خالد الشورى: العِرسة

Weasel from the Thérouanne Bestiary, circa 1270. Source: discardingimages.tumblr.com

آثار أقدام الدب أكثر إفزاعًا من الدب نفسه”
مثل روسي لم يسمع به الروس من قبل لأنه من تأليف رفعت إسماعيل.

 

لحظة جذبته المُولِّدة من قدميه النحيلتين إلى الحياة، وخرج من بطن أمه جسدًا رخوًا، شبهَ مكتملٍ، نصفَ حيٍّ، له ملمس قِرْبة جلديّة مملوءة بماء ساخن، دمدمت ممتعضة:
بدر منوّر.”
لكنه لم يكن بدرًا منورًا ولا منطفئاً حتى، وإنّما طبيعة المهنة هي التي عودت المُولّدة على مجاملة الأمهات، حتى ولو كان أولادهنّ بقبح الولد الذي بين يديها.
لُفّ المولود بمنشفة نظيفة، وَوُضِعَ في حضن أمه.
عندما كشفت الأم وجهه لتلقمه ثديها، امتعضت هي الأخرى، واشتكت للأب بحسرة:
انظر إليه، رأسه صغيرة وسوداء، تشبه حبة قلقاس.”

استمر في القراءة

في مأمن من الريح والتاريخ: شِعر روبرتو بولانيو ترجمة أحمد يماني

Gueorgui Pinkhassov, Tijuana, July 2012. Source: magnumphotos.com

بين الذباب
أيها الشعراء الطرواديون
لم يعد هناك شيء مما كان يمكن أن يكون لكم
موجودا
لا معابد ولا حدائق
ولا شعر
أنتم أحرار
أيها الشعراء الطرواديون الرائعون.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: الرجل الصغير

Gustavo Ortiz, “Witness” paintings. Source: carredartistes.com and saatchiart.com

بأنفاس لاهثة، صعد الدرجات الرخامية جارّا معه أنفه إلى أعلى، مستندا على درابزين مشقوق الطلاء كي يحفظ توازنه من السقوط. توقف قليلا ليتحسس أنفه الضخم الذي يضطر أن يحمله معه أينما حل، فتُطأطىء رأسه قليلا إلى أسفل في اللحظات التي يحتاج فيها إلى النظر مستويا إلى الأمام. أما الصعود إلى أعلى ومع حجر كهذا فوق وجهه فقد كان معاناة حقيقية، لكنها لا تقارن بمعاناته عندما يقرر هذا الأنف أن يبتلعه بالقوى السحرية التي تملكها نقطة ارتكاز، أو كمحور يجعله يدور ويدور حول نفسه.
بلغ الطابق الثالث. كان واسعا تتوسطه ردهة تتولد منها ممرات متشابكة، لافتات لأطباء ومحامين والمزيد من الأطباء والمحامين. فكر أنه أمر طبيعي في عالم معتل يسوده الشر، رغم أنه في حاجة أكثر إلى خياطين كأبيه، المهنة التي تنقرض بفعل فقدان الانتباه والصبر. لا أثر للافتة التي يبحث عنها رغم أنه دار حول الطابق عدة مرات.
كان يحمل تحت إبطه ملفا ضخما يحوي أوراقا مرتبة بعناية، في مقدمتها وريقة صغيرة مثبتة بدبوس سجل عليها العنوان: ٢٣ ش سليمان باشا، موقع “باب المدينة”، الطابق الثالث. هل أخطأ في عد الأدوار؟ فكر أن يهبط إلى أسفل ثم يصعد مجددا ليتأكد من العد. لكن كان ذلك منهكا لجسده المفكك وعقله الدائخ.

استمر في القراءة

إيمان عبد الرحيم: النشور

Thetriumphofdeath

Pieter Bruegel the Elder, “The Triumph of Death”, 1562. Source: Wikipedia

“انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً
سورة الإسراء، آية ٢١

 

