مينا ناجي: نَذوب مثل لحظةٍ في تَاريخ الزَمَن

Roy Andersson, Train Station, 2019. Source: artsy.net

وأنا ذاهب إلى المحطة، رجَّحتُ أنها تسير خلفي. لم أرد أن أنظر، نزلتُ وقطعتُ التذكرة، لم يصبني التوتر بعد. وأنا واقف، رأيتها من بعيد بالفعل. بُعد المسافة جعل الموقف كأنه مشهد من فيلم رومانسي. بدَتْ من بعيد كامرأة مَشْغولة. فكرتُ أن أذهب إليها لكن تصورتُ قلقها من أن تظن أنني أتتبعها. هذا طريق رجوعي، لكن ظنها لن يكون خطًأ. أصابني التوتر كما توقعت، تراكم سنوات لم أركب فيها المترو. فكرتُ أن أصعد مرّة أخرى، كانت مُنهمكة في هاتفها، لكن المترو جاء سريعًا. يقترب الموقف من مشهد فيلم رُعب. لم أفكر في حقيقة أنها تركب بعد عدّة عربات، فكرتُ فقط أني لا أصلح لشيء. لكن سرعان ما أخرستُ نفسي. قلتُ ربما سأراها حين أخرج المحطة التالية، وتدربتُ سريعًا في ذهني على كيفيّة تمثيل المفاجأة، والجملة الذكية التي يمكن أن أقولها فتضحك. خرجتُ ولم أرها، وقفتُ أنتظر المواصلة الأخرى في الشارع، تشجّعتُ وأرسلتُ إليها عبارات غزل. كنتُ غاضبًا، وأتذكر أمي. لا أعرف لماذا أتذكر أمي في المواصلات، حتى أني كنتُ أبكي في البداية. متحابان صغيران يجلسان أمامي في المينيباص. لفت نظري أني أبدو لهما كرجل كبير الآن. تخيلتها مكان الفتاة وأنا مكان الفتى. فشلتُ في تخيل سيناريو لطيف. رجعتُ البيت وغيَّرتُ سريعًا، ردّت على مغازلتي بابتسامة خجلى. اشتريتُ بعض الأشياء وأخذتُ مواصلة لأصدقائي. أسقطوا لي المفاتيح وحين لم يفتح واحد منهم اتصلتُ وصببتُ غضبي عليهم. تفاجئوا من غضبي غير المبرَّر وغير المعتاد. قالوا لي إنه باب العمارة المجاور. فكرتُ جديًا إن لم يفتح فسأعود أدراجي، لكنه فتح فصعدتُ. قضيتُ ليلة شواء وموسيقى وشرب ورقص وضحك. قلت لهم إنها إحدى لحظات حياتي الجميلة. صمتوا ولم يعلِّقوا. كنتُ قد عاهدتُ نفسي أن أقول ذلك بوضوح، فذلك ينفعني في الليالي السوداء. سألني صديقي إن كنتُ قد حسمتُ أمري في تركي العمل. قلتُ إن الأمر رغم خوفي منه منذ شهور تقرّر اليوم ببساطة وأنا أعبر الشارع. أثق في حدسي. مع ذلك، سألتهم في نهاية السهرة كخائب في الموضوع الذي يشغلني من بدايتها. أغلب الآراء كانت ألا أرسل شيئًا وأنتظر.

هرمس: الدخان

Julian Schnabel, “The Student of Prague”, 1983. Source: guggenheim.org

١
في النهار الغائم الذي وجد فيه محمد ذكرياته، كانت السماء قريبةً، والطقس أبرد من المعتاد. إن الخريف إلى زوال، والشتاء القادم قد يحمل له أكثر من عقبة. نظرةٌ إلى القمر منذ عدة أسابيع ذكرته، أو بدأت تدوير دولاب الذكريات. كانت حياته الرتيبة تتكسر ببطء، وهو بعد أن جرّب الروتين، نسي أيام صعلكته دون نظام يذكر. بحث عن الروتين في ثمانية مشافٍ نفسية، بين الأطباء والممرضات، ولم يجده؛ القيمة الأصلية عنده كانت أن يتحلى الناس بالذوق، والذوق هو أن تجرّب بذاتك، أي أن تنغمس بنفسك في التجربة، وبين الأعوام جلس يفكر؛ ها هي الأيام تمضي به، وصل لأمريكا أخيرًا، والجو باردٌ والوجوه باردة، الشجر الشهير عارٍ، والسماء مكسوة بغلالة سميكة من الركام.

استمر في القراءة

البودكاست، مع مينا وإسلام🎙: (١١) الجزائر، آيوا، الجزائر: مقابلة مع صلاح باديس



Salah Badis, courtesy of the subject

في الحلقة الحادية عشرة من بودكاست ختم السلطان، يتحدث الجزائري الأشهر صلاح باديس عن لغة الأدب واستخدام اللهجات المحليّة والمحكيّة فيقارن أدب الجنوب الأمريكي بالتعدديّة اللغوية داخل الجزائر حيث إشكاليات أدبية أخرى يتطرق منها إلى موقع كتاباته وتحركه بين الشعر والنثر والترجمة. يتحدث أيضاً عن تجربة إقامته الأدبيّة في أمريكا بولاية أيوا والمشهد السينمائي والموسيقي الجزائري في خضم التغيرات والحراك السياسي الحالي.

