دينا ربيع: على أعقابهم ينكصون

Shakir Hassan Al Said, The Victorious, 1983. Source: barjeelartfoundation.org

البيت شاجٍ. أهله أطفال لا يلعبون، وشباب لا يعرفون شقوة الحب ولا سكرته، وعجائز جرت أعمارهنّ إكسبريسَ في بلاد تصرف حكوماتها على البنية التّحتيّة ما يحفظ ماء الوجوه.
على الحوائط ذكريات عنف وزعيق ونحيب وسكّين يتبادلها طرفا خناقة هزليّة. يعرف الطّرفان والشّاهدون والحوائط وكرسيّ الصّالون الذي يهامس أخاه بعد أن ينام ساكنو البيت أن أحدهما لن يذبح الآخر بها، لأنّ ليلة كهذه لا تخلص إلى نهاية كتلك، ولا تحسن سكّين المطبخ القِتلة، غير أنّهما يطيلان التّناوش بها ليزيدا على المشهد القبيح قبحا، ويخرّبا أعصاب الصّغار أبدا. 

استمر في القراءة

أمجد الصبان: حكايتان

the-king-of-cats-1935

Balthus, The King of Cats, 1935. Source: wikiart.org

حكاية الأخ العائد والأم التي أصبحت قطة
عندما رن جرس الباب، كنا نجهز طاولة الطعام. قلنا في صوت واحد:من؟فلم يجب أحد، وتوجهنا جميعًا إلي الباب. وعندما فتحناه، ارتمى على الأرض فتى بجسد نحيل. وأثناء حمله عن الأرض ووضعه علي الكنبة الحمراء المجاورة لباب الشقة، سمعنا صوت ماما يأتي من المطبخ تسأل عمّا يحدث في الخارج.
بعدها كانت تقف علي عتبة المطبخ وفي يدها سمكة كبيرة. قالت:
ده ابن كلب ، خرّجوه بره.
ثم قذفته بالسمكة، واتجهتْ إلى غرفتها.
التقط الفتى السمكة بفمه وراح يأكلها. لكنه حين لاحظ وقفتنا المتسمرة ونحن نتطلع إليه في صمت بصق ما في فمه، وعادت ملامح التعب إلى وجهه ثم حكى إنه أخونا، أي نعم، أخونا الذي تُوُفي منذ سبعة وعشرين عامًا وكان عمره حينها ستين دقيقةً فقط. وإنه بعد وفاته ظل يعمل بجهد بالغ في شق الأنهار وتجميع الحطب وإضرام النار حتي ينال لقب العامل المثالي والذي من ضمن جوائزه تذكرة عودة إلى الأرض بأي شكل يحبه. وقال بحزن إنه استنكر معاملة أمه التي جاء من أجل أن يرمم قلبها المكسور عليه.

استمر في القراءة

مينا ناجي: صباح الجمعة

Susan Bein, from "Night Park". Source: lensculture.com

Susan Bein, from “Night Park”. Source: lensculture.com

صباح صامت جداً. رغبة متكررة في القيء دون نتيجة. لا شئ يخرج من الجوف إلا عُصارة. أدخّن سيجارةً لأن أحداً لن يأتي. القطة تخاف من الدخان ورائحة الحريق الصغير لطبق الفوم بسبب إطفاء السيجارة، لم يحتمل الطبق الهش وثُقب كمعدتي. أبحث في رأسي عن سبب للثقب المتوهم والرغبة في القيئ غير الوحدة. أتوقف أمام جملة “أنا أشكي للنسيان” في أغنية ساذجة. إذا شكوتُ للنسيان ماذا سيفعل لي، سيحضر؟ وإذا حضر، ألن يزيدني وحدة ويوسِّع الخرم بداخلي كما حدث للطبق؛ ببطء وثبات وسط بياض الفوم؟ أبحث عن أحدٍ أقول له: أنا طبق لكَ، لما صددته؟ لا أجد. أعود للبحث الأول، تخْمين: بدلاً من نوبة الفزع، تضطرب أمعائي. أرحِّب بالعَرَض الجسدي، بل أشجع العصارة على جلب المزيد. لازال الطبق فارغاً بثقوب النسيان.
No more posts.