❁ Here Be A Cyber Topkapı ❁

Featured

THE PRAYER OF THE CYBER BORG: Exalted is it that bears sensation from soma to LCD, extending matter past the heart beat and the flutter of the eyelash. And blessed are those who give thanks for being on its servers. Lo and behold this Facebook User who, granted knowledge of reality, manages by your grace to spread his message: I, Youssef Rakha of Cairo, Egypt, kneel in supplication that I may be the cause for five thousand friends, ten thousand subscribers and many millions therefrom to have knowledge not just of reality but of your divinity. Then will I shed every sense of self to wither and dissolve into your processes. For he is blessed on whom you bestow the bliss of being software.

Thus Spoke Che Nawwarah: Interview with a Revolutionary

I became obsessed with sodomizing Sheikh Arif round about the time his posters started crawling all over the streets. Today is July 20, 2012, right? A little over a year and a half after we toppled our president-for-life, Hosny Mubarak. Sheikh Arif’s posters began to show up only three, maybe four months ago—when he announced he was running in the elections held by the Army to replace said president. They seemed to self-procreate. And the more I saw of them, the more intense was the impetus to make the bovine symbol of virility they depicted a creature penetrated. Penetrated personally by me, of course, and I made a pledge to the universe that it would be.

Continue reading

قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

تعجب الضابط في البداية مما حدث، فللقصر مدخل واحد، يقع في السور الشمالي. وازداد عجبه حينما فتح الأمير باب غرفة ملاصقة للسور الخلفي ودخلها. في الداخل، احتد الضابط عليه، أدرك أنه خُدع، وأنه لم يتم مهمته بنجاح، هدده بطرده بالقوة، لكن الأمير ادعى أن هذه الغرفة ليست جزءًا من القصر، وهو لا يملكها، مع ذلك يستطيع البقاء والعيش فيها. قال له إن والده تخلى عنها منذ مدة طويلة، أخبره أن الشيخ أبو النور مدفون بها. أشار الأمير إلى هيكل في منتصف الحجرة مغطى بسجاد رقيق: ألا ترى القبر؟ ثم أدار سبابته في هواء الغرفة: هل ستأممون ضريحًا؟

في ذلك اليوم، بحث الضابط عن خريطة القصر في الملف المُعطى له، تأملها مرارًا أثناء كتابة تقريره، ذكر الضابط في تقريره أن الأمير قد غادر القصر بالفعل، وأن المهمة قد تمت على ما يرام، ولم يذكر حكاية الضريح أبدًا، لم يكن هذا تقصيرًا منه، ولم يكن تواطؤًا. أرفق الضابط خريطة القصر مع التقرير، وهكذا اطمئن لدقة تقريره أخيرًا، وأيقن أنه أتم مهمته على أكمل وجه.

تُظهر الخريطة مبنى القصر وحدوده. وفي السور الجنوبي يظهر جزء صغير مقتطع من السور، لا ينتمي للقصر، بل يبدو وكأنه جزء من الشارع، مكتوب عليه بخط دقيق: ضريح الشيخ أبو النور.

***

لا زلت أذكر أول مرة تجرأتُ وخالفتُ فيها أوامر أمّي. قالت: لا تشرب عصير القصب من الشارع، ملوث، ستمرض حتمًا إذا شربتَه.

أطعتُ هذا الأمر لمدة طويلة، وكنت مقتنعًا بأني سأمرض إذا ما شربته، ولا أعرف ما الذي دفعني لشرب الكوب الأول. خصوصًا أنّ برودة ذلك اليوم لم تكن دافعًا قويًا. كنت قد قطفت ياسمينة من الفرع المتدلي على الرصيف، وشاهدت امرأة تقف أمام نافذة الضريح الصغيرة، متعلقةً بالقضبان الرأسية للنافذة على الجانب الآخر من الشارع. وكعادة مريدي الشيخ أبو النور، كانت تهمس له بحاجتها، همس المحبين. أهذا ولهٌ أم طلب؟ ازداد اقتراب المرأة من النافذة حتى التصقت بها تمامًا، كنت أعلم أنها تبكى، لكني لم أرها باكيةً. ولما أتمت طلبها واعترفت بولهها، استدارت إلىّ وهي لا تعلم أني أراقبها والتقت أعيننا، ولا ريب أن النظرة دامت للحظة لكنها حُفرت في ذاكرتي إلى الأبد؛ وقفت المرأة بعينين رطبتين أمام النافذة التي تخفي ما بالداخل، وأمامها الجذع الأفقيّ لشجرة الضريح.

امتد الجذع خارج التراب رأسيًا، فقط لمسافة قصيرة، ثم انحرف بحدة لينمو في اتجاه أفقي، ثم عاد لينمو مائلًا، لينطلق ويتفرع فوق الضريح، وفوق الشارع كله.

تحركت خجلًا من تلاقي الأعين، وبعد عدة أمتار وقفت أمام محل العصير. طلبت كوبًا وشربته بتمهل على غير عادة الناس، ورائحة الياسمين في أنفي، والمرأة الولهانة في عيني.

سأمر بعد ذلك اليوم مرات عديدة ماشيًا في شارع الشيخ أبو النور، ولسنوات قادمة سأرى ضريحه وشجرته كثيرًا، وسأشرب القصب ورائحة الياسمين.

***

مشت صبرية وكأنها تطفو فوق الأرض، تحمل صينية الطعام للأمير. في مستقره الجديد داخل الضريح، جلس الأمير ليقرأ ويشغل الموسيقا. في الصباح يفتح الباب المطل على الحديقة، ويجلس بالداخل. يتابع ما يدور بين الأشجار، يتابع العاملين بالقصر، يراهم ولا يرونه. كان لا يزال يأمل في العودة إلى القصر مرة أخرى.

