يوسف رخا: المتنبي -١ (دِيَم)

Trent Parke, Sydney, from “Dream/Life”, 2001. Source: magnumphotos.com

أربعة وأربعون عاماً حتى أعرف أن الديمة هي المطر الحنون، ذلك الذي حين يَنزل لا تُصاحبه أصوات مُفزعة، وأن مجيئه متوقف على أمزجة الغمام. جرّبي مرّة أن تكدّريه، أن تذكّريه بمتاعب الحياة، ولو رأيتِ غير أهوال السماء اتفلي على وجهي. معقول كل هذه السنين وأنا أكابر؟ الصواعق التي تحيلني شبحاً مُعتذِراً يزحف على أمل أن تمصّه الأرض، التي تجعل المياه إيهاماً بالغرق والجفاف تعذيباً بالكهرباء، وحده الغمام يقدر على منعها كما يُرسِل الدِيَمَ غيداء وشهية وفرحانة باحتوائي. أربعة وأربعون عاماً حتى أراها كراتٍ من الفضة تتراقص في أسراب على هيئة طائرة أو حصان، تتجسّم للقائي. فأعرف أن الشوق ليس سوى المياه التي تَقطُر من أجسامنا حين يعصرنا الفراق. الدِيَم عندي أنا يا حبيبتي. في جلدة رأسي من الداخل سماء أحاول أن أكون غمامها. وحتى الأرض التي تحملني مجرد حجة لأكتب لك. الآن ينقعني المطر.
No more posts.