يوسف رخا: المتنبي -١ (دِيَم)

Trent Parke, Sydney, from “Dream/Life”, 2001. Source: magnumphotos.com

أربعة وأربعون عاماً حتى أعرف أن الديمة هي المطر الحنون، ذلك الذي حين يَنزل لا تُصاحبه أصوات مُفزعة، وأن مجيئه متوقف على أمزجة الغمام. جرّبي مرّة أن تكدّريه، أن تذكّريه بمتاعب الحياة، ولو رأيتِ غير أهوال السماء اتفلي على وجهي. معقول كل هذه السنين وأنا أكابر؟ الصواعق التي تحيلني شبحاً مُعتذِراً يزحف على أمل أن تمصّه الأرض، التي تجعل المياه إيهاماً بالغرق والجفاف تعذيباً بالكهرباء، وحده الغمام يقدر على منعها كما يُرسِل الدِيَمَ غيداء وشهية وفرحانة باحتوائي. أربعة وأربعون عاماً حتى أراها كراتٍ من الفضة تتراقص في أسراب على هيئة طائرة أو حصان، تتجسّم للقائي. فأعرف أن الشوق ليس سوى المياه التي تَقطُر من أجسامنا حين يعصرنا الفراق. الدِيَم عندي أنا يا حبيبتي. في جلدة رأسي من الداخل سماء أحاول أن أكون غمامها. وحتى الأرض التي تحملني مجرد حجة لأكتب لك. الآن ينقعني المطر.

علي المجنوني: اسم كامل ليس شائعا

Alex Majoli, Riyadh, 2002. Source: magnumphotos.com

ذاك بيتي. قال السائق وهو يشير إلى منزلٍ على يسارهما ظاهرُه مكسوٌّ بحجر الرياض الكريمي والأبيض. السور العالي، الحجري أيضاً، تحيط به شجيرات محفوفات بعناية شديدة حتى أنها بدت على هيئة مكعبات خضراء معلّقة في الفراغ. سارا بعد ذلك بالسيارة قرابة ٣ كيلومترات. لم يسأل الراكب، لكن السائق قال وكأنه أحسّ تذمراً: إصلاحات مشروع تصريف مياه السيول. له سبعة شهور.
بالطبع لم يكن الراكب متذمراً، ولم يكن يجهل النزعة الفطرية للالتفاف على حواجز أسمنتية وأخرى بلاستيكية وأقماع فوسفورية. إن كان شعر بشيء وقتها فهو امتعاضه من اعتقاد السائق بعجزه عن فهم رموز المدينة التي لم يتخلّ عنها إلا قريباً. في الطريق كان السائق قد سأله وهو ينهي مكالمة هاتفية لزوجته: إنت ليه ما تأخذ لك جوال؟

استمر في القراءة

No more posts.