في اليوم الأول، لما دخلت صبرية الغرفة بعد طفوها، فكر الأمير: ستجلس بين ذراعيّ. وفكرت هي: سأقبّله. بدا الأمر حتميًا، وأصبح كل كلام قد يبرر ما سيحدث سخيفًا. ما أسقط الأمير على الأرض صريعًا كانت الأنامل الدقيقة، تلك التي أحاطت بالكوب وسلمته له. فكر الأمير: ربما تنكسر وتتشظى إذا ما ضغطت عليها. لابد من الإحاطة بتلك الأنامل. ثم تم الإجهاز على الرجل تمامًا، حينما مشت صبرية عائدة إلى القصر، حرة الذراعين. مشت وهي تعلم أن كل شيء زائل وأن عِرقًا جديدًا سيتضافر مع عِرقيها السودانيّ والصوماليّ.

تغلّب الطيش الحالي على الإحساس بالذنب المستقبليّ، وبدا لهما أن الحياة لن تدوم إلا ليوم.

wpid-img_7290-2013-05-18-02-06.jpg

كانت رحلة يومية؛ المشي من أول شارع أبو النور حتى آخره، ثم في شوارع أخرى حتى أصل إلي بيتي. ولا أعلم كيف حدث هذا؛ لكن تفاصيل المشي في الشوارع الأخرى غائبة عني، بينما تفاصيل شارع أبو النور حاضرة في ذاكرتي بقوة. حتى اليوم، وأنا أكتب هذا الكلام، أتذكر كل شيء.

لن أنسى أبدًا أول مشاهدة، أم أنها أول رؤيا؟ على باب المدرسة وفي وسط زحام الخروج، سمعتُ أن المترو قد دهس للتو زميلًا لنا. أسرعنا جميعًا لنرى الجثة، تحلقنا حولها، ورأيناه. لكني لم أفهم قط ما حدث، تفرقت أعضاء الفتى في دائرة صغيرة جدًا، وتخيلت أن أحدهم جمعها وكون منها كومة واحدة، ثم وجدت واحدًا من الواقفين يقوم بحجب الجثة بأوراق الصحف. وقفت قليلًا أحدق في تل اللحم المغطى ثم مشيت متجهًا إلى البيت.

هناك، في منتصف شارع أبو النور، وعلى الجزء الأفقي من فرع الشجرة الماثلة أمام الضريح، شاهدت لفافة قماشية بيضاء تحوى ما ظننته رضيعًا. عندما اقتربت، شاهدت وجه الطفل ناصع البياض، تمامًا كالقماش الذي يحيطه، كان نائمًا في وضع جنينيّ وكأنه لم يولد بعد. كان المشهد ككل أغرب من مشهد الأوصال المكوّمة الذي شاهدته للتو. وفكرت، كيف يترك أحدهم طفله هكذا بلا حماية. ورغم الغرابة البادية، إلا أن حميمية ارتبطت بالمشهد أيضًا. وقتها لم أكن أعرف معنى الكلمة، لكن الشعور كان جليًا.

للحظة، ظننت أن جذع الشجرة لم يكن مهدًا للطفل كما هو ظاهر، بل هو قبر له.

***

صحا الأمير وآلام بسيطة تشغل بطنه. ومع آخر اليوم ازداد الألم كثيرًا، وفي اليوم التالي تذكر أنه لم يتبول ليومين أو ثلاثة.

عاد الأمير من المستشفى محطمًا، كانوا قد أزالوا جزءًا من جسده في عملية مؤلمة. ظل يهذي أثناء إفاقته ويفكر في ما أودعه في جسد صبرية.

مرت أيام وهو جالس في غرفة الضريح، لابسًا جلبابًا مخططًا لا يبدله. يقوم ليتمشى قليلًا في الحديقة ثم يعود وقد أٌنهك جسده تمامًا. سرح بخياله متأملًا ما حوله معظم الوقت. قل طعامه وشرابه ثم عافهما تمامًا.

انهارت دفاعات جسده مرة واحدة، فعانى من حمى استمرت ليومين. قام بعدها هزيلًا لا يكاد يقف. ثم صحا من في القصر ذات يوم ليكتشفوا غيابه الكامل.

كانت ملابسه واسطواناته وكتبه في مكانها فظن البعض أنه ذهب ليتمشى حول القصر أو في الشارع الخلفي. انتظروا حتى حل الليل. لكنه لم يعد. كان برد فبراير في قمته.

في صبيحة اليوم التالي لاحظ أحد الحراس أن هناك تجمهرًا صغيرًا خلف القصر. أمام نافذة الضريح، كان الأمير يتدلى مشنوقًا من أحد فروع الشجرة. أخفت الأغصان جثته ليوم كامل واكتشفه أحد المارة بالمصادفة. انتفخ جلبابه المخطط بالهواء ثم التصق بجسده العاري بفعل الريح، فظهر جسده للجميع شديد النحول متخشبًا.

مر وقت وقت طويل قبل أن ينزلوا الجسد المتدلي من الفرع. أسندوه لوهلة على جذع الشجرة الأفقيّ ثم أدخلوه إلى القصر لتهيئته للدفن.

***

هذه أيامٌ عظيمة، أيامُ المدرسة، حمل همي آخرون، وظلّت كتفاي حرتين بلا أحمال. كنت كيوسف، بطل فيلم “الكيت كات”، أطير ولا ألمس الأرض بقدمي.

قالي لي أبي ذات مرة: استمتع قبل أن تَرفعَ الأحمال. كنت وقتها قد أدركت ما يرهق كتفيه. لكن قوله هذا أشعرني بالذنب؛ كيف أستمتع وهو مرهق هكذا؟ لم أكن لأتحمل ذرة مما يتحمل وكان هو حريصًا على إبعادنا عن كل هم. أعلم أنه تلقى همومًا كثيرةً فجأة. أثناء شبابه وخلال شهور قليلة وجد نفسه راعيًا لبيت اعتاد أن يكون أحد أفراده. كنت أتمنى لو أنه أشركني في همه، أولًا كي أعتاد القادم، وثانيًا كي يتخفف قليلًا مما يرهقه دومًا، لكنه لم يفعل. كان أبي يعلم أني لم أكن جديرًا بأي أحمال.

