مهاب نصر: المرآة والمهرج

W. Eugene Smith, Charlie Chaplin in Makeup, 1952. Source: christies.com

(١)
في الستينات والسبعينات عندما كنا نسأل الناس عن أية أهداف كانوا يتبعونها، كانوا يجيبون بطريقة متواطئة وواضحة جدا في مجالات الحياة العائلية السعيدة، كما كانوا يعرضون مشاريعهم للتوصل إلى الملكية الفردية، إلى شراء سيارة جديدة () نتكلم اليوم لغة مختلفة جدا حيث توجد مسألة تحقيق الذات، البحث عن الهوية، أو يتعلق الأمر بتطوير القدرات الشخصية ولكن غالبا بطريقة مبهمة () النتيجة هي أن الناس يغرقون أكثر فأكثر في متاهة الشك الشخصي وفي إرجاعه إلى أسباب شخصية، ولا يتوقفون عن الحاجة للتأكد من ذواتهم والنكوص اللامحدود من سؤال إلى آخر: هل أنا سعيد فعلا؟ هل حقا كونت نفسي؟ من هو بالضبط الذي يقول أنا ويطرح الأسئلة؟ أولريش بك، مجتمع المخاطرة

في ثمانينيات القرن الماضي كنت أعمل مدرسا في إحدى المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم في مصر. كنت أنا من يفرض الشروط على جهة التعيين: مدرسة قريبة من البيت (كان بإمكاني الوصول إليها في ربع ساعة سيرا على الأقدام)، اختيار الفترة (حيث كانت المدرسة تعمل لفترتين صباحية ومسائية)… ولأنني كنت كارها للوظيفة لم أتقيد أبدا بكثير من بروتوكولاتها”: لا أحضر الطابور، لا أحمل كراس تحضير، وأتحدى الموجهين المشرفين بأنني قادر على الشرح دون الرجوع إلى هذا الدفتر العجيب. أتغيب كثيرا، حتى إنني حينما تركت العمل كان لدي ملف مخالفات معتبر. كان سلوكي بصفة عامة متمردا، ولكنه مع ذلك كان يجد له مكانا داخل المؤسسة حتى على مستوى التقييم الإنساني.

استمر في القراءة

مهاب نصر: أربع ملاحظات على موضوع الجسد

USA. Brooklyn, NY. 1992.

Alessandra Sanguinetti, from “Sweet Expectations”, Brooklyn, 1992. Source: magnumphotos.com

الشياطين

..

في السنة الأولى من المرحلة الجامعية عرض عليّ زميل موهوب، طويت حياته بسرعة عجيبة، أن أشارك مع فريق في عرض مسرحي. أُسند إليّ دور المحقق. هكذا كنت معظم الوقت أجلس إلى مكتب في مواجهة الجمهور المفترض، وكان هذا لطيفا. بدأت المشكلة فعليا، التي أدت إلى اعتذاري فيما بعد، في المشاهد التي كان عليّ فيها أن أغادر موقعي، قامتي كلها مكشوفة، وهنا وجدت صعوبة غير عادية: ماذا عليّ أصنع بهذا الجسد كله؟ لقد بدا مفصولا عني، وكأني أراه بعين متربصة من آخر الصالة، وتحت نظرة هذه العين كانت ذراعاي عاجزتين عن الحركة، ثقيلتين كأنهما من خشب. أما تعابير وجهي وقسماتي فكانت فضيحة كاملة. قلة خبرتي جعلتني أتفهم الأمر على أنه نوع من الخجل الطبيعي، أو أنني ببساطة فاشل في التمثيل، مع أن هذا لم يكن حقيقيا.
استعدت هذه الذكرى بعد سنوات حين قرأت رواية “الشياطين” لدوستويفسكي، كانت إحدى شخصيات الرواية (الكابتن ليبيادكين) قد اندفعت إلى حجرة استقبال منزل لتصنع فضيحة ما: شخص يسعى إلى نوع رخيص من الابتزاز، يقدِّر بشكل مسبق الصاعقة التي ستهبط على رؤوس أهل المنزل، رعبهم من العار. كانت صدمته في الإشارة الهادئة المقتضبة التي سيطرت بها سيدة البيت (فرفارا بتروفنا) على الموقف. هبط بجسمه الثقيل في مقعد، وكان ما يحيره: كيف، وفي أي اتجاه، يحرك يديه؟ كان مثلي تماما في موقفه هذا. انفصلت ذراعاه عن جسده، بل عن إرادته، وأصبحتا على مسافة كأنهما ليستا له. كل حركة سيأتيها كانت ستعني شيئا ما، لم يعد واثقا منه، لم يعد موقنا بكونه “التعبير الصحيح”.

استمر في القراءة

No more posts.