ميرهان فؤاد: حق العودة

PIG2003007K041

Gueorgui Pinkhassov, Girl with her father crossing the street. Source: magnumphotos.com

في ساحة القبر، أنتظر مشهدأبيليس اللفظ السينمائي، وإنما مصطلح يشير إلى الجنازة: عبور الرجال حاملين الميت من المسجد إلي القبر فيما أتذكر محاضرة الطب الشرعي، حين كانت الطبيبة تقول إن عدداً من المصريين يُدفنون أحياء بسبب العشوائية والتعجيل. سأظل أفكر في هذا الهاجس حتي الآن، أتخيل آلاف السيناريوهات: هل أفاق من موته ليجد نفسه وحيداً مختنقاً بالأسمنت والطين فمات مرة أخري؟ هل قام من القبر ليكوّن أسرة جديدة؟ هل فتح باب الموتى ليحاكي آليس في بلاد العجائب (النسخة الجنائزية)؟
تخبرني إحدى النساء اللاتي تعودتُ أن أراهن في القبر وكأنهن متعهدات الموتى: المبطون يحسب عند الله شهيداً. أمتعض من كلامها وأدير وجهي: “يافرحتي!” بينما تغمغم هي وأخريات: لماذا ألبس ثياباً ملونة؟
بعد هذا المشهد، ولمدة ثلاث سنوات، سيصيبني مس فأرى خيالات أبي في الشوارع والموالد. ولاعتقادي الفعلي بأنه سيعود تلتوي عنقي عندما أرى سيارة فيات سماوي، أو رجلاً يرتدي جلباباً ريفياً وينطقسجرةبحرف السين.

استمر في القراءة

علي لطيف: طبيب عائلة الشامخ

Gabriel Grun, La Pequeña Aracné. Source: macabregallery.com

لا أعرف لماذا تذكرت ليلة الإثنين قبل ما يبدو كأنه الأمس، عندما أنزلتُ جسد أمي المعلق من السقف المهترئ. كنت أفكر، عندما رأيت شفتي ابن عم باسل تتحركان وتنقلان نبأ الموت قبل خمسة أعوام، بأنني في الحقيقة لا أريد الاستمرار في العيش لكنني لا أريد أن أموت.
***
لا أبالغ إذا قلت إن باسل باسل الصديق ليس رجلاً بمعنى الكلمة، ولا يرتقي حتى لمرتبة كلب. كان مع أخيه محفوظ بوابة أغرب حدث مر في حياتي منذ ليلة الإثنين تلك.
عندما أتى باسل إلى العيادة التي بدأت في العمل بها أول ما قدمت للمدينة عام ١٩٩٦ وطلب مني الكشف عليها، لم أمانع. في اليوم التالي كنت أمام منزله منتظرًا أن يفتح لي الباب.

استمر في القراءة

معن أبو طالب: رجل حذر

Benjamin Lowy. From

Benjamin Lowy. From “Run Hard: The NYC Marathon for Sports Illustrated”, source: benlowy.com

‘الهريبة ثُلثين المراجل’
مثل شعبي
.
لم يترك لي أبي رحمه الله من متاع الدنيا سوى الحذر. وهو بهذا قد ترك لي ثروة لا تفنى ولا تتبدد ولا يأتي عليها ظرف ولا امرأة ولا خمر.
بدأ تاريخ عائلتنا الحكيم في اتخاذ الحذر منهجاً في الأشهر التي سبقت النكبة، عندما رفض جدي عاصم رحمه الله الانضمام إلى باقي رجال القرية في مقاومة الصهاينة. كنت أسمع من جدتي أنه كان متقلباً في قراره هذا وأن ضميره قضّ مضجعه ليال كثيرة. كما أنه عانى الأمرّين كل يوم في القرية عندما كان الناس يُسمعونه كلاماً بخصوص امتناعه عن المشاركة. فكانوا يقولون “ما سمّعتنا صوتها للمحروسة يا أبو أمين” مشيرين إلى بندقيته التي كان يعلّقها في الدكان ولم يستخدمها قط. وأحياناً أخرى “وإنا إليه راجعون، ولا إنت شايف غير هيك يا أبو أمين”؟ ولكنه تحمّل وثبت، وأنا أميل للاعتقاد أنه لم يعان من قراره كما وصفت جدتي، بل أنه كان واثقاً وغير مكترث، وأن صمته وتجنبه لأهل القرية في تلك الأيام لم يكن إلا من سنة الحذر نفسها والتزامه بها.
بانت حكمة جدي ونفاذ بصيرته عندما دخل الصهاينة على القرية ذات يوم وجمعوا جميع رجالها. تقول جدتي إن جدي كان بينهم، وإنهم أخذوهم جميعاً إلى أحد قصور العوائل الكبيرة المدَمّرة ووضعوهم في ساحة القصر معصوبي الأعين، مكبلين، ومقابلين سوراً في صفين متوازيين. عندما حان وقت أن يرفع المجندين رشاشاتهم، وأعطاهم القائد الإسرائيلي أمر الاستعداد لإطلاق النار، قال أحد الضباط “مين … فيكُن … آسيم أويس؟” صاح جدي بأنه هو، وتقدم منه جندي وفكّ عصبته ووثاقه، ثم ركله على مؤخرته. تقول جدتي إن جدّي “حمل كل شبشب بإيد، وركد متل الطلأ. حتى صوت الرشاشات ما لحّؤه”.