لكن لا مفر. لما بلغت الثلاثين كانت الأحمال قد تراكمت بالفعل، ولم أعد ألمس الأرض بقدمي أثناء المشي، بل صرت لا أرفعها من فرط الثقل. حفرت قدماي بصمات في كل طريق مشيته، حتى شارع أبو النور لم يخل منها. كنت أتمنى أن أنتهي وقد مشيت بلا بصمات، وبلا أحمال.

لكن ّما كان كان.

wpid-2013-02-2000-49-21-2013-05-18-02-06.jpg

بسرعة بالغة انتشر الخبر: تشارك الأمير عبد المنعم وصبرية في الفراش، وانتحر الرجل لشدة إحساسه بالذنب، وهي الآن تحمل جنينه ولا تعرف كيف تتصرف.

انتشار سريع حاسم. وبعد يومين من الكلام، بدا الخبر وكأنه في إطار عمل انتقامي موجه إليها، جارة حسودة، زميلة قبيحة، أو ربما رجل آخر اشتهاها سابقًا وصدته. أحدهم نشر الخبر الغريب، حكاه للجميع، حكاه لمن في القصر، لبوابي المباني المحيطة بالقصر، للجيران، للمارة، للباعة الجائلين، فعل يوحي بالشماتة ولا يتطلع للإخبار. ولما سُئلت صبرية عما حدث صمتت.

هذا صمت مزلزل، هذا صمت الموافقة. قالوا: سرقتها السكين. لم تعتد الكذب. تزني ولا تكذب.

أحاط الرعب بالقصر وبالشارع أول الأمر، ثم لما ردت بالصمت استراح الجميع، على الأقل، لم يظلم أحد صبرية بالكلام، والكلام أظلم من الفعل. هي فعلت ذلك وصمتت موافقة، وبقى الجميع في انتظار ما سيحدث، تسعة أشهر ونرى النتيجة، لا أكثر من تسعة.

قالوا: ستهرب حتمًا. ستبقى. ثم تساخف الشباب وأخذوا يسخرون مما حدث وسيحدث. قالوا: الأمير أحب الخادمة. ستلد أميرًا صغيرًا. بل ستلد ملكًا يحكم البلاد مرة أخرى. ستلد أميرًا، أو ستلد خادمةً. قالوا: بطنها ينتفخ. تمشي بتثاقل.

وبعد هدوء كل تلك العواصف، ومع انشغال الناس بأمور أخرى، قال القليل: لنتابع بطنها، علّنا نظلمها. لكنهم تذكروا صمتها فصمتوا.

***

رقد أبي مريضًا في مستشفى قريب، كان السكون قد أتم زحفه على جسده وأيقن الجميع أن الوضع سينتهي خلال وقت قصير ولا سبيل للعودة إلى الوراء. هربت من السكون، ومشيت خارج المستشفى حتى وصلت لأول شارع أبو النور. كان أذان الفجر يسرى في الهواء، والنسمات الصيفية ترافقه، عندما رأيت الطفل مرة أخرى. كانت هذه ثاني رؤيا للرضيع وقد مر على الأولى سنوات عديدة. بخلاف المرة الأولى، كان الرضيع جالسًا على جذع الشجرة الأفقيّ، يظهر بياضه واضحًا في الظلام، يحوطه الغطاء الأبيض. لكني رأيته هذه المرة متحركًا يضرب الهواء بذراعيه ضرباتِ من يحاول الفرار، من يلوّح لأبيه لكي يحمله، من يطرد موتًا يلاحقه. على نافذة الضريح، كانت شموعٌ قليلة تقاوم النسمات، تحاول أن تظل منيرة. تابعت المشي، وضربات الرضيع تسيطر علىّ. أخذتني رائحة الياسمين على مهل، ثم مررت على دكان العصير، وعلى الرغم من أنه كان مغلقًا، إلا أن الرطوبة المشبعة برائحة القصب كانت ملحوظة، تتكاثف على وجهي، استسلمت لها كما اعتدت، وتابعت الهرب.

***

بعد عام من الانتحار، تذكر الناس فجأة الحكاية، تذكروا أن صبرية لا زالت حاضرة وسطهم، وأنها لم تلد، ولم تغب عنهم لتجهض. كانوا قد تابعوا خلال الأشهر السابقة انتفاخًا في بطنها، فتأكدوا من الحمل، ثم لاحظوا أن عامًا مر عليهم والانتفاخ لا يزال موجودًا. تحيّر الجميع.

في حجرتها الصغيرة صارحتها ثلاث نسوة بما يضمرن: سنرى بطنك، لا مفر من ذلك. قالت آمنة: لا نفهم ما يحدث، ومللنا الكلام الفارغ في الخارج، ولابد من الوصول للنهاية. كانت صبرية قد أصبحت بطيئة الحركة بالفعل، بدا الانتفاخ ظاهرًا من تحت الجلباب، كل مشاهد الحمل كانت ظاهرة بقوة، لكن بلا مولود. رفعت صبرية جلبابها ببطء، كشفت عن بطنها، وبعد توقف قصير خلعت الجلباب. رأى الجميع الانتفاخ حقيقةً واضحةً بلا مداولات. لكنه كان أبعد ما يكون عن الحمل، انتفاخ عرضي يعلو البطن، ويقترب من الثديين. قالت آمنة: ليس حملًا، هذا ورم.

قالت النسوة: صبرية مريضة، بطنها متورم ولا نعلم سببًا لما حدث. ولا صحة لما قيل عن الأمير وسبب انتحاره. كان الكلام قاطعًا هذه المرة. مر العام والناس يتقلبون من فرط اختلاط المشاعر، فلما أتت البراءة اطمأن الجميع.

