مهاب نصر: المرآة والمهرج

W. Eugene Smith, Charlie Chaplin in Makeup, 1952. Source: christies.com

(١)
في الستينات والسبعينات عندما كنا نسأل الناس عن أية أهداف كانوا يتبعونها، كانوا يجيبون بطريقة متواطئة وواضحة جدا في مجالات الحياة العائلية السعيدة، كما كانوا يعرضون مشاريعهم للتوصل إلى الملكية الفردية، إلى شراء سيارة جديدة () نتكلم اليوم لغة مختلفة جدا حيث توجد مسألة تحقيق الذات، البحث عن الهوية، أو يتعلق الأمر بتطوير القدرات الشخصية ولكن غالبا بطريقة مبهمة () النتيجة هي أن الناس يغرقون أكثر فأكثر في متاهة الشك الشخصي وفي إرجاعه إلى أسباب شخصية، ولا يتوقفون عن الحاجة للتأكد من ذواتهم والنكوص اللامحدود من سؤال إلى آخر: هل أنا سعيد فعلا؟ هل حقا كونت نفسي؟ من هو بالضبط الذي يقول أنا ويطرح الأسئلة؟ أولريش بك، مجتمع المخاطرة

في ثمانينيات القرن الماضي كنت أعمل مدرسا في إحدى المدارس التابعة لوزارة التربية والتعليم في مصر. كنت أنا من يفرض الشروط على جهة التعيين: مدرسة قريبة من البيت (كان بإمكاني الوصول إليها في ربع ساعة سيرا على الأقدام)، اختيار الفترة (حيث كانت المدرسة تعمل لفترتين صباحية ومسائية)… ولأنني كنت كارها للوظيفة لم أتقيد أبدا بكثير من بروتوكولاتها”: لا أحضر الطابور، لا أحمل كراس تحضير، وأتحدى الموجهين المشرفين بأنني قادر على الشرح دون الرجوع إلى هذا الدفتر العجيب. أتغيب كثيرا، حتى إنني حينما تركت العمل كان لدي ملف مخالفات معتبر. كان سلوكي بصفة عامة متمردا، ولكنه مع ذلك كان يجد له مكانا داخل المؤسسة حتى على مستوى التقييم الإنساني.

استمر في القراءة

خالد الشوري: الجرذ

Lucian Freud, Rat Man (Portrait Of Raymond), 1978. Source: widewalls.ch

إنّ الجُرْذان عندما تتنقّل من محلٍّ لمحل ومن بيتٍ لبيت، لا تخرج بوقار من باب ثم تسير بتأنٍّ وتَنْدَلِفُ إلى بابٍ آخر كأنّ الأمر بتلك البساطة. وإنما تَنْدسُّ في الجحور وتَجُوب الأنفاقِ مستترةً عن الأنظار، ثم تَخرج من شق وتَلِجُ إلى شق آخر. وعلى تلك الحال تقضي حياتها متنقلةً بين الأماكن. تمامًا مثلي، غير أن الجحور لا تسع جسدي، فأسير متواريًا عن الأنظار، في الشوارع الضيقة التي تتخلل الحارات الجانبية على دفتي الطرق الرئيسية.
والجرذان لا تخرج من جحورها إلى العالم المكشوف إلا في أضيق الحالات، وأكثرها حرجًا. فهي جبانة، ضعيفة، خروجها لا يعني إلا موتها. أنا شخص لا أختلف عن الجرذان في شيء غير أنني أتوارى خلف سحنة إنسان، لكنني في الحقيقة لست سوى جرذٍ انزوى على نفسه داخل جحره، وحيدًا.

استمر في القراءة

فرات الحطاب: حيطان الرديّف للبيع

أول مرة سمعت عن الرْدَيِّف كانت في شهوري الأولى في تونس، من صديق ينظّم ملتقى أفلام وثائقية هناك. لم أعرف لماذا اختاروا ذلك المكان البعيد. ثم بدأت أسمع قصصًا عن أول ثورة ضد حكم بن علي في ٢٠٠٨. ثورة الحوض المنجمي. نعم، حتى أنا لم أكن أعرف أن ثورة قامت قبل ٢٠١٠. ثورة ومظاهرات وشهداء ومطالب محقة، ونحن لم نعلم عنها شيئًا.
الرديّف واحدة من أكثر المناطق المهمشة في تونس. وهي ثالث أكبر منجم فوسفات في البلاد. ولاية قفصة المهملة أيضًا والتي تتبعها الرديّف تمول من خلال مناجمها ٣٠٪ من الاقتصاد التونسي ولكن لا ينوبها من كل هذا إلا الفتات. البعض يتهم القفصيّة بالجهوية والمناطقية لأنهم يطالبون بجزء من مردود الفوسفات لترميم المنطقة. لكن ما علينا.
ذهبت من أسابيع لأحضر ملتقى الأفلام وأكتشف.
صديقة جميلة أرسلت لي رسالة: أنا من الرديّف ولكنني في باريس الآن. سأرسل رقمك لأهلي، اذهبي عندهم.
بعد دقائق كتبت لي: عرس بنت خالتي سيكون هذا الويكند أيضًا.
وبما أنني  مدمنة أعراس (وما بلقى عزيمة)، كان هذا سببًا إضافًيا للزيارة.

.

استمر في القراءة

محمود المنيراوي: المجزرة السعيدة

5_sanysidro

Alex Webb, from “The Suffering of Light” (Aperture and Magnum Photos, 2011). Source: americanphotomag.com

أيها الكاذبون اتحدوا
واقتلوا كل الصادقين
اولاً اقتلعوا ألسنتهم كما تقتلع شتلة
يزعجكم شكلها
يغضبكم وجودها
وقطّعوهم وارموهم لكلاب الشوارع
دعوا أطفالكم يرون أشلاءهم في كل مكان
يفوحُ منها العفن
ويغطّيها الذباب
علّموا أولادكم عقوبة الصادق
حتى يجتازوا أشلاء الصادقين
وعيونهم المتناثرة على الطريق
كأنما يجتازون زهرة
واعلنوا يوم المجزرة عيداً
يحتفلُ به نسلكم كل عام
يعلّقون ألسنة خشبية على أبواب بيوتهم/بيوتكم
كما فعلتم بالصادقين يوم المجزرة
No more posts.