الثورة بجد: قصائد مختارة ليوسف رخا

Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003

Youssef Rakha, Iford Delta 3200 Negative, 2003


رسالة المنفِي*

 

إلى محمد أبو الليل راشد في غربته

 

أكتب لكَ والمنافض أهرام من الأعقاب.
الشيء الذي حذّرتَني من دَوَامِه توقّف.
وصداع النوم المُمَزَّق يجعل الدنيا خاوية. أنت فاهم.
في جيوب الحياة ننقّب عن عملة من عصور سحيقة،
عملة صدئة وربما قبيحة لكنها سارية في سوق الأبدية.
نصبح ملائكة حين نعثر عليها. نجترها حتى نتأكد
أنها لا تشتري البقاء.
؎

استمر في القراءة

صلاح باديس: كيف تُسجّل صوت البحر؟

Todd Hido, #6097-4. Source: toddhido.com

الجدارمية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم. هذا ما تقوله لي سامية كل مساء عندما تعود من العمل. مُنهكة تسبُّ وتشتم الحواجز الأمنية التي تُغلقُ الطريق. تجلس إلى طاولة المطبخ وتقول:
– الجدرامية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم.
كل ستة أشهر هنالك حاجز أمني جديد في الطريق الرابط بين رغاية ووسط الجزائر. سامية تعتقدُ أن الجدارمية والشرطة يريدون فَصْلَ الضاحية الشرقية للعاصمة عن وسطها، أقول لها بأنها مفصولة جغرافيًا، وكل أطراف العاصمة اليوم – رغاية ورويبة – لم تكن تتبعها قبل عشرين عامًا. تتركني أكمل كلامي، غالبًا ما أكون أطبخ أو أحضّر شيئًا للعشاء، تتقدّم من القدر على النار، تشمّ الرائحة وتقول:
– مشّي كيف كيف… نهار عرفتك، كانت الطريق مغلوقة الصباح برك… كي تزوجنا كانت تتغلق الصباح وساعة يجو الجدارمية وساعة ما يجوش… ضُرك راهم ف الطريق كل يوم والطريق صباح وعشية مغلوقة.
أنا لم أكن مَعنِيًا بالطريق والحواجز الأمنية في المدة الأخيرة، كنت أبقى في رغاية، في الدار غالبًا، وعندما أخرج لأجل موعدٍ أو عمل، آخذ القطار. نملك سيارة واحدة، ماروتي حمراء قديمة، وكانت سامية هي من تقودها.

استمر في القراءة

عائشة أحمد: الرجل الآخر

David Alan Harvey, Dasha in Outer Banks, USA, 2015. Source: magnumphotos.com

من خلال تخريمات شالها الأبيض تتطلع إلى البحر. ترى الطفلة في المايوه البنفسجي تروح وتجيء بدلوها البلاستيكي الصغير، تملأه بالماء وتفرغه على الرمل حيث تبني قلعتها الطينية مع أختها. آثار قدميها الصغيرتين مطبوعة على الرمل في مسار محدد، ووالدهما يرشف مشروبه ببطء من الزجاجة الحمراء مراقبا المشهد من بعيد.
تستلقي على المنشفة السوداء وقد ثبتت أحد أطرافها حقيبة ظهر ثقيلة وفي الطرف الآخر حذائها الفضي اللامع وكتاب كانت تقرأه. الريح تهب باردة والشمس فوقها لاهبة. تشعر بالعطش لكنها أكسل من أن تعتدل في جلستها وتبحث عن عبوة الماء لتشرب، تكتفي بأن تغطي وجهها بشالها الرقيق لتحمي بشرتها من وهج الشمس، وتغمض عينيها. تغفو لوهلة وتستيقظ على أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ، والنوارس الوقحة تدوم في السماء القريبة وتحط سريعا لالتقاط فتات الخبز الذي يرميه لها أحدهم.

استمر في القراءة

دعاء المؤلف: إيليا كامينسكي ترجمة يوسف رخا

Pre-1905 Odessa “Town Scenes” postcard. Source: eBay

.
إذا تكلمت باسم الموتى، فلابد من ترك
حيوان جسدي،
.
لابد من كتابة القصيدة نفسها مرة بعد مرة،
لأن الصفحة الفارغة هي الراية البيضاء لاستسلامهم.
.
إذا تكلمت باسمهم، لابد أن أمشي على حافة
نفسي، لابد أن أعيش كرجل أعمى
.
يجري في الحجرات ولا
يلمس الأثاث.
.

استمر في القراءة

No more posts.