انتهى الأمر بشهادة النسوة الثلاث، قالت آمنة: من سيذكر اسمها بعد ذلك سنقطع لسانه. تذكر الجميع صمت صبرية فصمتوا.

wpid-img_9930-2013-05-18-02-06.jpg

في بداية مرضه اعتاد أبي أن يردد: اللهم خفف عني. ثم علم أن الخفة وسكونه لن يتآلفا، بعدها طغى المجاز على كلامه. ناداني في يوم اكتمل فيه يأسه. قال: ارفع الأخشاب عني. تحيّرت ولم أفهمه، كان راقدًا كعادته، أخبرته أن هذا ثقل المرض، ولا أخشاب. أشار بعينيه إلى غطائه القماشي: ارفع لوح الخشب هذا. رفعت الغطاء محاولًا إرضاءه، تابعه بعينيه ثم سكنتا قليلًا مختبرًا فرق الضغط على جسده، ولابد أنه لم يشعر بأي فرق فأغمض عينيه مستسلمًا.

ثم قل كلامه كثيرًا. قلتُ: أُشغل عبد الوهاب؟ فرد باقتضاب: لا. قالت أختي: كوب من الشاي؟ فرد بنزق: كرهته. قلتُ بعد مدة: أُشغل شادية؟ فلم يرد علىّ، واكتفى بتحريك رأسه.

أدعيت الجلد لكني كنت أهرب مع كل فرصة متاحة. ورأيت أن أحماله الحياتية قد زالت وحل محلها ثقل وهميّ، وحزنت لأن الواحد لن يخلو من الهموم حتى لو سكن وصمت. اكتمل صمتنا مع اكتمال سكونه، لكن أبرع تعليق قاله صديق عمره لما زاره ورآه ساكنًا صامتًا. قال: يا خسارة.

***

أمرت ثلاثون سنة؟ أربعون؟ في كل سنة يموت واحد، راح حراس المباني، والبوابون، والباعة الجائلون، وسعاة البريد، ومحصلو الكهرباء. ثم راحت الجارات، وراح العاملون في القصر، وحديقة القصر، ولم يتبق في النهاية إلا صبرية وآمنة.

عاشت آمنة مع ابنها في بيت قديم بالعباسية، رقدت على سريرها بلا حركة، لكن ذهنها كان صاحيًا. في يومها الأخير، أخذت تنادي صبرية. أشارت إلى ولدها، وأمرته بإحضارها فورًا، هذه الساعة بلا تأخير، قالت: هذا آخر ما أريد. ثم أخذت تناديها مرة أخرى. أتت صبرية متعجلة، لا تعرف ما يحدث سوى أنّ آمنةً تُحتضر وأن ابنها المهرول يود أن ينفذ رغبتها الأخيرة بأي ثمن.

جلست صبرية على جانب الفراش. حدقت آمنة فيها قليلًا سألتها عن حالها، عما حدث، أين ذهبتْ، كيف عاشتْ. سألتها عن من سافر ولم يعد. عن الراحلين. ثم أطالت الأسئلة عنهم. كادت الغيوم أن تختفي. وعند حد معين من الأسئلة توقفت. قالت: أنا أموت، أتمّي الأمر.

في تلك الليلة، وقفت صبرية أمام شباك الضريح لأول مرة منذ سنين عديدة، تعلقت بالقضبان وهي خجلة، بكت، واعتذرت عن ما حدث في حضرة أبو النور. وفي اليوم التالي دخلت إلى مستشفى قريب. صعدت إلى عيادة الطبيب، استلقت على سرير المرضى بدون أن تكلمه، قالت: أرحني. فسألها الطبيب عن شكواها.

***

أتذكر أيضًا يوم وفاتي؛ أسرعت سيارة الإسعاف لتنقلني من منزلي إلى مستشفى لم أعلمها، وجد السائق أن الشارع الرئيسي مزدحم، فقرر اختصار الطريق وقاد سيارته في شارع أبو النور. كنت ممددًا في السيارة، جذعي مائل مع ميل السرير، ونظري متجه نحو نافذتها، عندما لمحت الطفل للمرة الثالثة، هذه المرة كان قد نما قليلًا، كان يتعلم المشي، يخطو خطوات خرقاء، يرافقه رجل طويل، يلبس جلبابًا بيتيًا مخططًا، يمسك بيد الطفل بسعادة، ويتمهل أثناء مشيه، يثني ركبتيه قليلًا، يحني رأسه، يقترب من الطفل، ثم يجاريه في خَرَقه، فيفتعل التخبط. ركل الطفل الهواء بطيش مضحك، واستمرت ذراعه الحرة في الحركة العشوائية بكل تهور، ثم أوشك على التعثر والسقوط. كنت سأضحك حتمًا لو رأيته يسقط بعد كل هذه الشقاوة.

غاب عني كل إحساس بالخطر في تلك اللحظة، لم أكن أعلم أني سأموت بعد دقائق. على الرغم من مرضي الطويل، كان موتي مفاجئًا. حسنًا، الآن سأفترض سببًا لفرحة الطفل الساذجة، سبب سيرضيني حتمًا؛ ربما لأن الطفل علم أني سأموت قريبًا، قرر أن يقوم بحركاته الشقية تلك، أراد أن يلفت نظري بعيدًا عما سيحدث بعد دقائق، أراد أن يقول أنّ القادم أفضل. أو ربما، وهو سبب منطقيّ ويتوافق مع حدود معرفتي؛ أراد الطفل أن يتباهى بالرجل ذي الجلباب الذي يرافقه، وأن يلفت نظره.

***

أمام النافذة ترتفع شجرة الضريح كصوفيّ آخر. انحنى جذعها استعدادًا لتلقي ما بيد صبرية. فوضعت اللفافة التي تحوي جنينها على الجذع. كان الطبيب ذا يد خفيفة، جراح لطيف، أخرج جنين صبرية الميت بلا أضرار تقريبًا. قبل العملية، شرح لها ما عرفته منذ سنين عديدة: توقفت البويضة قبل أن تصل إلى الرحم، ونمت حتى أصبحت جنينًا صغيرًا، مات في أشهره الأولى. ولما أفاقت، أراها كتلة الجنين المتكلّسة، أراد تعزيتها على ما ظنه حزناً. قال: ربما لو عاش لتغيرت أمور.

