ياسر عبد اللطيف: ٢٠٠٥ أجرة القاهرة / خ. ز. ي

James Hooper (Taxi Meter Man). Source: hiveminer.com

عدتُ وحدي في التاكسي نفسه الذي ذهبنا فيه جماعةً، سيارة قديمة متهالكة قذرةٌ من الداخل، من النمط القديم لأجرة القاهرة بالأبيض والأسود، طراز فيات ١٢٥ المُصَنّع في بولندا الاشتراكية، تسكنها رائحة دخان العادم المتسرِّب من مكان ما في هيكلها. السائق كان على نفس الدرجة من التداعي، وإن بدا مغتبطًا راضيًا، بلحيةٍ شيباء تبلغ من العمر أربعة أيام، وملابس لم يغيرّها ربما من نفس التاريخ. 
في رحلة العودة ضاعت بوصلتي الذهنية، حين خرج السائق عن المسار المتوقع، ثم استعدت حسّي بالاتجاهات ثانيةً بعد أن مرقنا من نفق شارع مصر والسودان، فهذا هو شارع رمسيس، ونحن منطلقان في اتجاه العباسية، ثم هذا هو شارع الجيش وسينتهي بنا إلى ميدان العتبة. أعرف جيدًا أن هذه الشوارع الرئيسية معبّدة بأسفلت لا بأس بنعومته، وتلك الرجرجة العنيفة لا علاقة لها بحال الطريق، وإنما حتمًا ناجمة عن تضعضع آليات امتصاص الصدمات في بنية العربة التي تعود لسبعينات القرن الماضي. 
قبل أن نخرج من ذاك النفق. انحرف السائق يمينًا نحو منطقة “دير الملاك”، وأنا لا أعرف تلك الجهة نهائيا. فوق ذلك، كان الشارع الذي دخلنا فيه خاليًا من أعمدة الإنارة مُعتمدًا على قمر شحيح الضوء جعل البنايات على الجانبين في تلك الساعات الهادئة كُتلاً متقاربة بالكاد تظهر لها ملامح عيون نوافذ وشرفات أفواه أشباح تبتسم عن أسنان من قطع الغسيل على أحبال غير مرئية. قال السائق إن البنزين كاد أن ينفد ولا بد وأن يملأ خزّان الوقود، وهو يعرف طلمبة بنزين تقف وحدها دون محطة خلف مبنى حكومي قريب. الطُلمبة مخصّصة لسيارات وحافلات تلك المؤسسة، وهو طالما ملأ سيارته منها مجانًا. فالموظفون لا يغلقونها، وما من حارس ليلي يسهر على حمايتها. 

استمر في القراءة

كتاب أخير: فصل من رواية أحمد زغلول الشيطي الجديدة

Alex Webb, Cairo (City of the Dead), 1980. Source: magnumphotos.com

وصل في الثامنة صباحًا إلى المدينة، عَبْر طريق شطا/ميدان الشهابية، تكاثرت المعارض والمخازن والعمارات على جانبي الطريق، كأنه كان يسير داخل ديكور ثقيل من مواد غير قابلة للتفكيك وإعادة التركيب، مواد نهائية. طرز تعكس الأموال المدفوعة فيها، واجهات فارهة، هذه هي المدينة التي لم يكن والدك فيها غير “بائع” يبيع منسوجات المحلة الكبرى، فوطة، سليب، منديل، فانلات داخلية، قمصان حريمي، جوارب قطنية، بالإضافة إلى زجاجات العطر صغيرة الحجم، أصلية المصدر، باقية الشذى. لم يكن لديه محل يدير تجارته منه، فقط يعتمد على شبكة معارف واسعة، يمر عليها من وقت لآخر حاملًا البضائع التي سبق طلبها منه، وعارضًا أخرى جديدة…

استمر في القراءة

No more posts.