أحمد الفخراني: ضي الماس

Illustration of George C. Duncan’s Pre-Adamite Man, 1866. Source: British Library collection

-١-
عندما ابتلع فرج قرط والدته طفلا، شكلت طريقة استعادة القرط فكرته عن الحياة: الإنسانية قد تكون فاكهة حلوة محشورة بين ثمار شجرة زقوم، جوهرة مدفونة في روث فيل، خاتم ذهبي سقط في قاع الكنيف. قبض فرج على إنسانيته وسط الخراء، لكن الزمن، تكرار الفشل، تفتت الطموح، الشك الرهيب، أشياء جعلت هزيمته سهلة وحزنه غائرا كجرح نتن. قبل أن يعرف بالطريقة الصعبة أن الإنسانية – بالضبط – هي قاع الكنيف.

استمر في القراءة

هشام البستاني: طافيًا في الهواء، بثلث انثناءٍ في الرُّكبتين | قصة من المجموعة الأخيرة

s-l1600

19th-century print. Source: look-just.top

الجثث مُنتفخةٌ، وسترة النجاةِ ملقاةٌ بين أخرياتٍ كثيراتٍ شبيهاتٍ على الشاطئ، تذكارًا من أولئك الذين غرقوا وأولئك الذين نجوا، تومضُ ألوانها الفسفوريّة أنّهم مرّوا من هنا، ولن يتوقّفوا عن المرور أبدًا. ها هم يأتون من البعيد.

رغم أنهم انتشلوني وأودعوني غرفة معدنيّة في غابةٍ بعيدةٍ عن البحر، إلا أن رؤى الماء ظلّت تدهمني كفيضانٍ فُجائي، مطرٌ ينهمرُ مرّةً واحدةً فأغرقُ في العرق البارد قبل أن أستيقظ هَلِعًا وأهرع لأضع رأسي تحت الحنفيّة فأُحسُّ بالأمان. سأخرجُ.
أفتحُ الباب فأشاهد غرفًا معدنية أخرى متشابهةً ملقاةً بين الأشجار، تمتدُّ من بعضها حبالٌ نُشرت عليها قطعُ الغسيل. “هذه علمُنا الوطنيّ”، فكّرتُ، وأدّيتُ لها التحيّة. لم أؤلّف لها بعدُ نشيدًا مناسبًا لكنّه قطعًا سيجمعُ في كلماته بين الموتِ والرّحيل. سأذهب للتبوّل الآن.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: الأوراق

Lu-Nan, A sceance in Xigaze, Tibet, 1997. Source: magnumphotos.com

كان فايز يتطلع إلي أعلى، إلى لافتة زرقاء تتدلى بسرعة من أعلى المبني وتضرب في الهواء بقوة قبل أن تقف عند نهاية الطابق الأول، معلنة بعد استقرار اهتزازها عن جمعية “معا” للخدمات الإنسانية. انتبه فايز إلي أحد موظفيه يقدم له مقصًا كي يقطع الشريط الشفاف. كان يتوقع بعد قطع الشريط أن يسمع ضجة كبيرة من الجماهير التي تحيط بالمكان، لكن صوت نقيق الضفدع كان أقرب إليه حتى من أصوات الموظفين المهنئة. شعر بحزن لعدم تواجد أي من الجماهير أو الإعلام على الرغم من المجهود الكبير الذي بذل في الحملة الإعلانية.
تأسست الجمعية مصادفة. كان فايز يغرق دومًا في أحلام اليقظة. ومكافأة على ذلك، أصبح كلما انخرط في حلم يجد الحلم مكتوبًا على ورقة. فرح فايز بتلك الموهبة، حتى أنها أصبحت مصدر دخله. كان يذهب إلي أحد المقاهي، يتعرف على الرواد، ثم يدخل معهم في رهان بأنه يستطيع أن يغرق المكان بالورق: ورق أزرق ينزل من السماء، وأحيانا يخرج من باطن الأرض. تحول فايز إلى نجم تتسابق إدارات المقاهي على إغرائه بالنقود كي يقيم مراهناته حصريًا في مقاهيها. 

استمر في القراءة

رؤيا شعبان: ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ الروك أند رول

Rolling Stones cover art by Andy Warhol. Source: recordart.wordpress.com

كنتُ أحب تدخين السجائر مع صديقي عباس، كُنا نحب السجائر والموسيقى الجيدة. أدخنّ في الخفاء، لم يكن مسموحًا لي بالتدخين لأني فتاة ولأني من عائلة مُحافظة. لا تسألوني ما علاقة التدخين بكون الفتاة شريفة، فأنا أيضًا لا أعلم، لكن أخي عبد القاسم ينعت كل مُدخِنة بالعاهرة. كان عباس هو من يجلب لي السجائر، يتستر عليّ، يشاركني تلك البهجة العابرة.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: حكاية الرجل الذي أصيب بشهوة الكلام

