واحد ناقص واحد: قصة كولم تويبين ترجمة محمد هاني

Colm Tóibín by Phoebe Ling. Source: colmtoibin.com

يطلّ القمر من قرب على تكساس. القمر هو أمي. هي مكتملةٌ الليلة، وأكثر سطوعًا من أسطع مصباح نيون؛ هناك تعاريج من الأحمر في لونها العنبري المنبسط. ربما كانت قمر حصاد، قمر كومانتش، لا أعلم. لم أر أبدا قُمْرة بهذا القرب، وحريصة لهذه الدرجة على بريقها العميق. الليلة، ستكون أمي قد توفيت منذ ست سنوات، وأيرلندا على بعد ست ساعات وأنت نائم.
أسير. لا أحد يسير سواي. من الصعب عبور شارع جودالوب؛ تمرق السيارات مسرعة. في متجر الجُملة للسلع الغذائية كلنا مرحب بنا، تسألني الفتاة عند المخرج إن كنت أود الحصول على عضوية المتجر. لو دفعت سبعين دولاراً، عضويتي لن تنقضي كما تقول، وسأحصل على سبعة في المئة خصم على كل المشتريات.
ست سنوات. ست ساعات. سبعون دولاراً. سبعة في المئة. أقول لها إني هنا لبضعة أشهر فقط، تبتسم وتقول مرحبا بك. أبتسم بالمقابل. مازلت أستطيع أن أبتسم. لو اتصلت بك الآن، ستكون الثانية والنصف صباحا؛ على الأرجح ستكون مستيقظا. 

استمر في القراءة

كأنّ مدينة توجد: قصائد الموسم من مهاب نصر

Patrick Rapati, from “Eight Drawings for Invisible Cities”, 2017. Source: maritimeartlist.com

(١)
لا يمكنني أن أتعلم
وأنتم، هل يمكنكم؟
يتحسن مزاجي لسبب آخر
أن أحكي قصة لشخص ينام على ذراعي
هل شعرتم بهذا التنميل الخفيف من قبل؟
هل اعتبرتم يوما أن ذراعا واحدة
تكفي لحمل الأصابع التي تقلب الصفحات؟

استمر في القراءة

أمل السعيدي: غشيه شعور عميق  بأنه يعرف كل شيء

Pieter Claesz, Still Life with Stoneware Jug, Wine Glass, Herring, and Bread, 1642. Source: 1642

كان يتمشى في مزرعة والده، يوزع نظره على الحقل المحروث تواً، ناعساً راح يفكر أنه لم يزرها منذ زمن بعيد. أشجار السفرجل الثلاث، في الزاوية الشمالية القصوى، تحوطها أوراقها التي طوحتها ريح الأيام الماضية. كان يجلسُ هنا كثيراً، لعلمه أن الجميع يجدون المكان بعيداً عن المنزل وعن المكان الذي ينوعون فيه الإنتاج الزراعي طوال العام. هنا كوكب آخر، فلا يمكن إدراك نوافير الري الطويلة من هذه الزاوية. لا شيء سوى أشجار مانحو ضخمة تحول بينه وبين الجميع، لكنه لم يعد يأتي إلى هنا كثيراً، يريد ذلك ويقرر فعلاً أن يعود لمرات ومرات كلما كان هنا، لكنه ما إن يبتعد قليلاً حتى لا يعود يفكر في هذا المكان.
يعمل موظفاً في أكبر شركة اتصالات في البلاد. يعود في تمام الساعة السادسة إلى شقته الصغيرة، في عمارة مميزة، ذلك لأنها تحتوي سطحاً، وسلالم داخلية تؤدي إلى السطح. يركن سيارته في قبو ضيق ورطب، ويشعر بقطرات العرق تسيلُ على ظهره في المسافة الفاصلة بين القبو والغرفة. تعود ألا يطفئ تكييف غرفته، تفادياً للحرارة الخانقة في هذا الفصل من العام. يخلع ملابسه، ولا يحتفظ إلا ببوكسر علامة كالفن كلاين، ويلقي بنفسه على الفراش. عندما تلامس أصابع قدمه برودة لحاف السرير، يحسُ بالراحة أخيراً من عناء اليوم. لا ينام، لا يتقلب، يسجّي جسده هناك طامحاً في الذوبان في شبح التراخي الضخم الذي شعر دوماً بالانتماء الحقيقي له. لكنه تلقى الآن مكالمةً من أمه. مات أبوه، وسيدفنونه هذا المساء.