استمر في القراءة

فصل الاسم (فصل من كتاب “مذكرات أب لا يجيد الحكايات”): بهيج وردة

project-slide3f24f9ee813b46d29a66a171e2f21af6-1400x933

Heba Khalifa, from “Homemade”. Source: arabdocphotography.org

لطالما رغبت أن يكون المولود الأول في عائلتي بنتاً.
كنت أتوقع أن هذا الموضوع مبني على ردة فعل، مفاده تقليد متوارث على أساسه يفترض أن يقوم الابن البكر بتسمية مولوده الذكر البكر على اسم والده، وبالتالي يحمل الولد اسم جده.
من حيث المبدأ كنت رافضاً للموضوع، رغبة مني في كسر تقليد مجتمعي أولاً، وثانياً لأن اسمي يطابق اسم جدي في الاسم واسم الأم أيضاً – مصادفة غريبة، وبالتالي على ولدي أن يحمل اسم أبي واسم جد أبي، أي يصبح ابني ابراهيم الثالث –في حال المولود الذكر، وفي رأيي لا داع لهذا التقليد.
وأنا أفكر في الموضوع أسأل نفسي، أين سيذهب انتقادي للأنظمة السياسية العربية الفاسدة التي تتوارث السلطة، وترسخ العادات في محاولة منها لإيجاد مبررات الحياة الكريمة لها فقط دون شعبها؟. كيف سأستمر في الحياة وأنا أنتقد والدي الذي أتهمه بمشابهة نظام الحكم في ممارساته وقمعه للديمقراطية والتعددية وأنا أمارس التوريث، وأخضع لإملاءات المجتمع، واسمي ابني على اسم أبي!!

استمر في القراءة

عقل العويط: ليتني أملك أن أقتلك يا أبي

أريدكَ، يا أبي، يا داود بن عقل بن داود العويط، أن تموت. بل آمركَ، بالحبّ الذي أكنّه لكَ، وبالصداقة التي نتفرّد بها، آمركَ بأن تموت. وفوراً. وبدون أيّ إرجاء.

استمر في القراءة

يوسف رخا: تاريخ آل عثمان في ست حكايات

b1bb4b4ab7e4624df64cbff194422ca0
1277: ما رضي الرجل الصالح شيخ إدبالي أن يزوّج ابنته ملحون لعثمان ابن بيك إقطاع سوغوت المجاور. لعل عينه على إقطاع آخر، أو لعله سمع باتصالهما في الخفاء. عثمان عاشقها، لكن ملحون – ليلة مبيته في دارهم – لم تنبس. أزاحت الباب واليشمك على وجهها، ثم استدارت وانتفخ قماش الشلوار في روحتها. كانت الغرفة باردة، وتساءل عثمان إن كان خلوها من التدفئة من علامات التقشف أو قلة حفاوة. أطفأ المصباح دونما يطرق باب مضيفه، واكتفى بضوء القمر السارح خلال أكثر من فجوة في الخشب والرخام. أزاح السيف وكلل مقبضه بالعمامة، ثم خلع قفطانه والتف في الصوف على البساط. في الظلام خلط الحليب الموضوع قرب مرقده بقليل من العرق الذي يحمله معه وشربه ببطء وهو يغفو. ما مرت ساعة حتى أيقظه منام… والآن، قبل طلوع الشمس، ها هو يرجف متربعاً على الأرض بين يدي الشيخ الجالس على المسطبة أمامه، يحكي له:
إنه – عثمان ابن أرطغرل – رأى القمر يطلع من صدر شيخ إدبالي، ولا يكاد يكتمل بدراً حتى يغوص في بطنه فتنمو من سرته شجرة كالسراي تظلل الأرض. في فيئها الغادي استقرت جبال ثلاثة، جرى نهر عظيم من سفح كل منها. عثمان تعرف على الأنهار بأسمائها – دجلة، والطونة (الدانوب)، والنيل – وراعه أن أوراق الشجرة انقلبت رماحاً تشير رءوسها إلى الدولة البيزنطية. تحت أغصان الشجرة، وقف صبيان نصارى شقر وعلى رؤوسهم تُل أبيض ينشدون الشهادة يتبعها عهد الولاء للسطان. وكان الخلق من حول هؤلاء الصبيان بلا عدد على شطوط الأنهار وفي خلجانها، يشربون ويزرعون ويصطنعون الفساقي. كانوا يتوالدون والخير يورف في ديارهم، دونما يكف الصبيان عن الاستظلال بغصون الشجرة والإنشاد…
وها هو شيخ إدبالي يطرق قليلاً ثم يبسمل ويحوقل ويزأر: هوووووو.
«لقد أنعم الله عليك بدولة تأتي من ظهرك تعلي كلمته في جنبات الأرض» – هكذا يقول لعثمان – «وحلت البركة. هوووووو.» ثم يمد يمناه إلى ابن صاحب الإقطاع ليلثمها الأخير، ويعود يطرق. يبسمل، يحوقل، ويرتفع صوته مؤكداً الابتسامة المتلاعبة على وجه عثمان: «ملحون لك.»

استمر في القراءة

No more posts.