عارياً، عارياً تماماً: نصوص جديدة لإسلام حنيش

Hojjat Hamidi, Father. Source: instagram.com/hojjathamidi

إلى مهاب نصر
لا جدوى لأحد من الحزن
ربما المعنى ليس في الحزن ذاته
ولكن هكذا جرت العادة
الآن تتوق لطبق الحساء
وتسأل
هل يمكنني أن أحصل على الصوت؟

استمر في القراءة

صلاح باديس: كيف تُسجّل صوت البحر؟

Todd Hido, #6097-4. Source: toddhido.com

الجدارمية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم. هذا ما تقوله لي سامية كل مساء عندما تعود من العمل. مُنهكة تسبُّ وتشتم الحواجز الأمنية التي تُغلقُ الطريق. تجلس إلى طاولة المطبخ وتقول:
– الجدرامية خنقوا الطريق، الناس عادوا يخافوا يخرجوا من ديارهم.
كل ستة أشهر هنالك حاجز أمني جديد في الطريق الرابط بين رغاية ووسط الجزائر. سامية تعتقدُ أن الجدارمية والشرطة يريدون فَصْلَ الضاحية الشرقية للعاصمة عن وسطها، أقول لها بأنها مفصولة جغرافيًا، وكل أطراف العاصمة اليوم – رغاية ورويبة – لم تكن تتبعها قبل عشرين عامًا. تتركني أكمل كلامي، غالبًا ما أكون أطبخ أو أحضّر شيئًا للعشاء، تتقدّم من القدر على النار، تشمّ الرائحة وتقول:
– مشّي كيف كيف… نهار عرفتك، كانت الطريق مغلوقة الصباح برك… كي تزوجنا كانت تتغلق الصباح وساعة يجو الجدارمية وساعة ما يجوش… ضُرك راهم ف الطريق كل يوم والطريق صباح وعشية مغلوقة.
أنا لم أكن مَعنِيًا بالطريق والحواجز الأمنية في المدة الأخيرة، كنت أبقى في رغاية، في الدار غالبًا، وعندما أخرج لأجل موعدٍ أو عمل، آخذ القطار. نملك سيارة واحدة، ماروتي حمراء قديمة، وكانت سامية هي من تقودها.

استمر في القراءة

هشام البستاني: طافيًا في الهواء، بثلث انثناءٍ في الرُّكبتين | قصة من المجموعة الأخيرة

s-l1600

19th-century print. Source: look-just.top

الجثث مُنتفخةٌ، وسترة النجاةِ ملقاةٌ بين أخرياتٍ كثيراتٍ شبيهاتٍ على الشاطئ، تذكارًا من أولئك الذين غرقوا وأولئك الذين نجوا، تومضُ ألوانها الفسفوريّة أنّهم مرّوا من هنا، ولن يتوقّفوا عن المرور أبدًا. ها هم يأتون من البعيد.

رغم أنهم انتشلوني وأودعوني غرفة معدنيّة في غابةٍ بعيدةٍ عن البحر، إلا أن رؤى الماء ظلّت تدهمني كفيضانٍ فُجائي، مطرٌ ينهمرُ مرّةً واحدةً فأغرقُ في العرق البارد قبل أن أستيقظ هَلِعًا وأهرع لأضع رأسي تحت الحنفيّة فأُحسُّ بالأمان. سأخرجُ.
أفتحُ الباب فأشاهد غرفًا معدنية أخرى متشابهةً ملقاةً بين الأشجار، تمتدُّ من بعضها حبالٌ نُشرت عليها قطعُ الغسيل. “هذه علمُنا الوطنيّ”، فكّرتُ، وأدّيتُ لها التحيّة. لم أؤلّف لها بعدُ نشيدًا مناسبًا لكنّه قطعًا سيجمعُ في كلماته بين الموتِ والرّحيل. سأذهب للتبوّل الآن.

استمر في القراءة

إسلام حنيش: قصيدتان بعد غياب

Christopher Anderson, “My father with an X on his chest for radiation therapy for lung cancer”, 2009. Source: magnumphotos.com

 

أزرق بارد.

.