استمر في القراءة

دينا ربيع: على أعقابهم ينكصون

Shakir Hassan Al Said, The Victorious, 1983. Source: barjeelartfoundation.org

البيت شاجٍ. أهله أطفال لا يلعبون، وشباب لا يعرفون شقوة الحب ولا سكرته، وعجائز جرت أعمارهنّ إكسبريسَ في بلاد تصرف حكوماتها على البنية التّحتيّة ما يحفظ ماء الوجوه.
على الحوائط ذكريات عنف وزعيق ونحيب وسكّين يتبادلها طرفا خناقة هزليّة. يعرف الطّرفان والشّاهدون والحوائط وكرسيّ الصّالون الذي يهامس أخاه بعد أن ينام ساكنو البيت أن أحدهما لن يذبح الآخر بها، لأنّ ليلة كهذه لا تخلص إلى نهاية كتلك، ولا تحسن سكّين المطبخ القِتلة، غير أنّهما يطيلان التّناوش بها ليزيدا على المشهد القبيح قبحا، ويخرّبا أعصاب الصّغار أبدا. 

استمر في القراءة

ميرهان فؤاد: حق العودة

PIG2003007K041

Gueorgui Pinkhassov, Girl with her father crossing the street. Source: magnumphotos.com

في ساحة القبر، أنتظر مشهدأبيليس اللفظ السينمائي، وإنما مصطلح يشير إلى الجنازة: عبور الرجال حاملين الميت من المسجد إلي القبر فيما أتذكر محاضرة الطب الشرعي، حين كانت الطبيبة تقول إن عدداً من المصريين يُدفنون أحياء بسبب العشوائية والتعجيل. سأظل أفكر في هذا الهاجس حتي الآن، أتخيل آلاف السيناريوهات: هل أفاق من موته ليجد نفسه وحيداً مختنقاً بالأسمنت والطين فمات مرة أخري؟ هل قام من القبر ليكوّن أسرة جديدة؟ هل فتح باب الموتى ليحاكي آليس في بلاد العجائب (النسخة الجنائزية)؟
تخبرني إحدى النساء اللاتي تعودتُ أن أراهن في القبر وكأنهن متعهدات الموتى: المبطون يحسب عند الله شهيداً. أمتعض من كلامها وأدير وجهي: “يافرحتي!” بينما تغمغم هي وأخريات: لماذا ألبس ثياباً ملونة؟
بعد هذا المشهد، ولمدة ثلاث سنوات، سيصيبني مس فأرى خيالات أبي في الشوارع والموالد. ولاعتقادي الفعلي بأنه سيعود تلتوي عنقي عندما أرى سيارة فيات سماوي، أو رجلاً يرتدي جلباباً ريفياً وينطقسجرةبحرف السين.

استمر في القراءة

كارول صنصور: يعلن الكاهن دفن المسيح

ARGENTINA. Buenos Aires. 2001. The Madonna.

Alessandra Sanguinetti, from “The Adventures of Guille and Belinda and The Enigmatic Meaning of Their Dreams”, Buenos Aires, 2001. Source: magnumphotos.com

كنت طلبت من صديقتي المؤمنة اصطحابي إلى قداس دفن المسيح. لم أدخل الكنيسة لحضور قداس إرادياً منذ زمن بعيد. أصعد جنبها في سيارة “الأنروا” التي أسميها الدبابة لكبر حجمها. تقودنا مسرعة إلى حضرة الرب.
كأن الوقت تسمّر. وجوه العجائز نفسها تبحلق في الداخل والخارج، تعطي إشارة القبول أو الرفض. نجلس في مقاعدنا وتبدأ راهبة الوردية بصلوات ما قبل القداس ليكف الناس عن الثرثرة. كما قبل ثلاثين عاماً، أخاف الراهبات، “راهبات الوردية” خاصة. فأنت لا تعلم متى ستفقد واحدة منهن عقلها لتصفع أحدهم كفاً بلا إحم ولا دستور.

استمر في القراءة

No more posts.