واحد ناقص واحد: قصة كولم تويبين ترجمة محمد هاني

Colm Tóibín by Phoebe Ling. Source: colmtoibin.com

يطلّ القمر من قرب على تكساس. القمر هو أمي. هي مكتملةٌ الليلة، وأكثر سطوعًا من أسطع مصباح نيون؛ هناك تعاريج من الأحمر في لونها العنبري المنبسط. ربما كانت قمر حصاد، قمر كومانتش، لا أعلم. لم أر أبدا قُمْرة بهذا القرب، وحريصة لهذه الدرجة على بريقها العميق. الليلة، ستكون أمي قد توفيت منذ ست سنوات، وأيرلندا على بعد ست ساعات وأنت نائم.
أسير. لا أحد يسير سواي. من الصعب عبور شارع جودالوب؛ تمرق السيارات مسرعة. في متجر الجُملة للسلع الغذائية كلنا مرحب بنا، تسألني الفتاة عند المخرج إن كنت أود الحصول على عضوية المتجر. لو دفعت سبعين دولاراً، عضويتي لن تنقضي كما تقول، وسأحصل على سبعة في المئة خصم على كل المشتريات.
ست سنوات. ست ساعات. سبعون دولاراً. سبعة في المئة. أقول لها إني هنا لبضعة أشهر فقط، تبتسم وتقول مرحبا بك. أبتسم بالمقابل. مازلت أستطيع أن أبتسم. لو اتصلت بك الآن، ستكون الثانية والنصف صباحا؛ على الأرجح ستكون مستيقظا. 

استمر في القراءة

مهاب نصر: المرآة والمهرج

W. Eugene Smith, Charlie Chaplin in Makeup, 1952. Source: christies.com

(١)
في الستينات والسبعينات عندما كنا نسأل الناس عن أية أهداف كانوا يتبعونها، كانوا يجيبون بطريقة متواطئة وواضحة جدا في مجالات الحياة العائلية السعيدة، كما كانوا يعرضون مشاريعهم للتوصل إلى الملكية الفردية، إلى شراء سيارة جديدة () نتكلم اليوم لغة مختلفة جدا حيث توجد مسألة تحقيق الذات، البحث عن الهوية، أو يتعلق الأمر بتطوير القدرات الشخصية ولكن غالبا بطريقة مبهمة () النتيجة هي أن الناس يغرقون أكثر فأكثر في متاهة الشك الشخصي وفي إرجاعه إلى أسباب شخصية، ولا يتوقفون عن الحاجة للتأكد من ذواتهم والنكوص اللامحدود من سؤال إلى آخر: هل أنا سعيد فعلا؟ هل حقا كونت نفسي؟ من هو بالضبط الذي يقول أنا ويطرح الأسئلة؟ أولريش بك، مجتمع المخاطرة

في ثمانينيات القرن الماضي كنت أعمل مدرسا في إحدى المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم في مصر. كنت أنا من يفرض الشروط على جهة التعيين: مدرسة قريبة من البيت (كان بإمكاني الوصول إليها في ربع ساعة سيرا على الأقدام)، اختيار الفترة (حيث كانت المدرسة تعمل لفترتين صباحية ومسائية)… ولأنني كنت كارها للوظيفة لم أتقيد أبدا بكثير من بروتوكولاتها”: لا أحضر الطابور، لا أحمل كراس تحضير، وأتحدى الموجهين المشرفين بأنني قادر على الشرح دون الرجوع إلى هذا الدفتر العجيب. أتغيب كثيرا، حتى إنني حينما تركت العمل كان لدي ملف مخالفات معتبر. كان سلوكي بصفة عامة متمردا، ولكنه مع ذلك كان يجد له مكانا داخل المؤسسة حتى على مستوى التقييم الإنساني.

