خالد الشورى: البقرة

Lincoln Red Cow by William Albert Clark (1880–1963). Source: artuk.org

معروفٌ عن سعيد زوج فردوس أنه ثورٌ غشيمٌ بحق. من فحولته كان حيل زوجته ينهدُّ قبله بسرعة، ويخرُّ جسدها هامدًا تحته بعد أن يدعكه دعكًا، فيتركها ويخرج في عزّ الليل إلى الحظيرة ليكمل دعكه في النعجات والأبقار. كذا مرة كانت فردوس تستيقظ في الصباح وتفجع بجثمانٍ ميت لنعجة صغيرة لم تحتمل فحولة زوجها الجامحة.
حين سمع أول مرةٍ عن إتيان سعيدٍ للبهائم من أحد أصحابه، وأكد الحكاية أصحابٌ آخرون تجمعهم بسعيد صلةٌ ما، سواء من قريب أو من بعيد، بدت له حكايةً منفرةً ومثيرةً للقرف، يشعر مع سماعها بحموضةٍ حارقةٍ تتصاعد من معدته إلى فمه. ولكن مع تكرر السيرة، وبعد أن وجد فِعلة سعيد مألوفةً بالنسبة للكثير من أهل القرية فقد تكررت لاحقًا على مسامعه حكاياتٌ أخرى مشابهةٌ صار لا يستغرب فعلته، بل ويفاتح بالحديث عنها من يعرف عنهم فحش اللسان.

استمر في القراءة

مينا ناجي: نَذوب مثل لحظةٍ في تَاريخ الزَمَن

Roy Andersson, Train Station, 2019. Source: artsy.net

وأنا ذاهب إلى المحطة، رجَّحتُ أنها تسير خلفي. لم أرد أن أنظر، نزلتُ وقطعتُ التذكرة، لم يصبني التوتر بعد. وأنا واقف، رأيتها من بعيد بالفعل. بُعد المسافة جعل الموقف كأنه مشهد من فيلم رومانسي. بدَتْ من بعيد كامرأة مَشْغولة. فكرتُ أن أذهب إليها لكن تصورتُ قلقها من أن تظن أنني أتتبعها. هذا طريق رجوعي، لكن ظنها لن يكون خطًأ. أصابني التوتر كما توقعت، تراكم سنوات لم أركب فيها المترو. فكرتُ أن أصعد مرّة أخرى، كانت مُنهمكة في هاتفها، لكن المترو جاء سريعًا. يقترب الموقف من مشهد فيلم رُعب. لم أفكر في حقيقة أنها تركب بعد عدّة عربات، فكرتُ فقط أني لا أصلح لشيء. لكن سرعان ما أخرستُ نفسي. قلتُ ربما سأراها حين أخرج المحطة التالية، وتدربتُ سريعًا في ذهني على كيفيّة تمثيل المفاجأة، والجملة الذكية التي يمكن أن أقولها فتضحك. خرجتُ ولم أرها، وقفتُ أنتظر المواصلة الأخرى في الشارع، تشجّعتُ وأرسلتُ إليها عبارات غزل. كنتُ غاضبًا، وأتذكر أمي. لا أعرف لماذا أتذكر أمي في المواصلات، حتى أني كنتُ أبكي في البداية. متحابان صغيران يجلسان أمامي في المينيباص. لفت نظري أني أبدو لهما كرجل كبير الآن. تخيلتها مكان الفتاة وأنا مكان الفتى. فشلتُ في تخيل سيناريو لطيف. رجعتُ البيت وغيَّرتُ سريعًا، ردّت على مغازلتي بابتسامة خجلى. اشتريتُ بعض الأشياء وأخذتُ مواصلة لأصدقائي. أسقطوا لي المفاتيح وحين لم يفتح واحد منهم اتصلتُ وصببتُ غضبي عليهم. تفاجئوا من غضبي غير المبرَّر وغير المعتاد. قالوا لي إنه باب العمارة المجاور. فكرتُ جديًا إن لم يفتح فسأعود أدراجي، لكنه فتح فصعدتُ. قضيتُ ليلة شواء وموسيقى وشرب ورقص وضحك. قلت لهم إنها إحدى لحظات حياتي الجميلة. صمتوا ولم يعلِّقوا. كنتُ قد عاهدتُ نفسي أن أقول ذلك بوضوح، فذلك ينفعني في الليالي السوداء. سألني صديقي إن كنتُ قد حسمتُ أمري في تركي العمل. قلتُ إن الأمر رغم خوفي منه منذ شهور تقرّر اليوم ببساطة وأنا أعبر الشارع. أثق في حدسي. مع ذلك، سألتهم في نهاية السهرة كخائب في الموضوع الذي يشغلني من بدايتها. أغلب الآراء كانت ألا أرسل شيئًا وأنتظر.

