عائشة أحمد: متاهة

Léonard Tsuguharu Foujita (1886-1968), “Jeune couple et animaux”. Source: christies.com

في البداية كانت خطواتها مترددة، مرتبكة وحائرة، تتحسس طريقها بروية. صوت ما يقول لها إن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن شعوراً بالتأهب، أو ربما هو الخوف، لم تستطع رده.
تندلع شمس الصيف بغتة، تغسل الأحجار الصغيرة التي ترصف الطرقات بالضوء، ومعها تغمرها دفعة من الثقة. تمضي في خطوات متسارعة، بالطبع ستجد دربها، سخرت من نفسها؛ توترها هذا لا مبرر له، فقد بدت المتاهة من نافذة غرفتها صغيرة، ومحدودة المساحة. ثم إن الأطفال يدخلون ويخرجون منها فرادى وفي جماعات دون عناء. راقبتهم يوم أمس، يدورون داخلها، والأمهات لا يلقين بالاً.
منذ اليوم الأول لوصولها إلى هذا القصر القديم، والذي تم تحويله أسوة ببقية قصور المنطقة إلى منتجع وفندق فخم، وهي تَعِد نفسها بقضاء وقت أطول للاستمتاع بمرافقه واستكشاف حديقته الضخمة، لكن كثرة الوجهات السياحية في المدن المجاورة ملأت جدولها عن آخره: كنيسة، ودير، ومتحف، وقرى منسية هنا وهناك. تضيع وسط الزحام وبين أفواج السياح. تشعل الشموع معهم وتنذر. تجثو على المقاعد الخشبية الصلبة وتشبك يديها لتصلي صلاة لا تفقه شيئاً فيها، وتحاول أن تستكين، بل إنها فكرت باللجوء لإحدى الكبائن المحفورة والمزخرفة بإفراط، للاعتراف لأحد الكهنة بخطايا لم ترتكبها. خطيئتها الكبرى أنها لم تخطئ بما يكفي، تردد لنفسها متهكمة. تتململ في مقعدها، ركبتها اليمنى تؤلمها قليلاً، تقف وتعود للمشي في جنبات الكاتدرائية الكبيرة والمزينة بتماثيل ورسومات جصية بسيطة من نهايات القرون الوسطى وبدايات عصر النهضة. تأخذ نفساً، لكن رائحة اللبان المحروق في أرجاء المكان تكاد تخنقها.

استمر في القراءة

دينا ربيع: قوسه من حاجبيه

Sulayman Enthroned above the Orders of Mankind and Jinn, from a c. 1500 Turkish Book of Solomon. Source: cbl.ie

لا يخاطبني إلا لماما، لا تنظر عيناه لون عينيّ ولا تلحظ قصّةَ شعري الأناملُ العابثة، لا ينبهر بصفّ أسناني، ولا بأي شيء إطلاقا؛ كأنه قد بلغ مجمع البحرين. لا يرقّ قلبه الشفيف للأحيا ولا للميّتين ولا لقطط الشوارع التي تنال أفخر أعشيتها في المزابل. ينشغل عني بدوران مروحة السّقف الرتيب، كلما خَلق انتباهه لها خُلق من جديد. الرجل معتلّ المزاج غير أنه يدّعي أنّ لا شيء يعكّر صفو مزاجه. أفكّر: لو يورثني امتزاج منيّه بدمي غيضا من فيض براعته لما راح وجعي هدرا. أراجع نظريات الطبّ، لا شيء يؤيّد مسعاي المضطّر. 

استمر في القراءة

No more posts.