صلاح باديس: كيف تُسجّل صوت البحر؟

Todd Hido, #6097-4. Source: toddhido.com

الجدارمية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم. هذا ما تقوله لي سامية كل مساء عندما تعود من العمل. مُنهكة تسبُّ وتشتم الحواجز الأمنية التي تُغلقُ الطريق. تجلس إلى طاولة المطبخ وتقول:
– الجدرامية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم.
كل ستة أشهر هنالك حاجز أمني جديد في الطريق الرابط بين رغاية ووسط الجزائر. سامية تعتقدُ أن الجدارمية والشرطة يريدون فَصْلَ الضاحية الشرقية للعاصمة عن وسطها، أقول لها بأنها مفصولة جغرافيًا، وكل أطراف العاصمة اليوم – رغاية ورويبة – لم تكن تتبعها قبل عشرين عامًا. تتركني أكمل كلامي، غالبًا ما أكون أطبخ أو أحضّر شيئًا للعشاء، تتقدّم من القدر على النار، تشمّ الرائحة وتقول:
– مشّي كيف كيف… نهار عرفتك، كانت الطريق مغلوقة الصباح برك… كي تزوجنا كانت تتغلق الصباح وساعة يجو الجدارمية وساعة ما يجوش… ضُرك راهم ف الطريق كل يوم والطريق صباح وعشية مغلوقة.
أنا لم أكن مَعنِيًا بالطريق والحواجز الأمنية في المدة الأخيرة، كنت أبقى في رغاية، في الدار غالبًا، وعندما أخرج لأجل موعدٍ أو عمل، آخذ القطار. نملك سيارة واحدة، ماروتي حمراء قديمة، وكانت سامية هي من تقودها.

استمر في القراءة

أودرا: زرعة محجوب

Joris Hoefnagel, “Mira Calligraphiae Monumenta”, late 16th century. Source: getty.edu

تشققت حبة فول الآن في غرفة محجوب، كانت داخل علبة حلاوة طحينية بها كُدَاس من قطن مبلول.
يحب محجوب التحديق في البحر يرى البحر يبادله التحديق لائمًا وإن لم يطأه أبدًا. يضبط نفسه أحيانًا متخيلًا أنه توربيد ضربته غواصة، أُطلقٌ في أحد المحيطات ويدور إلى الأبد حول لب الأرض. مازحه أحد أصدقائه مرة سائلًا ولماذا لا تكون طلقة في الهواء، تصحبك الطيور. ابتسم بمرارة وطوّح يده مشيرًا إلى النافذة أو إلى الفراغ الكاذب للهواء ربما. يظن أن أقرب طرقه إلى السكون هي في انغمار أشد وطأة، في الأرض لا في السماء؛ في قبر يحتوي حركته لا على طريق يسحب ظلاله عليه، أو على الأقل فيما بينهما؛ أحيانًا يريد فقط أن يختبر ما بينهما قبل أن يعود خازيًا في الأرض، أن يبحث عن آخر حياة له عليها ربما، أو أن يختبيء مغمورًا إلى الأبد، بلا ناظرين أو رغبة في الظهور. كان يخبرنا إننا أقل حتّى من موتانا، أن نستلقي جميعًا على الشواطيء إلى أن تتحلل ملابسنا ومعها جلودنا؛ أن نختبئ خلف ضجر البحار.