“القيامة النهاردا الساعة ستة بعد المغرب… يلا قومي.“
استيقظت مشدوهة في الواحدة ظهراً، على صوت ماما تردد هذه الجملة بصوت منذر وعلى عجل!
سألتها كيف عرفت؟ فأجابتني بأن الخبر أذيع أكثر من مرة في نشرات الأخبار على كافة القنوات الأرضية والفضائية، المحلية والعالمية، العالم كله يعلم ويستعد وأنا الوحيدة النائمة بكسل على جنبي. سارعت بالنهوض من سريري، ثم سألتها عما يجب أن نفعله، طلبت مني أن أحضّر شنطة صغيرة آخذ فيها كل ما قد أحتاجه في الحياة الآخرة. سارعت أبحث عن إخوتي، فوجدتهم جميعا مشغولين بتحضير شنطهم. ذهبت إلى دولابي، واخترت شنطة ”باك” ضخمة، كي أتحرك بحرية، بينما هي معلقة على ظهري. وضعت فيها كيس فوط “نانا” الصحية النسائية القطنية، ومحفظة لا تحوي إلا صورًا فوتوغرافية بالأبيض والأسود، لمن رحلوا من عائلتي.  بعدها سارعت بالذهاب إلى صالة البيت وأخرجت من درج ”النيش” الذي يتوسط أحد جدرانها شريط دوائي المضاد للاكتئاب، ألقيت الأشياء في الشنطة على عجل، توقفت سارحة لثانية، أفرغت بعدها الشنطة من جديد، سارعت إلى المكتبة والتقطت المجلدات الخاصة بكتاب “قصة الحضارة”، لـ”وِل ديورانت”، لم أجد إلا أحد عشر مجلدًا فقط من أصل اثنين وعشرين مجلدا، بحثت في كل مكان عن المجلدات الناقصة، ولم أجدها، حزنت لعدم عثوري على المجلدات المفقودة، فكم كنت أود إكمال قراءة السلسة الضخمة قبل أن أموت. يبدو أنه غير مقدر أيضاً أن أقرأ ما تبقى لي حتى بعد رحيلي. انتبهت فجأة أن الوقت يمرق، فاكتفيت بالأحد عشر مجلدا، وحملتها مرصوصة فوق بعضها، الأقدم في الأسفل، فالأحدث أعلاه. قابلتني أختي وأنا أسير على مهل حاملة الكتب الضخمة ومتجهة إلى غرفتي، فصرخت في محذرة: إن هذه الكتب ثقيلة جداً، ووزنها سيعيق حركتي في يوم مهم مثل هذا. أخبرتها ساخرة أن هذا ليس من شأنها. في غرفتي، رصصت المجلدات الأحد عشر في قاع الشنطة، ثم وضعت الأشياء التي أفرغتها من جديد فوقها، أحضرت علبة سجائري، واخترت ولاعة سجائر لونها برتقالي فاقع، ووضعتهم فوق بالقرب من “السوستة”، في متناول يدي. أغلقت بعدها الشنطة، وحملتها على كتفيّ، وتحركت بصعوبة، نظرا لثقل وزنها، ثم خرجت إلى صالة البيت، فوجدت أن الجميع قد انتهوا قبلي.

استمر في القراءة

مهاب نصر: لأن الله لا يترك الناس يشهقون هكذا

Tony Vaccaro, On the set of “8 1/2”. Source: photographmag.com
مدينتي
أنا من مدينة 
لا أعرف كيف أسميها لكِ
أسمع سبابا
لكن أحدا لا يلتفت
وحين أجلس في مقهى،
حين أغمض عيني 
لأحتفظ بفكرة،
حين أتطلع، ممدا على فراشي،
إلى سقف حجرتي، 
حين أهم بشرح موقفي ـ
أسمع السباب نفسه

استمر في القراءة

𝐹𝑜𝓊𝓃𝒹 الحافة أسرارُها

على الحافة الهشة التي نصل إليها وكنا طيلة الوقت نسعى بكل ما فينا من تهور لبلوغها، تلك القشرة الخداعة من رقيق الجليد على فوهة أخدود ما أطول ما أغرانا في أحلامنا الشبقة بانتهاك ظلامه، هناك حيث الحياة تنكسر بين رجليك كأسا من كريستال عذريتك التي لم يصنها الزمن، نسير ونترك آثارنا، نعرف أننا نمتحن المصير بكل فلذة.
الحافة تبقى. ندور في حلقة اللحم على نفس المحور الثابت للوهم ونحاول ثانية، ومن جديد، جامحين أكثر في كل مرة وقد عبقت ريح الطقوس في الشرايين، بأن نزيد قوة الدفع في وجه الوعيد بالفناء، منزلق الخوف والحمى، عارفين أن القشرة قد تنكسر أو تذوب في أية لحظة.
نجازف بأنفاس مكتومة تداني الانفجار لنجرب أن نرى شيئاً لم يره من قبل أحد سوانا.
— من مجموعة “حامل الفانوس في ليل الذئاب” لسركون بولص

1996

خالد الشوري: الجرذ

Lucian Freud, Rat Man (Portrait Of Raymond), 1978. Source: widewalls.ch

إنّ الجُرْذان عندما تتنقّل من محلٍّ لمحل ومن بيتٍ لبيت، لا تخرج بوقار من باب ثم تسير بتأنٍّ وتَنْدَلِفُ إلى بابٍ آخر كأنّ الأمر بتلك البساطة. وإنما تَنْدسُّ في الجحور وتَجُوب الأنفاقِ مستترةً عن الأنظار، ثم تَخرج من شق وتَلِجُ إلى شق آخر. وعلى تلك الحال تقضي حياتها متنقلةً بين الأماكن. تمامًا مثلي، غير أن الجحور لا تسع جسدي، فأسير متواريًا عن الأنظار، في الشوارع الضيقة التي تتخلل الحارات الجانبية على دفتي الطرق الرئيسية.
والجرذان لا تخرج من جحورها إلى العالم المكشوف إلا في أضيق الحالات، وأكثرها حرجًا. فهي جبانة، ضعيفة، خروجها لا يعني إلا موتها. أنا شخص لا أختلف عن الجرذان في شيء غير أنني أتوارى خلف سحنة إنسان، لكنني في الحقيقة لست سوى جرذٍ انزوى على نفسه داخل جحره، وحيدًا.

استمر في القراءة

No more posts.