أحمد كامل: أجمل حذاء في العالم

Vincent Van Gogh, “Shoes”, 1886. Source: gallery30.ru

لا أذكر من يومي الأول في ورشة الأسطى خليل، سوى سؤالي له: “ما هو أجمل حذاء فصّلته يا أسطى؟” لا أعرف لماذا انزلق مني سؤال كهذا؛ ربما بسبب رؤيتي طيلة اليوم لتشكيلات محدودة تتسم نوعاً ما بالقبح، من جلود الفُندي (وجه الحذاء) التي يطبِّعها الصنايعية بمسامير فوق القوالب الخشبية، قبل التعريش واللصق على النعال باستخدام الكُلّة الحمراء.
كنا في آخر الليل، الصنايعية غادروا، والشارع قبالنا مظلم بلا قدم، والرائحة الصافية لجلود الحيوانات تضرب أنفي بعد زوال غبار النهار وعرقه، فيما أتنقل مقرفصاً فوق بلاطات منقورة باهتة؛ مهزومة بفعل الزمن والأحذية، أفرز مخلفات اليوم، أنتقي ما يصلح لإعادة استخدامه، وأكوّم التالف في جوال من خيش.
كان الأسطى جالساً على كرسي خشبي، عند عتبة الدكان، تحت كلوب يشع بضوء خفيف أصفر، يتزاحم حوله ناموس وعثث، يرتشف من كوب شاي تتصاعد أبخرته، يستقر بين أصابعه المعبَّأة بالصبغة وبكدمات سوداء في أظافره الشائهة، التي تعدني بمستقبل مماثل حال الترقي في الصنعة.

استمر في القراءة

كريم محسن: حلم كبير

Richard Hableton, from “Shadowmen”. Source: acagalleries.com

للغرفة مخرَجان، مخرج آمن: الشباك. ومخرج خطر: الباب.
كيف سأواجه من يجلسون في الصالة بحقيقة أنه لم يعد لدي حلم كبير؟
صباح اليوم، بعد وجبة إفطار تجمع بين بيضة مسلوقة، طبق جبن أبيض بالطماطم، رغيف عيش بلدي محروق نصفه، شعرت أن حلمي الكبير هو ضرطة كريهة الرائحة.
ضرطة كنت أطلقها لسنوات في وجه العالم.

استمر في القراءة

مها الأسود: التاريخ غير موضوعي

Jock Sturges, Christina, Misty Dawn & Alisa, 1989. Source: mutualart.com

في السادسة
لعبتُ كثيراً في بيت صديقتي ذات الخمس سنوات
على أرضية ترابية أسفل سرير نحاسي
كانت تفضل الغميضة، وكنت أفضل الاكتشاف.

استمر في القراءة

في العامية يقال ‘مْبَحّرْ’ بدل ‘تائه’، ربما اشتقت من بحر | صلاح باديس

ضجر البواخر

الفشل هو زيارة المنطقة السوداء داخل رأسك، أين رميت كل ما هو منبوذ ومستبعد حدوثه، الأشياء المشوهة والمؤلمة والتي لم تفكر يوما في مواجهتها.
الفشل أن تكتب هذا (عشرون عاما – وحدة مبكرة تؤنسها كتب وعلب سجائر متزايدة – روح في مركب أشخاص رحلوا – مؤخرات مدورة – عمل مؤقت لحلم مؤجل وأوهام كثيرة لتقبل الحياة) قبل حدوثه بعام،
تكتشف أن سقف خيالك سقوط مؤجل ولاشيء غير ذلك.

استمر في القراءة

محمد ربيع: أحمال

odalisque-by-hassan-hajjaj

Hassan Hajjaj, “Odalisque”. Source: offmag.blogspot.co.ke

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

استمر في القراءة

No more posts.