استمر في القراءة

𝐹𝑜𝓊𝓃𝒹 تعميرة رمضان

– بس، حاسبي.. بلا قافية إيدك حاتوقع الرق من فوق الصره على العود تنقطم رقبته.
– شر بره وبعيد.. شيلله يا سيدي جابر، إلهي يجبر بخاطرنا بسره الباتع. إلا يا حاج محمد، دي المستعجله دي ولا المفتخر؟
– المستعجله، عو من غير مؤاخذة المفتخر يبقى فيه ترسو؟
– هه يا جماعة، مش لازمكم حاجة؟
فصرخت سلّم الضريرة:
– حاج محمد، يا حاج محمد.. لازمنا قلة ميه..
فأجاب الحاج محمد منتهرا:
– قلة ميه إيه إحنا في رمضان يا وليه.. اتقي الله واختشي على عرضك.
فهزت نجية الطبالة رأسها وقالت:
– حِكم.. بقا الميه يا حاج محمد وإلا التعميره؟!
فصاح الحاج محمد بغضب:
– تعميره إيه يا مره؟ وحق صيامي..
فقاطعته نجية:
– صيامك؟ صيامك أنهو ده يا روحي.. ما تقولش كده أمال، دانا شايفاك بعيني الصبح في إيدك الجوزه وقاعد تكح وتنبر!
— من قصة العوالم لتوفيق الحكيم

1927 (1981)

أوديسياس إيليتيس للفلانتاين، ترجمة مينا ناجي

blood-on-my-hands_2

Nan Goldin, Blue, from “Blood on my Hands”. Source: sleek-mag.com

المونوجرام *
سأكون مفجوعًا دائماً أتسمعينني؟ من أجلكِ، وحدك، في الفرودس.
.
I
القدرُ، مثل محولجي القطار، سيغير
اتجاه خطوط الكف
حتى يرضخ الوقت ذات لحظة.
.
كيف لا، والبشر يحبون بعضهم.
.
سوف تعكس السماء ما في جوفنا
وتضرب البراءة العالم
بحدّة الموت الأسود.
.

استمر في القراءة

صلاح باديس: الشركة الوطنية لانتظار القطارات

By Youssef Rakha

عام 1992 كنت أعمل في المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية. وِحدة مدينة الرغاية، في المنطقة الصناعية للمدينة الصغيرة. أقرب لبلدة. هادئة بملتقى طرق رئيسي كولونيالي، فيلات صغيرة واطئة ومقاهي مفتوحة نهارا هنا وهناك. كانت آخر بلدية في شرق مدينة الجزائر، وتقع وسط خط القطار (محطة الجزائربومرداس)، لم تكن بعيدة عن المنطقة الصناعية حديثة النشأة والممتدة بينها وبين رويبة، الأكبر مساحة والأجمل من حيث العمران. عندما زرت رغاية أول مرّة كانت بدعوة من صديق يعمل في الشركة الوطنية للبناء SENESTAL، كان قد سكن هناك في حي جديد، هادئ وقد بُني أمام الملعب البلدي وثانوية ومقبرة صغيرة بسور واطئ قال لي أنّها كانت لليهود. ‘ عمران وظيفيهكذا فهمت بعدما أراني شقته، غرفتين وصالة، مطبخ وحمّام، ونوافذ طويلة وضيقة. يعني بيت بني لغرض ما: إسكان عائلة صغيرة مطابقة لمواصفات العائلة المثالية في الدستور. لكن الناس في ذلك الوقت لم يكونوا مهتمين كثيرا بما يقول الدستور، أو كم غرفة في البيت، الأراضي الفارغة حول بلديات ضواحي العاصمة حفرت وملأت الحفر أساساتً لعمارات كثيرة، وبدأت البيوت في وسط المدينة تفيض بساكنيها

استمر في القراءة

مينا ناجي: صيفٌ صغيرٌ في بداية الشتاء

((شمس المحاسِن بوجهَك ساطعة عَذْرا))
Lu Kowski. From the project

Lu Kowski. From the project “Melancholia”. Source: lu-kowski.com

.

صيفٌ صغيرٌ في بداية الشتاء:
حتي وأنتِ تنتفضين في رعب يا حبيبتي
أمام الحروب الخاسرة
علي مرأي من أعيننا
واتجاهلها أنا في عناد طفولي
متشبثاً بثديك المكور والصغير مثل دفقة حب
تنمو في وجه القبح حولنا

استمر في القراءة

No more posts.