أحمد الفخراني: الرجل الصغير

Gustavo Ortiz, “Witness” paintings. Source: carredartistes.com and saatchiart.com

بأنفاس لاهثة، صعد الدرجات الرخامية جارّا معه أنفه إلى أعلى، مستندا على درابزين مشقوق الطلاء كي يحفظ توازنه من السقوط. توقف قليلا ليتحسس أنفه الضخم الذي يضطر أن يحمله معه أينما حل، فتُطأطىء رأسه قليلا إلى أسفل في اللحظات التي يحتاج فيها إلى النظر مستويا إلى الأمام. أما الصعود إلى أعلى ومع حجر كهذا فوق وجهه فقد كان معاناة حقيقية، لكنها لا تقارن بمعاناته عندما يقرر هذا الأنف أن يبتلعه بالقوى السحرية التي تملكها نقطة ارتكاز، أو كمحور يجعله يدور ويدور حول نفسه.
بلغ الطابق الثالث. كان واسعا تتوسطه ردهة تتولد منها ممرات متشابكة، لافتات لأطباء ومحامين والمزيد من الأطباء والمحامين. فكر أنه أمر طبيعي في عالم معتل يسوده الشر، رغم أنه في حاجة أكثر إلى خياطين كأبيه، المهنة التي تنقرض بفعل فقدان الانتباه والصبر. لا أثر للافتة التي يبحث عنها رغم أنه دار حول الطابق عدة مرات.
كان يحمل تحت إبطه ملفا ضخما يحوي أوراقا مرتبة بعناية، في مقدمتها وريقة صغيرة مثبتة بدبوس سجل عليها العنوان: ٢٣ ش سليمان باشا، موقع “باب المدينة”، الطابق الثالث. هل أخطأ في عد الأدوار؟ فكر أن يهبط إلى أسفل ثم يصعد مجددا ليتأكد من العد. لكن كان ذلك منهكا لجسده المفكك وعقله الدائخ.

استمر في القراءة

عبود سعيد: أنساب

Daniel Arsham, Mobile Phone (Future Relic DAFR-01), 2013. Source: gsfineart.com

لطالما حاولت البحث عن أناس يفهمونني وأفهمهم، أشاركهم أفكاري، أتناغم معهم ويتناغمون معي.
في أول طلعتي على الدنيا، أعجبتني صورة غيفارا واليسار وشرب البيرة. أخذت فرصتي الكاملة معهم، أقصد مع اليسار، ولم أشعر أنهم الذين كنت أبحث عنهم. فكما يقول العشاق لا يوجد كيميا بيننا.
ذهبت إلى الجامع، حضرت خطبة الجمعة. صلّيت وتركت الصلاة وصار عندي أصدقاء متديّنون، ملّوا مني ومللت منهم، وذهب كلّ منّا في حال سبيله.
ثم أصبحت كاتباً وصار عندي أصدقاء مثقفون من مختلف الموديلات، لكنني مرفوض تماماً. لا كيميا ولا فيزيا ولاحتى رياضيات بيننا.

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: لسعان الجغرافيا والتاريخ أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

كتاب الطغرى12

Sultan Mehmed VI (Vahdettin), aka Şahbaba. Source: osmanli.site

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

استمر في القراءة

No more posts.