استمر في القراءة

𝐹𝑜𝓊𝓃𝒹 الماء والطين

يا هذا، هذا وصفُ غريبٍ نأى عن وطنٍ بُنِيَ بالماءِ والطين، وبَعُدَ عن أُلاّفٍ له عهدهم الخشونة واللين. فأين أنت عن غريبٍ طالت غربته في وطنه، وقلَّ حظّه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان؟ قد عَلاهُ الشُّحوب وهو في كِنّْ، وغلبه الحُزن حتى صار كأنه شِنّ. إن نَطَقَ نطق حزنان منقطعا، وإن سَكَتَ سكت حيران مرتدعا، وإن قَرُبَ قرب خاضعا، وإن بَعُدَ بعد خاشعا، وإن ظَهَرَ ظهر ذليلا، وإن توارى عليلا، وإن طَلَبَ طلب واليأسُ غالبٌ عليه، وإن أمسَكَ أمسك والبلاءُ قاصدٌ إليه، وإن أصبَحَ أصبح حائل اللون من وساوس الفكر، وإن أمسَى أمسى مُنْتَهَبَ السرِّ من هَواتِكْ السّتْر، وإن قالَ قال هائباً، وإن سكتَ سكت خائباً، قد أكلهُ الخمول، ومَصّهُ الذبول، وحالفه النّحول. لا يتمنى إلاّ على بعض بني جِنسِهِ، حتى يُفْضي إليه بكامِناتِ نفسه، ويتعلّل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته.
— من كتاب الإشارات الإلهية لأبي حيان التوحيدي

922-1023

مهاب نصر: قصائد أجدد

img_1850

Lue Orange, 1903 US Department of Agriculture Yearbook. Source: etsy.com

المجتمع
“المجتمع”
لا أعر ف يا أخي ماذا أصنع بهذه الكلمة؟
لأنني أقطع المسافة من حجرتي إلى المطبخ
دون أن أشعر بها على الإطلاق
وحتى حين تغمز لي زوجتى
أو ترفس كاحلي أسفل المائدة
أحاول أن أبدو متفهما
فأدير رأسي
كأنه سيمر من هناك
“لا يجب أن يراك هكذا” تقول،
وأنا أطفئ سيجارتي على عجل
..

استمر في القراءة

هولدن كولفيلد: نصان

Katsushika Hokusai, The Dream of the Fisherman’s Wife, 1814. Source: Wikipedia

-١-
كنت حزينًا فوق كل تصور كوني أودّع كل هذا الجمال. السماء بدت أكثر اتساعًا. كانت صافية تتخللها خطوط مقلمة أفقية. مبتسمين أخلوا الطريق لي، وكنت أتشرب بعقلي كل ملمح لكل وجه أتى ليودعني. كان وداعًا سعيدًا، ولم أشعر بأي اهتزاز للخشب أسفلي لأن الورود الرطبة كانت قد غطته بالكامل. الصيحات كان يتمخض عنها موسيقات ليست سوى موسيقات الحياة، كانت تصل لأذني كغمغمات عصية على التعبير. الأرض من أمامي تغطت بجليد ميزته آثار أقدام حددت مواضع كل الأمكنة التي أتوا منها. شعرت بلهب كان يشتعل بداخلي، وتذوق لساني الطعم المالح لعرقي، لكنني حاولت التماسك. ثم استبد بأكمل جسدي شلل لم أعه حتى ساعدني ذو وجه مسطح جامد غير معبِّر على الانحناء. أحسست بظفر خدشَ جلدي كان يحاول أن يلمسني من مسافة وقت أن انفكت العقدة وتحررت شفرة المقصلة من أعلى رقبتي.

استمر في القراءة

صلاح باديس: إيديولوجيا

Bank

By Youssef Rakha

تلك الليلة تكلمنا سبع ساعات على الهاتف. شركات الاتصالات ليست سيئة على الدوام. خلل في الماشينة الرأسمالية… خلل في خط الهاتف جعلني خارج نطاق المحاسبة. مكالمات دولية بالساعات ولا دينار ناقص. ألف كيلومتر بيننا و لكن الطقس واحد، حرٌ لا يطاق طيلة الليل.

استمر في القراءة