Jean-François Rauzier, Bibliothèque Babel, 2013. Source: espazium.ch

لا أعرف كيف أصبت بشهوة الكلام. الشهوة التي سعرت الجحيم من حولي. فبسببها خلعتني زوجتي. هرب أولادي إلى بلاد بعيدة. لفظني أصدقائي. أجبرني مديري على استبدال معاشي قبل استحقاقه بعشر سنوات
أنا لم أكن متكلما ولا صموتا، كنت مثل الآخرين تماما: أنم عند النميمة، أصمت عندما يكلفني الكلام ثمنا ما، أواسي في العزاءات مدعيا الحزن، لا أفوتيرحمكم اللهولايهديكم ويصلح بالكم، أهنئ في الأفراح، أتحدث منافقا ومتملقا في المواضع التي تستوجب ذلك، أسب الدين عند الغضب
لكن كل شيء تغير في لحظة. لم أعد قادرا على التوقف عن الكلام أكثر من عشرين ثانية، وصلت بالتمرين إلى نصف دقيقة. كنت كمن يحاول حبس أنفاسه تحت الماء
أتذكر اليوم الذي أصابتني فيه شهوة الكلام. كان يوما عاديا مؤهلا للمرور بسلام كسائر أيامي. أنهي عملي في الثانية ظهرا، كما تعودت منذ عشرين عاما.

استمر في القراءة

معن أبو طالب: الحظ

Tales of the Other Half. Illustration made especially by Forat Alhattab.

أول ما ندم عليه فتحي الحظ لما وصله الخبر هو أنه باع سلاحه، مع أن ثمن السلاح هو ما مكّنه من كمالة حق التاكسي، التاكسي الذي سيخسره إن بقي أعزلَ. كان قد باع السلاح بمربح ممتاز مع بداية الحرب في سوريا، ثم لم تنته الحرب ولا فورة الأسعار. لذلك فهو بحاجة إلى سلاح الآن، نظيف رخيص يستجيب لسبابته كل مرة. ليس من تلك النسخ المعدّلة في تركيا التي تصيب وتخيب، ولا البنادق الأمريكية “اللي بتنضب بالسيارة وبتطلع للسيلفيز”. “هذا السلاح” فكّر الحظ لما جاءه الخبر، “بظل بالحزام، من هون لتنحل القصة.”
جاءه الخبر مع أذان الفجر، وهو يأخذ آخر نفس وبجانبه فتاة غافية. بدأ الهاتف يهتزّ ثم تصاعد صوته بالرنين. إن لم تكن مكالمة من تلك التي ينتظرها فسيفشّ غُلّه بالمتصل ويُسمعه أكمٍ كلمة حلوين. سحب الهاتف بقدمه ثم انقبض حاجباه لما رأى الشاشة تضيء باسم أبي سفيان.
أخبره أبو سفيان الذي كان قد خرج لتوه من نادي القلعة الليلي، ذلك الذي على أول طلوع الشميساني، أنه سمع شباباً على طاولة مجاورة يتحدثون عنه، فتحي الحظ، وعن التاكسي الذي نزّله وكالة، وكيف أن لهم حق فيه، وكيف أنهم سيأخذون حقهم بالمنيح أو بالعاطل، وأن العاطل أجمل. أنصت الحظ بينما تابع أبو سفيان خبريته ونصحه بأن يكون حذراً لأن الشباب بدا أن لهم عُزوة وأنهم جادّون، ثم أضاف أنهم تحدثوا أيضاً عن ذهبات الحجّة. سأل الحظ عن أسمائهم وقال أبو سفيان إنه لا يعرفهم، ثم استدرك أن معتز كان معهم. “معتز ابن أبو خالد؟ مستحيل. قرابتي هذا” قال ثم أدرك سذاجة رده، لكن أبو سفيان آخر هَمُّه: “أنا ما قلت إنه معتز ناوي عـإشي! أنا بس قلت إنه كان قاعد معاهم. على أي حال، أنا ما إلي دخل.”

استمر في القراءة

قلعة الشمس: قصة من مجموعة منصورة عز الدين الجديدة

Ṣūrat al-Arḍ (Picture of the World) from an abbreviated copy of al-Iṣṭakhrī’s Kitāb al-masālik wa-al-mamālik (Book of Routes and Realms). Source: ottomanhistorypodcast.com

وحدها تقبع في بقعة على تخوم الخيال. بمظهرها الرمادي القاتم وأبراجها المستدقة، الأشبه بحراب مغروسة في قلوب أعداء غير مرئيين معلقين فوقها، تبدو القلعة غارقة في الانتظار. انتظار من تبدَّت في خياله كفكرة عابرة، لكن أرهبه تشييدها وتجسيدها خارج حدود سجن رأسه.
في أفكاره، كان يمكنه: السير فيها مغمض العينين. الاختباء في أقبيتها. عبور دهاليزها المتاهية. النظر من نافذة مضاءة في أحد أبراجها فيما تغرق بقيتها في ليل بهيم.
لكن، مع الوقت، صار مجرد تفكيره فيها يخيفه. أصبح معذَّبًا بها. لا يمكنه تجاهل إلحاحها على عقله، وليس في مقدوره التعايش مع وجودها. أعرف هذا لأنني، مثله، اختبرت المشاعر نفسها.
من سمعوه – في شبابه – يحكي عن رغبته في تشييد قلعة لا مثيل لها، لم يهتموا بما يقول. اعتادوا منه على غريب الكلام والأفعال. حدسوا بأنه يثرثر بما لن يفعل. لم يفهموه، ولا أنا أيضًا، حين راح يرسم التصميم تلو الآخر، وإذا لم يسعفه الرسم لجأ إلى الكلمات. دوَّن وصفها على هيئة أبيات شعر أقرب إلى الأحاجي.

استمر في القراءة

No more posts.