حمزة بالقاضي: يضيق بنا

Djerba. A mural by Belgian artist ROA decorates an abandoned wall. Photograph: Joel Saget/AFP/Getty Images. Source: theguardian.com

Djerba. A mural by Belgian artist ROA decorates an abandoned wall. Photograph: Joel Saget/AFP/Getty Images. Source: theguardian.com

يضيق بنا على أرصفةِ الشّوارع. في أضواءِ
الملاهي، في الأزقّةِ وأمام أبوابِ الحانات، يضيق
بنا في أعينِ المرضى ويزداد ضيقاً في الأَصِحَّاء

استمر في القراءة

سؤال الأدب والسياسة

David Mabb, Announcer, painting 2, 2014. Source: guardian-series.co.uk

David Mabb, Announcer, painting 2, 2014. Source: guardian-series.co.uk

ذات مرة نصحني أحد القراء أن أنحرف بمركبتي بعيداً عن طريق السياسة. قال إنه يحترم كتابتي الأدبية وإن الرأي السياسي الذي أكتبه يهدد هذا الاحترام، أو شيئاً من هذا القبيل. كان الإيحاء أنني من الشخصيات التي ضلت الطريق، وبما أن الأمل في تصويب وجهتي ضعيف فالأفضل أن أصمت وأركز فيما أعرفه.
أتذكر لأن هذا الكلام أزعجني كما تزعجني كل ردود الفعل السلبية. لكنني أتذكر بالأكثر لأنني سألت نفسي يومها: هل يمكن أن يكون الأدب مقطوع الصلة بالسياسة؟ وبدا لي أن هناك جواباً من اثنين: إما أن كتابتي الأدبية فعلاً خالية تماماً من أي موقف سياسي، أو أن القارئ الذي يحترمها لا يقرأ فيها سياسة كالتي يقرأها في مقال الرأي.
فيما بعد، لفت نظري أن أحد الكتاب يبرر حصوله على جائزة من جهة تتعارض توجهاتها مع مبادئه المعلنة بأن السياسة شيء والثقافة شيء آخر… وكان هذا يحدث بعد أربع سنين كاملة من الفرجة على المثقفين وهم يقحمون أنفسهم على رقصة التحول التاريخي ليستعرضوا أو يستفيدوا فيبدو أنهم يقودون مركبات الأمة على طريق التضحية والضمير، بينما هم في الحقيقة لا واضحون في أخلاقهم ولا معنيون بغير أوضاعهم الشخصية. والأهم قدرتهم – حتى والقيامة تقوم – على ألا يغامروا برأي يهدد احترام أحد لكتابتهم الأدبية.

استمر في القراءة

معن أبو طالب: رجل حذر

Benjamin Lowy. From

Benjamin Lowy. From “Run Hard: The NYC Marathon for Sports Illustrated”, source: benlowy.com

‘الهريبة ثُلثين المراجل’
مثل شعبي
.
لم يترك لي أبي رحمه الله من متاع الدنيا سوى الحذر. وهو بهذا قد ترك لي ثروة لا تفنى ولا تتبدد ولا يأتي عليها ظرف ولا امرأة ولا خمر.
بدأ تاريخ عائلتنا الحكيم في اتخاذ الحذر منهجاً في الأشهر التي سبقت النكبة، عندما رفض جدي عاصم رحمه الله الانضمام إلى باقي رجال القرية في مقاومة الصهاينة. كنت أسمع من جدتي أنه كان متقلباً في قراره هذا وأن ضميره قضّ مضجعه ليال كثيرة. كما أنه عانى الأمرّين كل يوم في القرية عندما كان الناس يُسمعونه كلاماً بخصوص امتناعه عن المشاركة. فكانوا يقولون “ما سمّعتنا صوتها للمحروسة يا أبو أمين” مشيرين إلى بندقيته التي كان يعلّقها في الدكان ولم يستخدمها قط. وأحياناً أخرى “وإنا إليه راجعون، ولا إنت شايف غير هيك يا أبو أمين”؟ ولكنه تحمّل وثبت، وأنا أميل للاعتقاد أنه لم يعان من قراره كما وصفت جدتي، بل أنه كان واثقاً وغير مكترث، وأن صمته وتجنبه لأهل القرية في تلك الأيام لم يكن إلا من سنة الحذر نفسها والتزامه بها.
بانت حكمة جدي ونفاذ بصيرته عندما دخل الصهاينة على القرية ذات يوم وجمعوا جميع رجالها. تقول جدتي إن جدي كان بينهم، وإنهم أخذوهم جميعاً إلى أحد قصور العوائل الكبيرة المدَمّرة ووضعوهم في ساحة القصر معصوبي الأعين، مكبلين، ومقابلين سوراً في صفين متوازيين. عندما حان وقت أن يرفع المجندين رشاشاتهم، وأعطاهم القائد الإسرائيلي أمر الاستعداد لإطلاق النار، قال أحد الضباط “مين … فيكُن … آسيم أويس؟” صاح جدي بأنه هو، وتقدم منه جندي وفكّ عصبته ووثاقه، ثم ركله على مؤخرته. تقول جدتي إن جدّي “حمل كل شبشب بإيد، وركد متل الطلأ. حتى صوت الرشاشات ما لحّؤه”.