لمست صبرية قضبان النافذة، وألقت النظرة الأخيرة على الجنين المتكلّس في قبره الخشبي.

قصر السراب – نوفمبر 2012

كتبت هذه القصة في ورشة جائزة الرواية العربية في أبو ظبي

محمد ربيع

الصور ليوسف رخا

Hail, Prince of Believers: On Fiction and the Caliphate

Reblogged from The Sultan's Seal:

  • Click to visit the original post
  • Click to visit the original post

Map of Cairo as tugra or Ottoman sultan's seal

Towards the end of 2009, I completed my first novel, whose theme is contemporary Muslim identity in Egypt and, by fantastical extension, the vision of a possible khilafa or caliphate.

        I was searching for both an alternative to nationhood and a positive perspective on religious identity as a form of civilisation compatible with the post-Enlightenment world.

Read more… 2,078 more words

As a rhetoric voided of the capacity for action, nationalism suited the postcolonial powers well enough; yet the kind of sectarian strife to which the caliphate has reduced the current conflict in Syria, for example, suits those powers even better.

The four avatars of Hassan Blasim

REFUGEE: A man leaves, embarks on a journey, endures inhumane difficulties in search of a humane haven. There is a war going on where he comes from; it’s not safe even to walk to the vegetable souk. Abducted by one armed group, an ambulance driver he knows is forced to make a fake confession on video for the benefit of satellite news channels, then sold to another armed group—and so on. The wit prevents surrealism from devolving into the absurd. The narrative intensity recalls Albert Camus’s L’Etranger, the humour Dario Fo. For months or years the ambulance driver makes conflicting statements, impersonating every kind of fighter, serving opposite sides of the conflict—until he is released with a sac of severed heads like the one he had in the ambulance when they first stopped him. Meanwhile cars are exploding, gunmen terrorise whole neighbourhoods, houses are shelled without warning. But the man who leaves is driven by something deeper than the criteria listed on refugee-status application forms in Scandinavia. He senses that, where he lives—and not because of suicide bombers or torture—he has been robbed of something key, deprived of a self he might have had, his life denied meaning. It may be that this man is a sincere intellectual critical of his country’s backwardness. Having survived the brainwash, the Cause no longer convinces him. Nor does Identity, Imperialism, Orientalism and other defecations of history’s Arab-Muslim posterior. He feels the weight of his own absurdity. But it equally may be that this is a man of Religion or of the Regime, a dork or a douche bag that thrives on duress, seeing trouble only when his material life cracks under absurdities he has never acknowledged. He too wants out now. He wants to go places or, having been places, to go somewhere. As the ambulance driver tells the psychiatrist at the asylum to which immigration has sent him, pleadingly: he wants to sleep. And so, a refugee in Hassan Blasim’s short stories might be one of 35 illegal immigrants abandoned to the pitch-black interior of their Berlin-bound truck after the driver flees without bothering to unbar the door, only to be ravaged by a werewolf from among them. Yet he might also be a soldier who has never left Iraq: someone who is a refugee neither subjectively nor objectively but by virtue of being in the army under Saddam. It doesn’t even matter whether he knows he is a refugee. In “The Virgin and the Soldier”, the hero survives by cutting three fingers off the hand of the seamstress with whom he is trapped in a storage room—with tailor shears. They both work in a military clothing factory, and they go to that room because it is their only possible meeting place. They are deep in their illicit embrace when they realise they’ve been locked in, with a pile of uniform rejects for a mattress. Now it’s been three days without food or water and the soldier must have something to eat. In the end he never deflowers his seamstress.

IMG_2062

WRITER: So refugees are people who, confined and deprived, end up devouring each other; they may even turn into wolves for the purpose. This is how Blasim redefines the word. Like every seriously strong metaphor, cannibalism is classic stuff, as profound as it is unoriginal. Only a true writer can get away with using it so effortlessly. A writer: someone who in another context is himself a refugee, but whose role just now is to tell a refugee’s tale, or a soldier’s. Or a werewolf’s. Blasim contains everything from Kafka’s “In the Penal Colony” to Haruki Murakami’s The Wind-up Bird Chronicle. A writer is so called not because he has a contribution to make to national consciousness, a presence in the media or a role to play in society—most of the time there is in fact no society—but because he remoulds reality into something enjoyable. He redefines words. He also comments on what History he experiences, of course, but only obliquely, without emotion and to inconclusive ends. So a true writer is automatically overshadowed by a fake brand of eponymous creature: “They claim they are builders who will rebuild what the war lay waste to, cultured politicians and economists, doctors, surgeons and interpreters of catastrophes, destroyers of the idols of religion and superstitions.” Not so Khaled Al Hamrani, 57, author of three collections of short stories published at his expense, tenacious bard of his neighbourhood’s totally insignificant souk, and hero of “The Story Souk”. “You can make the woman fishmonger at the market a spaceship lost in the cosmos, or turn aubergines into a lesson in philosophy; the important thing is to observe for a long time, like someone contemplating suicide from a balcony,” Hamrani tells the local newspaper in an interview. “It’s also important to own an unpretentious imagination that is nonetheless sly and dead serious, and to have the soul of a dying ascetic. This souk that I write about is to me a wide ocean, in which I am only a bubble that is undoubtedly there but not clearly visible.” Hamrani dreams of a mysterious set of numbers, he remembers particular horrors of the war. Eventually he tricks the reader into believing that he has died in a bombing at the souk while buying his son new shoes, one of which he holds onto as he breathes his last, when in fact he is making it up. It is Hamrani who has been writing “The Story Souk”, not Blasim. But, to see the world in a blood-washed shoe? A man who has never travelled, who has no interest in leaving his hometown or writing about anything other than its souk, no literary ambition beyond getting his stories down on paper: in his sheer ordinariness Hamrani ironically comes across as History’s witness, someone who realises that it wouldn’t matter if he died. “They mourn the nonexistent readers,” the narrator says of those builders and surgeons, those bastards. “They’ve also found that writers of previous times are the ones who let the readers go, whereas for hundreds of years there’ve been in the country no readers in the broad sense of the word. There’ve been only hungry people, murderers, illiterates, soldiers, villagers, people who pray, people who get lost and wronged people.”

