كتاب أخير: فصل من رواية أحمد زغلول الشيطي الجديدة

Alex Webb, Cairo (City of the Dead), 1980. Source: magnumphotos.com

وصل في الثامنة صباحًا إلى المدينة، عَبْر طريق شطا/ميدان الشهابية، تكاثرت المعارض والمخازن والعمارات على جانبي الطريق، كأنه كان يسير داخل ديكور ثقيل من مواد غير قابلة للتفكيك وإعادة التركيب، مواد نهائية. طرز تعكس الأموال المدفوعة فيها، واجهات فارهة، هذه هي المدينة التي لم يكن والدك فيها غير “بائع” يبيع منسوجات المحلة الكبرى، فوطة، سليب، منديل، فانلات داخلية، قمصان حريمي، جوارب قطنية، بالإضافة إلى زجاجات العطر صغيرة الحجم، أصلية المصدر، باقية الشذى. لم يكن لديه محل يدير تجارته منه، فقط يعتمد على شبكة معارف واسعة، يمر عليها من وقت لآخر حاملًا البضائع التي سبق طلبها منه، وعارضًا أخرى جديدة…

استمر في القراءة

أحمد ناجي: عبده السكندري وبورخيس السويسري

خبزت أمى الكيكة وزينتها بالكريمة البيضاء والفواكه. أخرجتها من الثلاجة وسارت وسط أنظار وحماس الجميع حتى وضعتها على طاولة الطعام، ثم بدأت في غرس شموع عيد الميلاد الصغيرة فيها. أوشكنا على إطفاء النور وإشعال الشموع، اللحظة المثيرة التي من أجلها تسارعت دقات قلبي، لأني أحصل حينها على اهتمام وحب الجميع، قطعها رنين جرس  لباب. ذهبت مُسرعاً لفتحه متوقعاً أحد أصدقائي، لكني وجدت رجلاً طويلاً ونحيلاً، بأنف أفطس، عيون واسعة كبيرة كما الثور، ذقن حالكة السواد، بلوفر كحلي متسخ وبجواره حقيبتي سفر.
أبصرت خالو لأول مرة في عيد ميلادي الثامن.
في وجهه حزن شديد، ألجمني عن الإتيان بأي صوت أو حركة. انحنى بجذعه نحوي وسألني بالفرنسية بصوت هامس “لابد أنك شارل إذن؟”
جاءت أمي لترى من على الباب وحينما لمحته قفزت إلى حضنه. بين الفرح والدموع قالت لي بالعربية “سلم على خالك عبده”.
أتى فجأة مثلما رحل فجأة.
استقر في بيت جدتي المجاور لنا في ذات الشارع. بيت قديم من ثلاثة أدوار. سكنه وحيداً لأن كل أخواته البنات يعشن مع أزواجهن، وأخاه يعيش في القاهرة منذ دراسته الجامعية. توقع الجميع أن يحمل هدايا من أوروبا في حقائبه، لكن لم تحتو إلا كتباً، وأوراقاً، وملفات بلغات مختلفة.
بعد أيام من مجيئه وصلت إلى الميناء شحنات أخرى من الكراتين والصناديق الخشبية، كل يومين كان يذهب بعربة ربع نقل إلى الميناء ويعود بها مُحملة، يرفض أن يُسَاعده أحد بل يظل طوال النهار يحمل بنفسه الصناديق من العربة إلى المنزل والعرق ينز منه، والإرهاق يستنفذ كل عضلة في جسده، ومع ذلك يستمر في الحمل وحيداً رافضاً أن يشاركه أحد في حمل صليب آثامه.
المزيد، والمزيد من الكتب، امتلأ بها المنزل.
لم يكن يخرج كثيراً، لكنه حرص على كسب ود الجميع، يحضر في التجمعات العائلية، يبتسم ولا يشارك في الأحاديث. يذهب أحياناً للكنيسة في الأعياد، لكن لا ألمح شفتيه تتحركان في الصلاة.

استمر في القراءة

عقل العويط: ليتني أملك أن أقتلك يا أبي

Henri Fuseli File-Hamlet,_Prince_of_Demark_Act_I_Scene_IV

Hamlet, Horatio and the Ghost by Henri Fuseli, 1796. Source: theinformedillustrator.com

أريدكَ، يا أبي، يا داود بن عقل بن داود العويط، أن تموت. بل آمركَ، بالحبّ الذي أكنّه لكَ، وبالصداقة التي نتفرّد بها، آمركَ بأن تموت. وفوراً. وبدون أيّ إرجاء.

استمر في القراءة

No more posts.