طارق الجارد: لا أحد يستدل على الطريق في شينجوكو

M. C. Escher, “Relativity”, 1953. Source: .justcolor.net

الحياة، إن كان ثمة بداية فعلية لحياة المدينة، لا تبدأ في طوكيو قبل العاشرة. إلا أن الناس تستيقظ باكرا لتسعى في المدينة. وهو ما يعني أن لدي فسحة من صباح أصرفها في شرب القهوة والقراءة، قبل أن أبدأ جدولي السياحي في طوكيو.
كالمتردد، قضيت الثلاث صباحات الأولى على الطرف القصي من محطة ميترو وقطارات “شينجوكو” في طوكيو، وبالأحرى في مقهى “القنينة الزرقاء”.
اليوم الرابع كان فارغا، والحقيقة أن ذلك لم يكن مجرد خيار مسبق فحسب، بل ضرورة. فالأفكار التي تراودني عن “الصياد غراخوس” لكافكا، كانت تسعى في عقلي، حتى لم تعد هناك شهية في ذلك الصباح لسعي آخر. غراخوس، الصياد الذي مات، ما زال يهيم في سفينة الموت داخل تابوته في بحارنا، وسفينته تنزل أحيانا على موانئ المدن ليلا، وتغادرها صباحا. وفي تلك الليالي النادرة، تتسنى له لحظات من الحياة يخرج فيها من التابوت، لكنه لا يستطيع إلا أن يعود له، حينما يصيح بوق الباخرة قبل الفجر. لا يعلم لماذا لا يموت مطلقا، ولماذا لا يعيش مطلقا، وأنا أيضا لا أعلم. لكنني أود جدا لو أعلم، إن كان تراخوس قد مر بميناء طوكيو البارحة ولم ألتقه. و إلا ماذا كان بوق الباخرة الذي أيقظني فجرا؟

استمر في القراءة

بخيتة عبد الله: أيام عادية في حياة إنسان حديث

Youssef Rakha, “Winter Light”, January, 2020

اليوم 
شعرك يبدو بهيئة جيدة
والشمس ترسل أشعة رحيمة
وقد لا تكون فكرة سيئة تماماً
لو قررت ألا تجعل من الهستيريا
وعدم الاتساق
والحس العبثي
جزءاً أساسياً من هذا اليوم

استمر في القراءة

إسلام حنيش: أسقط دون أن أحدث ضجة

1915 autochrome of children drawing, by John Cimon Warburg. Source: mashable.com

ككلمة بين قوسين
أقف محصورًا
أنتظر إيماءةً من القدر
أو انفراجةَ وجه
وأقفز كما الأطفال في انتظار الحمام
لو أن لي بعض الحظ
لو أن الله نظر لي بعين الاعتبار
لكنتُ شجرةً
تعرف حكمة الصمت
أكثر من مذاكرة التاريخ

استمر في القراءة

خالد الشورى: أسنان

Goerge Tiemann and Co’s Surgical Instruments. Source: pinterest.com/tedgioia

بوادر ضوء الصباح تنسل من نافذة الحمام… ضوءٌ شحيح ولكنه يكفي للرؤية.
يقف الولد أمام المرآة محدقًا في انعكاسه، شاعرًا بشفقةٍ يشوبها اشمئزازٌ تجاه نفسه.
دون أن يحيد نظره عن المرآة، يُدير مقبض الصنبور فيتدفق الماء إلى التجويف المستقر في قعر الحوض. يفتح فمه على اتساعه ويرى: هناك فراغاتٌ قبيحة، بعض أسنانه غير موجودة في محلها. يلعق لثته بطرف لسانه مكان الفراغ، طعمٌ مالحٌ وملمس لزج، كأنه يلعق حلزونًا.
يمسك في يده اليمنى كماشة معدنية، كالتي كان يستعملها والده في صيانة مواسير الحمام أو المطبخ عندما تعطب. يحوّل نظره من المرآة إلى الكماشة. لقد طالها الصدأ وتراكمت عليها الأوساخ حتى صار لونها غامقًا.
يشرد ذهنه، وتفيق ذكرى بعيدة في مكان ما داخل رأسه.

استمر في القراءة

ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

NICARAGUA. 1981.

Susan Meiselas, Monimbo woman carrying her dead husband home to be buried in their backyard, Nicaragua, 1979. Source: magnumphotos.com

تعتيم
صباح سكندري آخر ينتهي بالعودة للقاهرة. لا شئ في هذه المدينة يشبه شيئاً آخر تعرفه. حين تزورها كسائح تاريخ تحمل رائحته في قلبك وتنظر للبحر من هذه الشرفة العتيقة. وتنتظر حتى تمتلئ الرئتان. قضيت ليلتي مع فيرجينيا وولف: ما هو أسوأ من رواية؛ تتبُّع سيرة حياة منذرة بالأسى، رومانسية وشائقة حين تقرأها في كتاب لكنها تطلق في أوصالك ارتعادة حين تكتشف حجم الشبه بينها وبين الواقع. واقعك. تنظر فيرجينيا معك إلى بحر الإسكندرية، يأخذك الهواء المالح لثلاثينيات القرن الماضي، بينما كانت تفكر في طريقة للموت هرباً من العالم، من غول الحرب ومن الجنون. تُرى ماذا يكون شعورها إن هي أسندت مثلي مرفقيها على هذا السور المنتمي للقرن الماضي وواجهت البحر بعين بينما العين الأخرى ترقب مسيرة صغيرة لمجموعة من الشبان الغاضبين على استيلاء أسوأ ترس في ماكينة اليمين الرجعي على البلاد. أقرأ: “وكانت فيرجينيا قد قررت مع زوجها يهودي الاصل ان يتخلصا من حياتهما بالغاز السام لو تمكن الألمان بقيادة الجيش النازي من اجتياح لندن…” هل الرحيل إجابة السؤال؟ يصدمني طريق مسدود مع مُلوحة الهواء. لمن نترك هذا الجمال كله؟ تجيب المترجمة من وحي خيالها على لسان وولف: “لو كنت أعلم بهزيمة الألمان لما قررت التخلي عن الحياة.” يراودني الشك في خيال لا يدرك القوة الكامنة في قرار الموت الاختيارى. أعود لتعليق وولف المتأسي: “كيف تعتمون المدينة الجميلة بالسواد مخافة الحرب، التعتيم اسوأ من الحرب.” هذا ما تقوله: التعتيم اسوأ من الحرب.

استمر في القراءة

No more posts.