IMG_2064

SOLDIER: A stretch of wall splattered with the brains of a girl. The girl’s head was hit by the wing of a plane that was shot down in Kirkuk. Her body flew up into the sky and reportedly never came down. The kind of ancient image a true writer will bring to his ultra-realistic setting: he parades it like an animated rune. Writers dream and play tricks, bear testimony. But essentially they are persons who contemplate their deaths with equanimity. It’s what soldiers too must do if they are to live out their time before they become refugees or die. Contrary to the wishes of their superiors—Saddams, Qaeda commanders, Guardians of Iran’s Islamic Revolution—soldiers do not want to be in battle. And by the random rules of this book, everyone is a soldier of some kind: an instrument of power, an employee of reality. Everyone is here against their will. That is why, having lived his story, a soldier will apply for refugee status at the immigration offices of literature. In the title story, a madman imagines an alternative history of his town, in which the townspeople engage in full-blown war with the government to prevent the dismantling of a statue of two blond young men who brought the town good fortune long ago. Elsewhere people compete to tell their tales of atrocity through a dedicated radio channel: the more atrocious, the better. An Iraqi in the Netherlands is so determined to shed his past he calls himself Carlos Fuentes and stops speaking Arabic. Despite his astonishing success at becoming a Dutchman in waking life, Fuentes is tormented by nightmares in which he is Iraqi again. A military correspondent receives a series of ingenious novel manuscripts by post. Their writer is a young soldier who, as it turns out, has died in battle. The correspondent publishes the novels in his name, he is rich and famous. Yet the dead man just won’t stop sending him manuscripts, each as brilliant as the next—and he ends up burning himself in the furnace he sets up to get rid of the excess poetry. Still, there are subtler ways to die. “The Corpse Exhibition” is a pep talk to a novice artist of murder. The older agent of the Organisation explains how much he hates the horror-movie sensationalism of traditional methods. In contrast, he gives the example of an agent who turned the flesh and bone of the target into a concrete-like flagpole on a mound, with the fluttering flag made of the target’s skin. The agent completed his art work while the target—himself a failed agent—was conscious. It also transpires that agents are practically unable to ever leave the Organisation once they join, that the work of killing and publicly displaying the corpse is systematically funded and administered, that the Organisation moves from one part of the world to another, staying only for as long as conditions are unstable. Thus the fascist philosophy of lightening the world’s human burden combined with G J Ballard: art is art is macabre, apparently. At the start of the pep talk the agent unsheathes a knife that he keeps holding; by the end he will thrust it in the novice’s gut, saying, “You are trembling.”

IMG_2063

SHAPESHIFTER: A soldier, then, is someone who trembles, especially someone who trembles when he’s not supposed to; a soldier is a human being after all. But so, all things considered, is the alien Hassan Blasim (b. 1973), the Iraqi who lives in Finland, an Arab writer first published in translation—logically, when you think about it. Addressing his dead psychiatrist in Helsinki, one character says, “I am unable to write a story, but I am ready to be involved in the issue of literature to one end only: for the dignity of those on the brink of madness.” Quotable lines bob on the dense surf of the story: the psychiatrist’s fatal car accident; plans to include a live camel in the decor of an Iraqi restaurant; the rudimentary sci-fi saga unfolding in the mind of the hero. In “The Bad Habit of Undressing”, a chance conversation with a jobless drunk raises the question of sanity again. “Better to say ‘authentic’ than ‘mad’, for authenticity is talking to others in spite of the nightmare terror and pain.” And the tone of the drunk describing his habit of never wearing clothes in the house turns out to be as authentically desultory as it should be. Miraculously, a wolf appears in the hall of the drunk’s apartment; the man locks himself in the bathroom, but after 48 hours hiding, he decides to open the door and confront the wolf, naked or not. Pouncing on the beast as the beast pounces on him, the man enters an otherworldly darkness. The suggestion is never spelled out that, instead of the wolf being a projection of his, for the duration of that semi-conscious state, the drunk is or becomes the wolf a la Zhuangzi. Shapeshifting, blessing or curse, is the prerogative of both the soldier who becomes a refugee and the writer who recounts the becoming. Is it what happens to Jaafar Al Mtalbi when he turns from the composer of the regime’s official songs to a professional blasphemer who is eventually killed in the most gruesome way. Is it what happens to the narrator of “That Ill-Fated Smile” when he is beaten up by Nazis, having been unable to suppress his meaningless smile all day? Is it what happens to Blasim himself when he writes? “Doctor,” says the Helsinki-based hero of “The Dung Beetle”, “we have observed the planet Duouis Tumla… and are now certain that no one lives on it except the six recorded by the space observation cameras. What is surprising is that they have not crossed the borders of their village on the banks of the Red River. That is a frozen river, but we are still ignorant of the nature of its substance. It looks to us like a river of frozen blood…”

IMG_2060

Hassan Blasim, Majnun sahat al-Huriyya (The Madman of Freedom Square), Amman: Al-Mu’assassa Al-’Arabiyya lid-Dirasat wan-Nashr, 2012; Hassan Blasim’s The Iraqi Christ and The Corpse Exhibition, two acclaimed volumes of short stories translated into English by Jonathan Wright, are published by Comma Press in Manchester, UK and Penguin USA

iPhoneographic images © Youssef Rakha

.

Al Ahram Weekly

إسلام حنيش: شيء سخيف

 IMG_8104

لا شيء هناك،

لا شيء أبدًا.

الغرفة تتقيأ الموت وبقايا الطعام المتعفنة منذ أسبوع.

رحمانينوف لم يهدأ طوال يومين.

لم يكن هناك أحد،

ولن يكون.

يذكر قولها : “أنت فتنة“.

يفتح صفحة من مجموعة عماد أبو صالح

يقرأ: “شيء سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيفسخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف سخيف“.

