طارق الجارد: لا أحد يستدل على الطريق في شينجوكو

M. C. Escher, “Relativity”, 1953. Source: .justcolor.net

الحياة، إن كان ثمة بداية فعلية لحياة المدينة، لا تبدأ في طوكيو قبل العاشرة. إلا أن الناس تستيقظ باكرا لتسعى في المدينة. وهو ما يعني أن لدي فسحة من صباح أصرفها في شرب القهوة والقراءة، قبل أن أبدأ جدولي السياحي في طوكيو.
كالمتردد، قضيت الثلاث صباحات الأولى على الطرف القصي من محطة ميترو وقطارات “شينجوكو” في طوكيو، وبالأحرى في مقهى “القنينة الزرقاء”.
اليوم الرابع كان فارغا، والحقيقة أن ذلك لم يكن مجرد خيار مسبق فحسب، بل ضرورة. فالأفكار التي تراودني عن “الصياد غراخوس” لكافكا، كانت تسعى في عقلي، حتى لم تعد هناك شهية في ذلك الصباح لسعي آخر. غراخوس، الصياد الذي مات، ما زال يهيم في سفينة الموت داخل تابوته في بحارنا، وسفينته تنزل أحيانا على موانئ المدن ليلا، وتغادرها صباحا. وفي تلك الليالي النادرة، تتسنى له لحظات من الحياة يخرج فيها من التابوت، لكنه لا يستطيع إلا أن يعود له، حينما يصيح بوق الباخرة قبل الفجر. لا يعلم لماذا لا يموت مطلقا، ولماذا لا يعيش مطلقا، وأنا أيضا لا أعلم. لكنني أود جدا لو أعلم، إن كان تراخوس قد مر بميناء طوكيو البارحة ولم ألتقه. و إلا ماذا كان بوق الباخرة الذي أيقظني فجرا؟

استمر في القراءة

مهاب نصر: نحن لا نُغلَب في ملعب الحب.. لأننا نسرع بالفرار

Walid Ebeid, “Parting Carols”, 2018. Source: artsy.net

هذا ما قررته إذن.. بسبب العمل المنهك فقط، لا سبب آخر.
لا أشكو، أصارحكِ، على العكس، إن الجهد المضني بلا طائل يجعلني متيقظا دائما، كذبابة يطير وراءها أحدهم بمذبة. حين أغادر إلى البيت لا أكون راغبا في قضاء بقية الوقت نائما، هكذا أستثمر في الأحلام. عادة قديمة. الأحلام تجلعني يقظا أثناء النوم. لا تناقض أبدا. المذبة هنا أيضا. وكلما ظنوني ميتا، سُمع الطنين نفسه، فوق أنف أحدهم أو عند جبهته. غير مؤذ كالعادة. لم أكتب إليك من أجل هذا، بل لأنني تساءلت أيمكن أن يُصنع شيء حقيقي من حلم؟.. فكرة مثلا.. حياة حقيقية؟ أتخيفك الأحلام، هل تفقدك توازنك في النهار، هل تطن فوق أنفك كذبابة؟ أهي قادرة على إيذائك؟
كتبت هذا إليك لأنها أصبحت طريقتي للتحقق من أفكار معينة. بعض الفقرات كانت تضحكني حتى قبل أن أبدأ. لا يحدث هذا مع الكتابة فقط. بل الأحلام أيضا، أعني تذكري للأحلام التي أحكيها لنفسي.

استمر في القراءة

واحد ناقص واحد: قصة كولم تويبين ترجمة محمد هاني

Colm Tóibín by Phoebe Ling. Source: colmtoibin.com

يطلّ القمر من قرب على تكساس. القمر هو أمي. هي مكتملةٌ الليلة، وأكثر سطوعًا من أسطع مصباح نيون؛ هناك تعاريج من الأحمر في لونها العنبري المنبسط. ربما كانت قمر حصاد، قمر كومانتش، لا أعلم. لم أر أبدا قُمْرة بهذا القرب، وحريصة لهذه الدرجة على بريقها العميق. الليلة، ستكون أمي قد توفيت منذ ست سنوات، وأيرلندا على بعد ست ساعات وأنت نائم.
أسير. لا أحد يسير سواي. من الصعب عبور شارع جودالوب؛ تمرق السيارات مسرعة. في متجر الجُملة للسلع الغذائية كلنا مرحب بنا، تسألني الفتاة عند المخرج إن كنت أود الحصول على عضوية المتجر. لو دفعت سبعين دولاراً، عضويتي لن تنقضي كما تقول، وسأحصل على سبعة في المئة خصم على كل المشتريات.
ست سنوات. ست ساعات. سبعون دولاراً. سبعة في المئة. أقول لها إني هنا لبضعة أشهر فقط، تبتسم وتقول مرحبا بك. أبتسم بالمقابل. مازلت أستطيع أن أبتسم. لو اتصلت بك الآن، ستكون الثانية والنصف صباحا؛ على الأرجح ستكون مستيقظا. 

استمر في القراءة

No more posts.