كريم محسن: الظل

uAtigSJ94HN_

Richard Hambleton, Untitled (Standing Shadow), 2005. Source: milled.com/artnet

-١-
مؤخرًا أفضّل التبول واقفاً.
دخلت الحمام مسرعًا، بعد ساعة من حصر البول والسيطرة عليه بنجاح، وقدرتي على تجاهل آلام المثانة، مُخدرًا بالكسل ودفء اللحاف، مُتسمرًا أمام شاشة اللابتوب أشاهد فيلمًا لفرنسوا تروفو.
بحثت عن الشبشب فلم أجده، دخلت حافيًا، قافزًا بخفة على أطراف أصابعي، تلسعني برودة السيراميك.
في آخر قفزة – التي وضعتني برشاقة راقص باليه محترف أمام المرحاض – تسربت قطرة من البول. اضطربت وبدأت سريعاً في إخراج عضوي قبل أن أبول على نفسي، وجهت البول المتدفق داخل قاعدة المرحاض، لكنه تناثر على حواف القاعدة وطال البلل ملابسي.

استمر في القراءة

أحمد ناجي: عبده السكندري وبورخيس السويسري

خبزت أمى الكيكة وزينتها بالكريمة البيضاء والفواكه. أخرجتها من الثلاجة وسارت وسط أنظار وحماس الجميع حتى وضعتها على طاولة الطعام، ثم بدأت في غرس شموع عيد الميلاد الصغيرة فيها. أوشكنا على إطفاء النور وإشعال الشموع، اللحظة المثيرة التي من أجلها تسارعت دقات قلبي، لأني أحصل حينها على اهتمام وحب الجميع، قطعها رنين جرس  لباب. ذهبت مُسرعاً لفتحه متوقعاً أحد أصدقائي، لكني وجدت رجلاً طويلاً ونحيلاً، بأنف أفطس، عيون واسعة كبيرة كما الثور، ذقن حالكة السواد، بلوفر كحلي متسخ وبجواره حقيبتي سفر.
أبصرت خالو لأول مرة في عيد ميلادي الثامن.
في وجهه حزن شديد، ألجمني عن الإتيان بأي صوت أو حركة. انحنى بجذعه نحوي وسألني بالفرنسية بصوت هامس “لابد أنك شارل إذن؟”
جاءت أمي لترى من على الباب وحينما لمحته قفزت إلى حضنه. بين الفرح والدموع قالت لي بالعربية “سلم على خالك عبده”.
أتى فجأة مثلما رحل فجأة.
استقر في بيت جدتي المجاور لنا في ذات الشارع. بيت قديم من ثلاثة أدوار. سكنه وحيداً لأن كل أخواته البنات يعشن مع أزواجهن، وأخاه يعيش في القاهرة منذ دراسته الجامعية. توقع الجميع أن يحمل هدايا من أوروبا في حقائبه، لكن لم تحتو إلا كتباً، وأوراقاً، وملفات بلغات مختلفة.
بعد أيام من مجيئه وصلت إلى الميناء شحنات أخرى من الكراتين والصناديق الخشبية، كل يومين كان يذهب بعربة ربع نقل إلى الميناء ويعود بها مُحملة، يرفض أن يُسَاعده أحد بل يظل طوال النهار يحمل بنفسه الصناديق من العربة إلى المنزل والعرق ينز منه، والإرهاق يستنفذ كل عضلة في جسده، ومع ذلك يستمر في الحمل وحيداً رافضاً أن يشاركه أحد في حمل صليب آثامه.
المزيد، والمزيد من الكتب، امتلأ بها المنزل.
لم يكن يخرج كثيراً، لكنه حرص على كسب ود الجميع، يحضر في التجمعات العائلية، يبتسم ولا يشارك في الأحاديث. يذهب أحياناً للكنيسة في الأعياد، لكن لا ألمح شفتيه تتحركان في الصلاة.

استمر في القراءة

هشام البستاني: تلك النقاط التي تشتعلُ وتخبو

Ottoman image of the building of the Hejaz Railway from the Turkish State Archives. Source: aliwaa.com.lb

أنتَ؟
أنتِ؟
هل.. أعرفكَ من قبل؟ كأنني.. شاهدتكَ في مكانٍ ما..
كأنني.. أعرفكِ. أعرفكِ. ربما لا. لا. لا أذكر فعلاً إن كنتُ رأيتكِ قبل اليوم. لكن يُخيّلُ لي أننا تحدّثنا والتقينا.

