أحمد الفخراني: جائزة بودلير للرواية

Based on Étienne Carjat’s woodburytpe portrait of Baudelaire (source: Wikipedia)

لم نكن نتوقع كل هذا النجاح عندما أطلقت مع صديقي تطبيقنا الإلكتروني الفريد: بودلير. على عكس ما يوحي به الاسم، التطبيق مختص بالرواية لا الشعر.
أتذكر عندما فكرنا في اللوجو للمرة الأولى، اقترح صديقي أدهم نوفل أن تكون صورة لهامستر. لكني قلت: لن يلفت انتباه أحد. لكن لو جعلت الهامستر يرتدي نظارة ويركض بقدميه داخل كرة زرقاء، منتجا الكلمات عبر حركة قدميه، ذلك سيلفت انتباه الجميع، وسيوحي اللوجو بما أردنا تحقيقه بالضبط: التجدد والأبدية.
اختلفنا مرة أخرى حول شعار التطبيق، اقترحت أن نستلهمه من القاعدة الروائية الشهيرة: إذا وصفت مسدسا في الغرفة، فعلى المسدس أن يستعمل. استسلمت في النهاية للشعار الذي اقترحه: “إن لم تكن قصة الكون تدور عني، فعن ماذا تدور إذن؟ عن أمك!!”
طويل، وركيك، لكنه أثبت فعالية. لقد مس الجميع، ولخص ما نسعى لتحقيقه. فالتطبيق لم يستهدف الروائيين المحترفين الذين قاوموا نجاحنا في البداية بضراوة، فهم أكثر رجعية من أن يؤمنوا بفكرة كتلك: أن يكون منتجو الرواية من القراء العاديين، سيصنعوها بأنفسهم، من قصصهم الحقيقية والمتخيلة.
عندما بدأنا التطبيق، وضعنا ست روايات منسية تحت يد مئات الرواة غير المحترفين، والذين صاروا خلال فترة قصيرة ملايين. ليصنعوا منها ملايين النسخ غير المتطابقة التي تحمل أسمائهم، حتى يُنسى اسم كتابها.
يحرر الآخرون نسخة أخرى من روايتك المحررة أصلا من رواية سابقة، فتتناسل كنسخ بلا نهاية.
لا أخفيكم سرا أن الروايات الست المنسية، هي رواياتنا التي تجاهلها الوسط الأدبي رغم جودتها، لكننا لم نتردد لحظة ونحن نتنازل عنها، يمكن لك أن تلقبنا بمسيح الروائيين، رغم أننا حظينا بلقب يهوذا، فلقد اعتبر بعض الحاقدين ما فعلناه خيانة لهذا الفن العريق.

استمر في القراءة

علي المجنوني: اسم كامل ليس شائعا

Alex Majoli, Riyadh, 2002. Source: magnumphotos.com

ذاك بيتي. قال السائق وهو يشير إلى منزلٍ على يسارهما ظاهرُه مكسوٌّ بحجر الرياض الكريمي والأبيض. السور العالي، الحجري أيضاً، تحيط به شجيرات محفوفات بعناية شديدة حتى أنها بدت على هيئة مكعبات خضراء معلّقة في الفراغ. سارا بعد ذلك بالسيارة قرابة ٣ كيلومترات. لم يسأل الراكب، لكن السائق قال وكأنه أحسّ تذمراً: إصلاحات مشروع تصريف مياه السيول. له سبعة شهور.
بالطبع لم يكن الراكب متذمراً، ولم يكن يجهل النزعة الفطرية للالتفاف على حواجز أسمنتية وأخرى بلاستيكية وأقماع فوسفورية. إن كان شعر بشيء وقتها فهو امتعاضه من اعتقاد السائق بعجزه عن فهم رموز المدينة التي لم يتخلّ عنها إلا قريباً. في الطريق كان السائق قد سأله وهو ينهي مكالمة هاتفية لزوجته: إنت ليه ما تأخذ لك جوال؟

استمر في القراءة

معن أبو طالب: ابن بلاد

Untitled-1 copy 3_Snapseed

Alex Prager, “Pacific Ocean Compulsion”, 2012. Source: iconolo.gy

لم أستطع أن أفرشي أسناني ذلك الصباح. فتحت الحنفية الكبيرة الواسعة ذات الأنبوب العريض التي توهمك أن النيل بحاله وراءها، فحشرجت وبصقت ثم صمتت. وهكذا لم أستطع أن أفرشي أسناني ولا أن أغسل يديَّ أو وجهي ولا أن آخذ الشاور المعتاد الذي أبدأ به يومي. باريس المدل إيست. باريس أيري.
بحثت عن هاتفي واتصلت بسامي صاحب خزان صهريج الماء المغوار الذي ينقذني مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع. سامي من هؤلاء الباعة الذين عليك أن تحافظ على علاقة طيبة معهم. القوة معه. إذا لم يرد المجيء يومك أنت سينتاك، ليس يومه. هو آخر همه، في عشرين زبون غيرك. الكل بده مي. لذا علي أن أكون لطيفًا مضحاكًا مدفاعًا، ومتسامحًا معه إن تأخر ساعتين، فهو يعرف كيف يصل خزاننا الموجود في آخر سطح العمارة بعيدًا عن الشارع. فقط هو يعرف كيف يصفّ صهريجه ليصله، وعنده الصبر لذلك. لا بل بدا لي أنه يستمتع بالأمر كأنه أحجية. عدة غيره جاءوا مرة ثم رفضوا نقودي بعدها. وجع راس، منّا حرزانة.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: قرباننا