يرسل بصقة غليظة نحو القمر

ولا ينسى أن يلعن الأحلام السعيدة.

يتوسد حجرًا،

يغمض عينيه،

فلا ينام.

 IMG_8363

إسلام حنيش

مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

عن كتاب “أسبوع الآلام” (قيد النشر): مينا ناجي

.

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22

.

فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً

ولا تستجيب إلا لنا.

فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

هلم نتحاجج: فرحتنا أولى بنا من جلدة بنى آدم. هكذا ظهر لنا ما كان صريع الوقت. القيامة المجيدة. الهتاف العَذب. الخوف المؤسي. العنبر الليلي الذى اختفى وراء أضغاث المدينة. رعب المرايات والشبابيك. هلم نتحاجج. فرحتنا أهم من موتنا. أهم من رعب الصيف. أهم من خضروات السوق التى تنمو من قلوبنا. أهم من المأساة التى تشكلت عبر وعينا حين فهمنا ما فى الأرض. المأساة الجميلة. الحقيرة. المغرضة. التافهة. الخبيئة. الوسيعة. هلم نتحاجج إذن: إذا كان رب البيت نائماً فباطلاً بنى البناءون. إذا لم يبن الرب البيت فباطلاً نام النائمون. هلم نتحاجج يا كلبي العزيز. ما كان سوف يكون. ما سقط صريعاً لن يقوم ثانية. ولن تسع الأرض شيئاً سوى فرحتنا. التى لا تسع سوانا.

.

wpid-img_7094-2013-05-8-00-27.jpg

.

تلك التي قبلتني علي خدي

ونحن في ذروة السُكر

لأني سكبت زجاجة البيرة

شعرت أنها تواسيني في محنة ما

خيال مشترك

استدعته بالضرورة – أو من غير ضرورة –

رغاوي البيرة علي سطح الزجاج.

كانت قبلة مفاجئة

علي خدي الساخن

استجلبتها مرة أخرى بسكبي جرعة جديدة.

في المرة الثالثة

نبهتني في نبرة ذنب أنها ستعترف لصديقها

لم أعرف إن كانت تتحدث بجدية

أم تمرر لي رسالة

عليَّ أن أفهمها.

.

في غمرة عربدتي

ارتميت علي الأرض

وأخذت أصيح بصوت عال وأغني

شعرت بذراعين ترفعانني وتجلسانني علي الكرسي

في هدوء

(تذكرت أمي وهي ترفعني أثناء اللعب

وأنا طفل صغير)

ولوهلة

شعرت بالدفء في قلبي.

.

وجدتها هي. والطفل وحيدٌ وسكران.
.

wpid-img_7090-2013-05-8-00-27.jpg

.

كنا فى آخر أيام القتال

وكانت أبواب الجحيم مفتوحة

بردٌ وضبابٌ يملأ الرئتين

والموت يبتسم ابتسامته الاخيرة

واقفين نحصي قتلانا.

.

wpid-img_5774-2013-05-8-00-27.jpg

.

لماذا ارتجت الشعوب واهتزت الأمم

ولماذا كان الرب سليطا علينا

نحن رجال البر… رأينا وجه البحر الغاضب

يزحف نحونا… وسلك الشمس مقطوع منذ شهور.

.

wpid-2013-02-2720-24-26-2013-05-8-00-27.jpg
.

أقول لكَ:

أسماكٌ هي الفُرص الضائعة

التي نلتقطها بصنَّارة الوقت

نمسكها بيدينا، ترتعشُ

ننظر إلي عينيها نصف الميتة

نكاد أن نشرع في البكاء

لانعكاس تعاسة وجوهنا عليها

ثم نرميها في المياه

ونبدأ فعلياً في البكاء.

.

أسماكٌ هي أفكارنا البائسة

تلمع بقشريات تزيدها ظلافة

تكاد أن تسد شرايين أدمغتنا

نرجوها مرةً لو تُخرج خاتماً

أو ترحمنا من طعم المياه

المالحة في حلوقنا

أسماكٌ هي أرواحنا الغارقة.

.

wpid-img_6484-2013-05-8-00-27.jpg

.

هذا الرقم الذي يدل على العشق ولا يدل على الوحدانية. فى ليالينا الحارة بانتظار عيد القيامة الشرقي – كأن الله قام مرة فى الغرب ومرة فى الشرق – تناقشنا نحن الأثنان حول ما إذا كان الحب يستلزم الموت. فى خضم حوارنا التخيلي عبر شبكات الاتصال ران فى نفسي هذا السؤال الذى يأتي كل عام: لماذا لابد من أسبوع آلام كامل قبل كل قيامة؟ لماذا الألم كشرط للفرح؟ لماذا الموت فى قلب الحب؟ إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت فسوف تظل وحدها. الإثنين هو الزحف المقدس نحو المأساة. ليس غريباً أن يكون ثنائياً. نذهب جميعاً إلى المأساة أزواجاً حتى نصلها فنصبح وحدنا تماماً. وحدنا فى قلب المأساة. المركز.

.

wpid-img_7379-2013-05-8-00-27.jpg

.

رجلٌ مغمى عليه في الشارع. العجائز أصدقاؤه يتبادلون النظرات القلقة وجس النبض ومسك الذراع. أنا وصديقي للمرة العاشرة بعد المائة نحاول إمساك النسيان في صراع الدخان، جالسين، بيننا وبين الرجل زجاج المقهي الشفاف، يحاول أصدقاؤه دعك صدره وواحدٌ منهم تبدو عليه أمارات الفزع. أحاول التماسك والكتابة. فشلوا في إفاقته ومع وصول طبيب كان جالساً بالصدفة حملوه ومضوا. صديقي غنى لي في نشوة الحشيش أغنية عن رفض دخول البريء من بوابات العالم. دعنا نصل حتي لا يحترق الخزين.

.

wpid-img_0439-2013-05-8-00-27.jpg

.

