طارق الجارد: مباريات شطرنج خالدة ولكن بائدة

Two 12th-century chess pieces from Nishapur. Source: sothebys.com

مدخل

 

مضى على ظهور فكرة الشطرنج خمسة آلاف سنة. قليلة هي الأفكار التي تملك منطقا متماسكا لتصمد كل هذا العمر. أول حركة في اللعبة تحمل بداخلها عشرين احتمالا. أما أول حركتين في اللعبة فتحملان أربعمائة احتمالا، ثم تنفجر وتتشظى الاحتمالات لتتجاوز عدد النجوم في الكون. حينما تنظر إلى رقعة الشطرنج التي لا تتجاوز الذراع في حجمها أول مرة، لا يمكن لك أن تتخيل أن أربعة وستين مربعا مرقطا قادرة على استيعاب احتمالات بضخامة تداعيات الانفجار الكوني الكبير، وتتسع لمواقع معقدة كمواقع النجوم بصفحة السماء. يمكن تخيل المنجز الإنساني عبر التاريخ كله، من معمار وفن وشعر وفلسفة  رياضيات، كمباريات شطرنج. بعضه متكرر ومطروق إلى حد الابتذال كالأعداد الطبيعية، وبعضه وارد ومحتمل ولكنه لم يقع، كالأعداد التخيلية. بعضه تافه وضحل وعديم المخيلة، غير لائق بالخلود. وبعضه عميق وإبداعي وخلاب، نقش نفسه في الكتب وفي المخيلة البشرية. أيضا: بعضه عميق وإبداعي وخلاب جدير بالخلود، ولكنه اندثر كحضارة بائدة ومغمورة مثل جزيرة أطلانتس.

استمر في القراءة

ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

NICARAGUA. 1981.

Susan Meiselas, Monimbo woman carrying her dead husband home to be buried in their backyard, Nicaragua, 1979. Source: magnumphotos.com

تعتيم
صباح سكندري آخر ينتهي بالعودة للقاهرة. لا شئ في هذه المدينة يشبه شيئاً آخر تعرفه. حين تزورها كسائح تاريخ تحمل رائحته في قلبك وتنظر للبحر من هذه الشرفة العتيقة. وتنتظر حتى تمتلئ الرئتان. قضيت ليلتي مع فيرجينيا وولف: ما هو أسوأ من رواية؛ تتبُّع سيرة حياة منذرة بالأسى، رومانسية وشائقة حين تقرأها في كتاب لكنها تطلق في أوصالك ارتعادة حين تكتشف حجم الشبه بينها وبين الواقع. واقعك. تنظر فيرجينيا معك إلى بحر الإسكندرية، يأخذك الهواء المالح لثلاثينيات القرن الماضي، بينما كانت تفكر في طريقة للموت هرباً من العالم، من غول الحرب ومن الجنون. تُرى ماذا يكون شعورها إن هي أسندت مثلي مرفقيها على هذا السور المنتمي للقرن الماضي وواجهت البحر بعين بينما العين الأخرى ترقب مسيرة صغيرة لمجموعة من الشبان الغاضبين على استيلاء أسوأ ترس في ماكينة اليمين الرجعي على البلاد. أقرأ: “وكانت فيرجينيا قد قررت مع زوجها يهودي الاصل ان يتخلصا من حياتهما بالغاز السام لو تمكن الألمان بقيادة الجيش النازي من اجتياح لندن…” هل الرحيل إجابة السؤال؟ يصدمني طريق مسدود مع مُلوحة الهواء. لمن نترك هذا الجمال كله؟ تجيب المترجمة من وحي خيالها على لسان وولف: “لو كنت أعلم بهزيمة الألمان لما قررت التخلي عن الحياة.” يراودني الشك في خيال لا يدرك القوة الكامنة في قرار الموت الاختيارى. أعود لتعليق وولف المتأسي: “كيف تعتمون المدينة الجميلة بالسواد مخافة الحرب، التعتيم اسوأ من الحرب.” هذا ما تقوله: التعتيم اسوأ من الحرب.

استمر في القراءة

No more posts.