صلاح باديس: كيف تُسجّل صوت البحر؟

Todd Hido, #6097-4. Source: toddhido.com

الجدارمية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم. هذا ما تقوله لي سامية كل مساء عندما تعود من العمل. مُنهكة تسبُّ وتشتم الحواجز الأمنية التي تُغلقُ الطريق. تجلس إلى طاولة المطبخ وتقول:
– الجدرامية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم.
كل ستة أشهر هنالك حاجز أمني جديد في الطريق الرابط بين رغاية ووسط الجزائر. سامية تعتقدُ أن الجدارمية والشرطة يريدون فَصْلَ الضاحية الشرقية للعاصمة عن وسطها، أقول لها بأنها مفصولة جغرافيًا، وكل أطراف العاصمة اليوم – رغاية ورويبة – لم تكن تتبعها قبل عشرين عامًا. تتركني أكمل كلامي، غالبًا ما أكون أطبخ أو أحضّر شيئًا للعشاء، تتقدّم من القدر على النار، تشمّ الرائحة وتقول:
– مشّي كيف كيف… نهار عرفتك، كانت الطريق مغلوقة الصباح برك… كي تزوجنا كانت تتغلق الصباح وساعة يجو الجدارمية وساعة ما يجوش… ضُرك راهم ف الطريق كل يوم والطريق صباح وعشية مغلوقة.
أنا لم أكن مَعنِيًا بالطريق والحواجز الأمنية في المدة الأخيرة، كنت أبقى في رغاية، في الدار غالبًا، وعندما أخرج لأجل موعدٍ أو عمل، آخذ القطار. نملك سيارة واحدة، ماروتي حمراء قديمة، وكانت سامية هي من تقودها.

استمر في القراءة

ياسر عبد اللطيف: شهوة الملاك

Hesham Elsherif, from “The Way to Hell”. Source: arabdocphotography.org

في حضرة المشنقة، فوق الطبلية، وردًا على السؤال التقليدي، قال للجلادين ورجال القانون إن رغبته الأخيرة هي أن يغتسل حتى لا يقابل ربّه نجسًا. كان إسهال مائي قد أصابه في الطريق من الزنزانة حتى موضع حتفه. لم يستطع التحكم فيه وهم يجرونه جرّا، كما انفتح صنبور بوله من الناحية الأخرى فوصل وقد ابتل بنطاله الأحمر تماما وتلوث بنفاياته حتى فاحت روائحها بقوة في الهواء الثقيل لغرفة الإعدام. قوبِل طلبه بالصمت التام من قِبل مأمور السجن والقاضي وكبير الأطباء. لو أخذوه للاستحمام فذاك يعني الفترة الزمنية التي يستغرقها مشوار آخر حتى حمامات عنابر الحبس، ثم فترة الاغتسال نفسها، ثم العودة من هناك مرة أخرى؛ وذلك بالتأكيد إهدار كبير للوقت الحكومي، ولوقت الباشوات الكبار الذين جاءوا لاستكمال إجراءات تنفيذ الحكم. أدرك الجلادون مغزى صمت الكبار، فسيق إلى موضعه فوق مركز الطبلية دون تلبية الطلب، وأُحكمت الأنشوطة حول عنقه، وألبسوا رأسه الكيس القماشي الأسود.

استمر في القراءة

علي المجنوني: اسم كامل ليس شائعا

Alex Majoli, Riyadh, 2002. Source: magnumphotos.com

ذاك بيتي. قال السائق وهو يشير إلى منزلٍ على يسارهما ظاهرُه مكسوٌّ بحجر الرياض الكريمي والأبيض. السور العالي، الحجري أيضاً، تحيط به شجيرات محفوفات بعناية شديدة حتى أنها بدت على هيئة مكعبات خضراء معلّقة في الفراغ. سارا بعد ذلك بالسيارة قرابة ٣ كيلومترات. لم يسأل الراكب، لكن السائق قال وكأنه أحسّ تذمراً: إصلاحات مشروع تصريف مياه السيول. له سبعة شهور.
بالطبع لم يكن الراكب متذمراً، ولم يكن يجهل النزعة الفطرية للالتفاف على حواجز أسمنتية وأخرى بلاستيكية وأقماع فوسفورية. إن كان شعر بشيء وقتها فهو امتعاضه من اعتقاد السائق بعجزه عن فهم رموز المدينة التي لم يتخلّ عنها إلا قريباً. في الطريق كان السائق قد سأله وهو ينهي مكالمة هاتفية لزوجته: إنت ليه ما تأخذ لك جوال؟

استمر في القراءة

صلاح باديس: بنزين

Photo by Salah Badis

Photo by Salah Badis

من قلب العاصمة تمتد طرقات مهترئة، تُشبه شرايين إنسان نهشها داءُ السُكّري. الشاحنات الكبيرة الخارجة من الميناء والعائدة إليه، القادمة من بعيد، الواقفة في طوابير لا تنتهي قبل نقاط التفتيش، تطحن الأسفلت بعجلاتها، تُخلّف عليّه ندوباً وحُفراً. الشاحنات لا تتوقّف عن السير، وفي الليل تضاعف من سرعتها، تلهو في الطرقات كديناصورات صغيرة. تغرز فيها مخالبها السوداء. تأكل الطريق كما أكل الميناء وجه العاصمة. عجلات السيارات اهترأت بدورها، والإطارات المعدنية أيضاً، كلما أعبر فوق الندوب أسمع صرير نوابض السيارة، حديد يحكّ الحديد. صديقي يقول لي بأن الحالة ستسوء أكثر إن لم أصلحها.

استمر في القراءة

No more posts.