647e8df98acce83cdbf679bf16eaeff4

Khawal, circa 1907. Source: wikipedia

لمح مجدي – بالصدفة – إعلانًا كُتب بخط صغير أسفل زاوية في إحدى صفحات جريدة محلية.
ولأنه فضولي، أزاح طبق الطعام جانبًا، دفع مقعده الخشبي إلى الخلف وقام ليبحث عن عدسته المكبرة حتى يتبين تفاصيل الإعلان.
وبعد أن أعاد القراءة مرة وأخرى، شعر للمرة الأولى بأن هناك طريقًا للنجاة. كان الإعلان عن عودة مسابقة “قُرباننا” بعد انقطاع دام عقدًا كاملًا.تم الإعلان عن المسابقة أربع مرات، نُفذَتْ مرة واحدة وألغيت ثلاث مرات، على الرغم  من الإغراءات الكثيرة التي قدمها القائمون على المسابقة لحثّ الناس على الترشح. شروط الترشح أن تكون سليم البنيان، حسن الهيئة، خال من الأمراض. والفائز سوف يحظى بجنازة مهيبة تُذاع مباشرة على قنوات التلفزيون المحلي. وسوف يُقام له تمثال صغير يُوضع في مدخل المدينة.

استمر في القراءة

علي لطيف: وحش المنازل المحترقة

Diane Arbus, Tattooed Man at a Carnival, Md. 1970. Source: reelfoto.blogspot.com

Diane Arbus, Tattooed Man at a Carnival, Md. 1970. Source: reelfoto.blogspot.com

 

عقله أصبح أخف. كان هناك وحش داخله. عندما تحدث معها لأول مرة راودته رغبة في أكلها، ثم وضع اصبعه داخل حنجرته وتقيؤ أشلائها في البحر على الأسماك.
“أنا خائف،” قال لي ذات مرة.
كان خائفاً من أن يتملكه الوحش. أن يأتي اليوم الذي ينتفض من داخله ويستولي عليه مثل استيلاء ثعبان منقض على فريسته. كان يمقت الحيوانات، وفي طفولتنا كنا نصطاد القطط ونحرقها بالغازولين وأعواد الثقاب.
كنا رجالاً حقيقيين وقتها.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: لصوص النوم

By Youssef Rakha

By Youssef Rakha

كان يومي يبدو اعتياديا، كأيام كثيرة قبله. قضيته في العمل، أرتشف القهوة باستمتاع، أنظر من نافذتي إلي النيل، أفكر في فراغي العاطفي وخططي المسقبلية. لكن حين عدتُ إلي المنزل، تبدل الأمر كليا، كانت عادتي حين أصعد سُلم الطوابق الخمسة في البناية، أن أستند بذراعي علي الحائط مستجمعا أنفاسي ثم أطرق الباب. هذه المرة قبل أن أستند، جُذب الباب إلي الخلف مرة واحدة، ظهرت أختي علي يسار الباب بجسدها النحيل ونتوء حملها الذى بلغ الشهر الثامن ثم أمي البدينة في الوسط وجدتي القصيرة تتكئ علي عصاها وتبعد عن أمي قليلا علي اليمين. في نهاية الصالة، كان هناك مصباحا ضعيفا لا ينير ظلمة حجرة الجلوس. صاحت أختي: “أنا عرفت إنك سرقت النوم من صالح”، تبعتها “أنا كمان” من أمي بصوت أكثر انخفاضًا ثم صوت جدتي لا يسمع. نظرتُ إلي الأرض وحاولت تجاوزهن سريعا، إلا أنهن أحطنني ثلاثتهن، كانت رائحتهن واحدة، تشبه الأكل السليق، كن يضربن بأطراف أصابعهن علي جبتهي، ومع كل ضربة كنتُ أبتسم في نفسي كأن الضربة ستعيد لصالح نومه. قلت بغل: “مساكين”، وبخشونة  تملصتٌ منهن، وذهبتُ إلي غرفتي.

استمر في القراءة

علي لطيف: رجال الصناديق

By Youssef Rakha

By Youssef Rakha

أمامك رجل جالس أمام نافذة مفتوحة على كرسي جلس عليه معمر القذافي أيام الأحد للكتابة. فوق رأسه صندوق به ثلاث فتحات: فتحة كبيرة لفمه، واثنتين لعينيه.
صوت سيجارة تحترق بين شفتيه. دخان أبيض يمر من فم الرجل عبر النافذة إلى سماء ليل المدينة. الغرفة مظلمة. أربع زجاجات فارغة ملقاة بجانب الكرسي. زجاجة في يده بها شراب ذهبي يُشع بانعكاس الضوء الأصفر من مصابيح الشارع. الرجل عار. أصوات ساكسفون تصدر من مسجلة قديمة وسط الغرفة. نايما اسم الأغنية. عازف الساكسفون هو جون كولترين. ينهض الرجل من على الكرسي. يضع الزجاجة على الأرض. يأخذ آخر نفسٍ من سيجارته. يلتفت برأسه للخلف. يبتسم ابتسامة صغيرة. ينظر أمامه ومن ثم يتراجع عدة خطوات للخلف. يركض صوب النافذة، ويقفز.
الدقيقة الثالثة وست وأربعون ثانية من الأغنية. الساكسفون في أوجِه. كولترين في ذروته. صوت ارتطام شيء على الأرض. لا يسمعه أحد. صوت نباح كلب من الشارع. صوت قطط تفتش القمامة. صوت تدحرج صندوق تُحركه الرياح وسط الطريق. تنتهي الأغنية. أصوات صراخ وضوضاء بشرية تحت النافذة. المكان طرابلس، شقة رقم 48 وسط المدينة. الوقت بعد منتصف الليل، نهاية أول ليلة خميس من كانون الأول.

استمر في القراءة

No more posts.