يوسف رخا: المتنبي -١ (دِيَم)

Trent Parke, Sydney, from “Dream/Life”, 2001. Source: magnumphotos.com

أربعة وأربعون عاماً حتى أعرف أن الديمة هي المطر الحنون، ذلك الذي حين يَنزل لا تُصاحبه أصوات مُفزعة، وأن مجيئه متوقف على أمزجة الغمام. جرّبي مرّة أن تكدّريه، أن تذكّريه بمتاعب الحياة، ولو رأيتِ غير أهوال السماء اتفلي على وجهي. معقول كل هذه السنين وأنا أكابر؟ الصواعق التي تحيلني شبحاً مُعتذِراً يزحف على أمل أن تمصّه الأرض، التي تجعل المياه إيهاماً بالغرق والجفاف تعذيباً بالكهرباء، وحده الغمام يقدر على منعها كما يُرسِل الدِيَمَ غيداء وشهية وفرحانة باحتوائي. أربعة وأربعون عاماً حتى أراها كراتٍ من الفضة تتراقص في أسراب على هيئة طائرة أو حصان، تتجسّم للقائي. فأعرف أن الشوق ليس سوى المياه التي تَقطُر من أجسامنا حين يعصرنا الفراق. الدِيَم عندي أنا يا حبيبتي. في جلدة رأسي من الداخل سماء أحاول أن أكون غمامها. وحتى الأرض التي تحملني مجرد حجة لأكتب لك. الآن ينقعني المطر.

ريونوسكيه أكوتاغاوا عن الكتب، ترجمة ميسرة عفيفي

Hiroshige Utagawa, Pilgrimage to the Cave Shrine of Benzaiten, 1850. Source: ukiyo-e.org

تاريخ المسرح في دول العالم

 

لأنني أحب الكتب، فسأكتب عن الكتب قليلًا. من بين ما أملك من كتب، ثمة كتاب عجيب عن تاريخ المسرح، يُفتح على الطريقة الغربية[1]. وصدر هذا الكتاب بتاريخ ١٦ يناير ١٨٨٤ م. ويبدو أن المؤلف أحد أفراد عائلة ساموراي في طوكيو، يُسمّى تيتسو ناغاي يعمل في مديرية شرطة العاصمة. وعند النظر إلى خاتم الملكية في الصفحة الأولى، فقد كان هذا الكتاب على ما يبدو من ممتلكات إيكّو إيشيكاوا في الماضي. وفي الديباجة، ذُكر ما يلي:
“إن المسرح هو أسرع وسيلة لإزالة الجهل بتاريخ الدول الحي. ولهذا السبب في الدول الأوربية المتقدمة، تحترم طبقات المجتمع العليا من النبلاء والصفوة المسرحَ. ثم وراء الوصول إلى تلك النهضة وذلك الازدهار، هو ظهور علماء مشاهير في روما واليونان قاموا بعمل إصلاحات كبيرة في ذلك المجال. ولكن العلماء في بلادنا يحتقرون عالم مسرح الكابوكي (كما في الأصل[2]) منذ قديم الزمان، وبدون النظر إلى الاستثناءات، فالكتب التي تسجل ذلك ليست كثيرة حتى الآن. وبمعنى أنه يجب القول إنه أمر ينقص من أدوات التحضر السريع. (حذف) وثمة أماكن كثيرة هنا تعطينا إحساسا. عندما أحصل على لحظة فراغ بسيطة، أقرأ بتمعّن الكتب الفرنسية والأمريكية غيرها ثم أترجم النقاط الأساسية ترجمة بتصرف، وأصنع منها كتيب يدوي. وبالتالي أُسمّي ذلك الكتاب تاريخ المسرح في دول العالم”

استمر في القراءة

عائشة أحمد: الرجل الآخر

David Alan Harvey, Dasha in Outer Banks, USA, 2015. Source: magnumphotos.com

من خلال تخريمات شالها الأبيض تتطلع إلى البحر. ترى الطفلة في المايوه البنفسجي تروح وتجيء بدلوها البلاستيكي الصغير، تملأه بالماء وتفرغه على الرمل حيث تبني قلعتها الطينية مع أختها. آثار قدميها الصغيرتين مطبوعة على الرمل في مسار محدد، ووالدهما يرشف مشروبه ببطء من الزجاجة الحمراء مراقبا المشهد من بعيد.
تستلقي على المنشفة السوداء وقد ثبتت أحد أطرافها حقيبة ظهر ثقيلة وفي الطرف الآخر حذائها الفضي اللامع وكتاب كانت تقرأه. الريح تهب باردة والشمس فوقها لاهبة. تشعر بالعطش لكنها أكسل من أن تعتدل في جلستها وتبحث عن عبوة الماء لتشرب، تكتفي بأن تغطي وجهها بشالها الرقيق لتحمي بشرتها من وهج الشمس، وتغمض عينيها. تغفو لوهلة وتستيقظ على أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ، والنوارس الوقحة تدوم في السماء القريبة وتحط سريعا لالتقاط فتات الخبز الذي يرميه لها أحدهم.

استمر في القراءة

دينا ربيع: على أعقابهم ينكصون

Shakir Hassan Al Said, The Victorious, 1983. Source: barjeelartfoundation.org

البيت شاجٍ. أهله أطفال لا يلعبون، وشباب لا يعرفون شقوة الحب ولا سكرته، وعجائز جرت أعمارهنّ إكسبريسَ في بلاد تصرف حكوماتها على البنية التّحتيّة ما يحفظ ماء الوجوه.
على الحوائط ذكريات عنف وزعيق ونحيب وسكّين يتبادلها طرفا خناقة هزليّة. يعرف الطّرفان والشّاهدون والحوائط وكرسيّ الصّالون الذي يهامس أخاه بعد أن ينام ساكنو البيت أن أحدهما لن يذبح الآخر بها، لأنّ ليلة كهذه لا تخلص إلى نهاية كتلك، ولا تحسن سكّين المطبخ القِتلة، غير أنّهما يطيلان التّناوش بها ليزيدا على المشهد القبيح قبحا، ويخرّبا أعصاب الصّغار أبدا. 

استمر في القراءة

وئام مختار: ريثما تنزل شفتاه إلى بطني، انتظرني حتى أعود

sally_mann_family_pictures_15

Sally Mann, Family Pictures. Source: sallymann.com

١
مشغول. ظهره إليّ ورأسه إلى أوراق وأقلام وجرائد قديمة وجرائد جديدة ولابتوب لا ينطفئ وبعض الكتب. مكالمات هاتفيّة لا تنتهي، وسجائر. طبق صغير عليه بقايا حشيش مخلوط بالتبغ، وأنا في آخر الكادر. أمد يدي إلى اللابتوب وأغلقه في وجه الجالس أمامه، يجن ويهتف “لما أكون باعمل حاجة سيبيني في حالي!”
نظرة شريرة ويذهب إلى السجائر، ثم يقرر أن يذهب إلى الحشيش. يجلس أمام طاولته الصغيرة، ويبدأ في فرك بعضه.
أركل الطاولة ببساطة، وتبدأ المعركة.

استمر في القراءة

No more posts.