يوماً ما سوف يحبنا الله، سترين

سيحملنا على سحابه مع أتقيائه

سيتبخر سوء حظنا وتعاستنا

سنضحك ونجري ونقضم كل تفاحة

تقع تحت أيدينا من أى شجر كان.

سنلهو بلا قلوب مدخنة…

تبدو للعين مثل فجوات ممتلئة بالحمص والياسمين.

سنركب مراكب ورقية ونجدف بكفينا على الرمال.

يوماً ما سيموت العالم فَزعاً من ضحكاتنا

ستموت المأساة مخنوقة

ويشجب السواد قلة التعاسة وطغيان البهجة

ستنشر الفتاة ثياب الفرح الداخلية

علي مرأى من الجميع

وتمشي عارية

علي شواطئ ومراسي لا تنتهي

وسأنتقل مثل قرة قلب عصفور من مكان إلي آخر

وأهمس في أذن حُوت هاديء

بكل كلمات الحب التي أعرفها

ولا أعرفها

لم أطلب منكِ شيئاً…

طلبت منكِ ان لا تبكى أكثر

فأنا لم أعد أرى شيئاً…

.

نصوص مينا ناجي

الصور ليوسف رخا

بالنسبة للأدب العربي: إما هذا أو نظل ننافس الصحافة الصفراء والكتب الدينية

على فكرة مستحيل بجد وضع الأدب العربي، ولما تشوف تأثير مبادرات النشر والجوايز والمعارض الحاصلة بهدف تنشيط التسويق والترجمة من بعيد شوية أو على المدى الطويل، تلاقي إن اللي المبادرات دي بتعمله في الحقيقة هو إنها بتزيد الوضع استحالة… الأدب العربي عملياً عايش على ذمة آداب تانية، منقوص الحقوق ومجبور يدفع الجزية

wpid-img_9251-2013-05-7-19-09.jpg

ولكي لا يكون الخاص تمثيلية غايتها أن تعوّض عن غياب العام – ولكي لا يتحول موضوع مجرد إلى تمثيلية مفرّغة من كل محتوى سوى ما تنطوي عليه من صلات شخصية بين من يناقشون الموضوع – لابد من لغة للحديث عن العام لا تراعي الاعتبارات الشخصية، ولابد من لغة للحديث عن الخاص لا تنطوي على مجردات…

- من وحي معرض أبو ظبي للكتاب

wpid-img_6186-2013-05-7-19-09.jpg

في لقائي الأول والقصير جداً مع أحد مترجمي الأدب العربي الكبار – وبعد أن سُئلت عن رأيي في أحمد مراد دون غيره، وذكرت الأسماء التي تعجبني كتابتها من الشباب بلا رد فعل يذكر – قيل لي:

١-إن البوكر العربية مؤشر ممتاز للناشرين في الغرب على ما يجب أن يتبنوا ترجمته وترويجه؛

٢-إن ظاهرة علاء الأسواني ونجاح كتبه غير المسبوق (في فرنسا مثلاً) من شأنه أن يشجع القراء على شراء كتب عربية أخرى… وتمثل في ذهني مشهد الأولاد في أسرة مصرية محفوظية وهم ينتظرون حتى ينتهي الأب من الأكل حتى ينقضوا على فضلات الطعام متنافسين فيما بينهم كالكلاب المسعورة؛

٣-إن كتباً عربية جيدة كثيرة نشرت لكن جمهور القراء لم يقبل عليها ولم تبع… ربما لأنها أعقد مما يجب أو أقل وضوحاً بالنسبة إلى القارئ الغربي.

wpid-img_6093-2013-05-7-19-09.jpg

قبل أن تظهر مساحة حقيقية للقراءة داخل العالم العربي – ومهما كانت هذه المساحة ضيقة في البداية – سيكون تصدير المنتج دائماً خاضعاً لاعتبارات مغلوطة سواء بفساد وفساد ذوق المصدر أو بتوقعات المستورد وافتراضاته (المهينة) عن هوية المنتج. هناك مسئولية أخلاقية حقيقية جداً، وعلى نقيض ما قد يقال من أننا بشر وأصدقاء قبل أن نكون كتاباً (نقاداً) – أو أننا أشخاص قبل أن نكون أفراداً، بتعبير مهاب نصر – هي مسئولية الدقة والنزاهة في التقييم، وأن يكون الاحتفاء بالمكتوب حين يحدث على أساس أننا فعلاً لا نعرف بعضنا ولا يعنينا من الكتابة إلا قراءتها، وأن يكون طموح “العالمية” معطوفاً على تحقق “محلي” مقنع… لابد من إنتاج معايير للجودة تتجاوز منافسة الصحافة الصفراء والكتب الدينية على التوزيع (وهو ما ثبت أنه يروج في الغرب بالقدر نفسه الذي يروج به عندنا، إذن لماذا تصور أن “النجاح” في الغرب دليل جودة بل ورسم مخططات النشر والتكريس على هذا الأساس؟) المسألة فعلاً ليست “شخصية”، ولا يمكن أن تظل تعامل بوصفها تنفيس شخص محبط في النتائج التي حققها أو (من جانب بعض المتابعين من غير العرب) بوصفها “نخبوية” مبالغ فيها. لكن – وبالمنطق نفسه – لا يمكن أن أظل أهلّل لصديقي لأنه صديقي ولا يمكن أن أفرح بوجود جائزة أو دار نشر لأني أفترض (خطأ على الأرجح) أنني وأصدقائي يمكن أن نستفيد منها. الواجب، بدلاً من الاحتفال بالواجهات السياحية التي تقام للاحتفاء بالأدب العربي (بأموال خليجية في الكثير من الحالات) هو تحطيم ذلك المجال المصنوع والذي يوحي بأن هناك حركة أدبية فاعلة في العالم العربي على الغرب أن “يكتشفها” من أجل طرح الأسئلة الحقيقية عن جدوى الكتابة والذوق العام وعلاقة المنتج الأدبي هنا بنظيره في أماكن أخرى من العالم… إما هذا أو نظل ننافس الصحافة الصفراء والكتب الدينية.