أحمد كامل: أجمل حذاء في العالم

Vincent Van Gogh, “Shoes”, 1886. Source: gallery30.ru

لا أذكر من يومي الأول في ورشة الأسطى خليل، سوى سؤالي له: “ما هو أجمل حذاء فصّلته يا أسطى؟” لا أعرف لماذا انزلق مني سؤال كهذا؛ ربما بسبب رؤيتي طيلة اليوم لتشكيلات محدودة تتسم نوعاً ما بالقبح، من جلود الفُندي (وجه الحذاء) التي يطبِّعها الصنايعية بمسامير فوق القوالب الخشبية، قبل التعريش واللصق على النعال باستخدام الكُلّة الحمراء.
كنا في آخر الليل، الصنايعية غادروا، والشارع قبالنا مظلم بلا قدم، والرائحة الصافية لجلود الحيوانات تضرب أنفي بعد زوال غبار النهار وعرقه، فيما أتنقل مقرفصاً فوق بلاطات منقورة باهتة؛ مهزومة بفعل الزمن والأحذية، أفرز مخلفات اليوم، أنتقي ما يصلح لإعادة استخدامه، وأكوّم التالف في جوال من خيش.
كان الأسطى جالساً على كرسي خشبي، عند عتبة الدكان، تحت كلوب يشع بضوء خفيف أصفر، يتزاحم حوله ناموس وعثث، يرتشف من كوب شاي تتصاعد أبخرته، يستقر بين أصابعه المعبَّأة بالصبغة وبكدمات سوداء في أظافره الشائهة، التي تعدني بمستقبل مماثل حال الترقي في الصنعة.

استمر في القراءة

محمد عبد النبي: قال وددت

Le Pho, “Young Girl with Rose”, 1941. Source: blisssaigon.com

ذات صباحٍ، كان قد قالَ، قبل سنوات: وددتُ لو أُنسَى، وددتُ لو أُترَك لأتعفّن تحت أغطية فراشي، أغطية الخمول والتراخي. كان قد استيقظ متأخرًا عن موعد العَمل في شركة الترجمة، فهَبَّ يتجهّز للخروج على عجل. يكتشفُ وردةً بلدية حمراء في حقيبة أوراقه، فيتركها في مطرحها ويمضي إلى الشوارع بلا أي حماس ولكن بحُكم العادة والإذعان لأكل العِيش.
كان يعمل ثماني ساعات كل يوم، مقابل ملاليم كل أوّل شهر، يُخصَم منها ما يُخصَم، وإذا أراد أن يُحسّن دخله عليه أن يأخذ كتاب معه إلى البيت ليترجمه بمكافأة منفصلة عن الراتب، وهكذا لم يكن يفوّت فرصة حينما يسكر لكي يبكي على الأيام التي تتسرب دون قراءة أو كتابة أو شيء له معنى. سلوك نموذجي متكرر، لم يعد من العسير عليه أن يرصده، دون أي حاجة للرجوع إلى دفاتره القديمة.

استمر في القراءة

No more posts.