استمر في القراءة

ريونوسيكه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي

Leg_of_the_horse,_manuscript_by_Akutagawa_Ryunosuke,_1925_AD_-_Edo-Tokyo_Museum_-_Sumida,_Tokyo,_Japan_-_DSC06916

Manuscript of “Horse Legs”, a short story by Ryūnosuke Akutagawa, 1925. Source: Wikipedia

ريونوسكيه أكوتاغاوا عملاق الأدب الياباني وصاحب الـ «راشومون» أشهر قصة يابانية في العصر الحديث، التي أخذ المخرج الشهير أكيرا كوروساوا اسمها وجزءاً منها مع قصته الأخرى “في غابة” أو “في علم الغيب”، ليصنع منهما ذلك الفيلم الرائع “راشومون”، الذي حاز جائزة الأسد الذهبي لأحسن فيلم في مهرجان فينسيا السينمائي عام ١٩٥١، وجائزة الأوسكار التقديرية للعام نفسه كأول فيلم ياباني يفوز بهاتين الجائزتين. وُلد أكوتاغاوا عام ١٨٩٢، أي في العام الخامس والعشرين من عصر ميجي، أي بعد ربع قرن من بداية حركة التحديث والتنوير اليابانية، التي بدأت بإعادة الساموراي مقاليد السلطة والحكم إلى الإمبراطور. درس أكوتاغاوا الأدب الإنجليزي بجامعة طوكيو الإمبراطورية، وبدأ في الكتابة والنشر وهو لا يزال طالباً بالجامعة. يقول عنه أحد أصدقائه، إنه كان يستطيع قراءة ألف صفحة يومياً. انتحر أكوتاغاوا في سن الخامسة والثلاثين، وهو في أوج مجده بتعاطي كمية كبيرة من الأقراص المنومة. بعد موته بثماني سنوات، أطلق صديق عمره الكاتب والناشر “كان كيكوتشي” جائزة أدبية باسمه، لتصبح أشهر جائزة أدبية في اليابان. هذا وقد ترك أكوتاغاوا ما يزيد على الثلاث مئة عملاً أغلبها قصص قصيرة. وتنقسم حياته الفنية القصيرة إلى مرحلتين مرحلة استلهام التراب الياباني القديم وإعادة تقديمه في شكل أدبي حديث مثل قصتيه راشومون وفي غابة سابقتي الذكر، وفي المرحلة الأخيرة من حياته الأدبية كان يستلهم من سيرته الذاتية مثل أعمال التروس وحياة أحد الحمقى وحوار في الظلام وغيرها. وتعتبر أعماله قمة الأعمال الأدبية اليابانية التي كُتبت في بدايات القرن العشرين والتي لا يزال لها بريقها ورونقها حتى الآن.

استمر في القراءة

*2*тнє тяιвє //العشيرة//إسلام حنيش

إسلام حنيش


**Since 2011 тнє ѕυℓтαη’ѕ ѕєαℓ has brought together writers, translators, artists/photographers and others who now belong in a new kind of tribe. In this series they speak of themselves from where they are geographically and psychologically, so that visitors can meet them face to face // منذ ٢٠١١ وقد جمع ختم السلطان مؤلفين، كتابا كانوا أو مترجمين أو مصورين أو سوى ذلك، باتوا عشيرة من نوع جديد. في هذه السلسلة يتكلمون عن أنفسهم من حيث هم جغرافيا وسايكولوجيا، ليتعرف رواد المدونة عليهم وجها لوجه //

أحمد الفخراني: التلميذ الأخير

Mansoura, early 20th-century postcards. Source: delcampe.net

-١-
طيلة الطريق من القاهرة إلى المنصورة، كنت أردد لنفسي: لم يكن علي المجيء. أتبع شعورا غامضا بالذنب، أو ربما – وهو ما حاولت إنكاره – أسعى لتحقيق نزوة قديمة: أن يعترف الأديب العجوز، وأستاذي اللئيم فرج الكفراوي بنجاحي، وهو الذي عدّني دوما أقل تلاميذه موهبة.
قبل خمسة عشر عاما، لم أكن أتمنى سوى أن أصبح مثله. الآن، أفعل كل ما بوسعي كي أتجنب مصيره.

استمر في القراءة

دينا ربيع: ليلتان ونهار واحد

Ahmed Gaber, from “We, the Living Dead”. Source: arabdocphotography.org

ألهبت سياط الشمس وركي وقرحته المناخس، كان لزاما أن أصل إلى آخر الشارع المرصوف بالعرق وصدأ الحديد، قطعت نصفه ثم عنّ لي أن أتأكد من صواب وجهتي من جندي وراء مصفحة؛ لأنني لا أحب أن أمضي نصف يومي دعسا في الصدأ ونصفه الآخر في علاج أنفي من أثر الريح المنتنة سدى، ولأن المصفحة كانت أكبر من مثيلاتها في شوارع البلد وأكثر زرقة. في صحراء الحديد هذه أحب البحر.

استمر في القراءة

No more posts.