الثلاجة لا ينقطع أزيزها
وإضاءة المكان الوحيدة
تمدها لمبة المكيف
زرقاء،
تضفي حزناً ورومانسية على الغرفة
الخراطيم في كل مكان
تتدلى كذنب ثقيل لابد أن نكفر عنه.
لا أعلم يا يوسف ما سر الاحتفاظ بلحظات الهشاشة. ما حاجتنا في تصوير الضعف؟ هل نحتاج حقًا لتثبيت تلك الأوقات واسترجاعها لاحقًا؟

استمر في القراءة

أمجد الصبان: الأوراق

Untitled-1

Christina de Middel, from “This Is What Hatred Did”, 2015. Source: imaonline.jp

كان فايز يتطلع إلي أعلى، إلى لافتة زرقاء تتدلى بسرعة من أعلى المبني وتضرب في الهواء بقوة قبل أن تقف عند نهاية الطابق الأول، معلنة بعد استقرار اهتزازها عن جمعية “معا” للخدمات الإنسانية. انتبه فايز إلي أحد موظفيه يقدم له مقصًا كي يقطع الشريط الشفاف. كان يتوقع بعد قطع الشريط أن يسمع ضجة كبيرة من الجماهير التي تحيط بالمكان، لكن صوت نقيق الضفدع كان أقرب إليه حتى من أصوات الموظفين المهنئة. شعر بحزن لعدم تواجد أي من الجماهير أو الإعلام على الرغم من المجهود الكبير الذي بذل في الحملة الإعلانية.
تأسست الجمعية مصادفة. كان فايز يغرق دومًا في أحلام اليقظة. ومكافأة على ذلك، أصبح كلما انخرط في حلم يجد الحلم مكتوبًا على ورقة. فرح فايز بتلك الموهبة، حتى أنها أصبحت مصدر دخله. كان يذهب إلي أحد المقاهي، يتعرف على الرواد، ثم يدخل معهم في رهان بأنه يستطيع أن يغرق المكان بالورق: ورق أزرق ينزل من السماء، وأحيانا يخرج من باطن الأرض. تحول فايز إلى نجم تتسابق إدارات المقاهي على إغرائه بالنقود كي يقيم مراهناته حصريًا في مقاهيها. 

استمر في القراءة

محمد جاد: ميدان الرماية

Alex Webb, Fort Sherman. 1999. U.S Military jungle warfare unit. Source: magnumphotos.com

علي بعد حوالي ١٢٠ كيلو من القاهرة مدينة الفرص الضائعة والأسمنت تقع مدينة صغيرة على ضفاف بحيرات قناة السويس مليئة بالمعسكرات وآثار حرب فاتت لم تكتمل. وهنا المشكلة، دائماً نحن في منتصف الطريق، نعيش على هامش الزمن والحضارة ونصف هوية. أسرى وهم القومية والتمكين وسيادة العالم والمهدي المنتظر. مساحة كبيرة محاطة بسور عال وهناجر صغيرة منفصلة لا تدل على وجود حياة. هناك كل شي أصفر وأعتقد أنه اللون المناسب للرقص على السلالم، فلا أنت حي ولا ميت. تخلع ذكرياتك وأحلامك وتغمض عينيك وتضم في الصف علي زمايلك.

استمر في القراءة

أخيلة الظل: منصورة عز الدين | فصل من الرواية الأخيرة

Marc Riboud, the former Imperial city of Hue, after the American bombing, May 1968. Source: magnumphotos.com

ربما كان في درسدن وقوات الحلفاء تمطرها بالقنابل شديدة الانفجار، أو في بغداد بينما تُدَّك بصواريخ كروز والتوماهوك الجاهلة بهول ما تفعل، أو في مدينة مخترَعة لحظة فنائها.
لا يهم اسم مدينته أو موقعها، فكل المدن المنكوبة، أثناء تعرضها لخطر الزوال، مدينة واحدة.
لم يكن واقفًا حين بدأ القصف، بل على أطرافه الأربعة، في وضع أقرب للسجود على أرض المكتبة. لا يعرف أكان يستبق المأساة، أم أنه كالحيوانات يمكنه التنبؤ بالخطر! لا يتذكر أنه سمع صفارات إنذار تحذر من غارة وشيكة، لكن أصوات الانفجارات المتتالية اخترقت أذنيه وترسخت في ذاكرته.
آلاف الأطنان من القنابل الحارقة أُلقيت على مدينته. مئات المباني والمنشآت صارت رمادًا. البيوت تحولت إلى قبور لساكنيها. الانفجارات المزلزلة فرّغت الفضاء المحيط بها من الهواء، خاصة أن الحرائق اشتعلت في كل جانب، مكونةً عاصفة نارية، التهمت ما تبقى من أكسجين. بعض من لم تقتلهم القنابل، اختنقوا وهم يتسولون أنفاسهم عبثًا، أو احترقوا من الحرارة اللاهبة. هناك من رموا أنفسهم في النهر، ليُفاجَأوا بأن مياهه تكاد تغلي. الناجون القلائل لم يفعلوا شيئًا سوى الاستلقاء في أماكنهم، منتظرين نهايتهم، داعين ألّا تتأخر، قبل أن يغرقوا في ظلام دامس. استسلامهم هذا كان من بين أسباب نجاتهم التي تلخصت في الحظ والصدفة وما بينهما. أو هكذا على الأقل كان الأمر في حالته.

استمر في القراءة

No more posts.