطان – روكسلان، فلعبت أنت بقلبي.

    من أنت؟

    ما أجملك!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s