استمر في القراءة

رسالة صيف، ٢٠١٥

EGYPT. Cairo. January 29, 2013. Protestors during clashes with Egyptian police along the Corniche in central Cairo. By Moises Saman, 2013. Source: magnumphotos.com

Moises Saman. Protestors during clashes with Egyptian police along the Corniche in central Cairo, 2013. Source: magnumphotos.com

أن تحل ذكرى ميلادي في الأسبوع نفسه الذي يبلغ فيه ملحق النهار عيده الخمسين ربما أكثر من مصادفة. (أنا أحذرك من الآن يا قارئي، يا صديقي: ستكون رسالتي هذه القصيرة جداً، المدفوعة بقيظ القاهرة شخصية.) ثمة من يذهب إلى أنّ كل صدفة عنوان، إذا ما قصدتَه وصلتَ إلى بيت أو وطن. والحزن الذي يعصرني الآن على عنف ألاقيه متشرداً في الفضاء الافتراضي لا رباط بينه وبين مطبوعة نشأتْ قبل مولدي بأحد عشر عاماً. للأماني خزينة أضيف إليها. صحيح أنه، رغم إحساسي الأعمق بالانتماء إلى الملحق، لا يمكنني ادعاء الصلة بتاريخه أو فهم مكانه من النزاعات. لكن ليس مع الحزن يوم ميلادي إلا الحدس باقترابه من أحزان القائمين على خزينة الأماني. (ألم أقل لك إنها رسالة شخصية؟) ثمة مشكلات تترتب على الولع باللغة والحيد عن قطعان الولاء، النظر إلى الدنيا بعين السؤال. وأنا حيثما استرحت في مدينة أصغر وأوسع من الإسكندرية، وجدت من يشاركني هذه المشكلات. بيروت سحرتني وأفزعتني قبل عشرة أعوام مع أولى بشائر الربيع العربي، واليوم أظنني أكرهها كقطعة حلوة مُرّة مني إثر انفجار الربيع ذاته قنبلةً بدائية الصنع كما تسميها الصحافة المصرية. لا تقتل إلا أبرياء. زهرة في حجم الدنيا والدنيا تحترق. لكن الملحق لدي، وما بقي من ذكريات الأمل والخوف. الأجدى غيابهما. أجلس وسط الرماد أستحضر فرحة الكتابة وخبل الغرام. أتأمل عمري. وأتذكر مقولة روبرتو بولانيو قبل أن يموت في الخمسين: الكتابة بديل عن الانتظار. في أعداد سابقة للملحق ثمة سجل للانتظارات التي هزمناها. وثمة أفراح مؤجلة أيضاً رغم كل شيء. أنا وأنت يا قارئي، على الأقل مازلنا هنا. والأيام التي ألقتنا على قارعة التاريخ نتسول قوتنا ونفرح بالفتات أو نبصق عليه… مازالت تخضّ جسدينا. غداً أو بعد غد – ربما في أمانينا فقط – تتحقق المعجزة ولا نعود نقعي في ظل الحواجز بلا مسدسات. ربما ليس سوى أمانينا فعلاً، إلا أننا ندخر زهداً يا صديقي. وبينما الكذبات تتكالب على الكاذبين وهم عليها – بينما الانفجارات تذكرنا بخيبة أمل الإنسانية سواء أفي القاهرة أو في بيروت، في عرض المتوسط وعلى شواطئ لازوردية سيغرقون بامتدادها وهم بعدُ فقراء – أنا أكتب لك.

logo

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg
.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)
عيش
جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.
النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

استمر في القراءة

نصائح المرحلة + ملاحظتان

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

استمر في القراءة

فيكتور بيليفن في مجلة العربي

لنعوِ الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميلْ…
wpid-the-sacred-book-of-the-werewolf-2012-12-17-03-29.png
ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.
فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!
*
ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.

استمر في القراءة

No more posts.