طارق الجارد: لا أحد يستدل على الطريق في شينجوكو

M. C. Escher, “Relativity”, 1953. Source: .justcolor.net

الحياة، إن كان ثمة بداية فعلية لحياة المدينة، لا تبدأ في طوكيو قبل العاشرة. إلا أن الناس تستيقظ باكرا لتسعى في المدينة. وهو ما يعني أن لدي فسحة من صباح أصرفها في شرب القهوة والقراءة، قبل أن أبدأ جدولي السياحي في طوكيو.
كالمتردد، قضيت الثلاث صباحات الأولى على الطرف القصي من محطة ميترو وقطارات “شينجوكو” في طوكيو، وبالأحرى في مقهى “القنينة الزرقاء”.
اليوم الرابع كان فارغا، والحقيقة أن ذلك لم يكن مجرد خيار مسبق فحسب، بل ضرورة. فالأفكار التي تراودني عن “الصياد غراخوس” لكافكا، كانت تسعى في عقلي، حتى لم تعد هناك شهية في ذلك الصباح لسعي آخر. غراخوس، الصياد الذي مات، ما زال يهيم في سفينة الموت داخل تابوته في بحارنا، وسفينته تنزل أحيانا على موانئ المدن ليلا، وتغادرها صباحا. وفي تلك الليالي النادرة، تتسنى له لحظات من الحياة يخرج فيها من التابوت، لكنه لا يستطيع إلا أن يعود له، حينما يصيح بوق الباخرة قبل الفجر. لا يعلم لماذا لا يموت مطلقا، ولماذا لا يعيش مطلقا، وأنا أيضا لا أعلم. لكنني أود جدا لو أعلم، إن كان تراخوس قد مر بميناء طوكيو البارحة ولم ألتقه. و إلا ماذا كان بوق الباخرة الذي أيقظني فجرا؟

استمر في القراءة

طارق الجارد: مباريات شطرنج خالدة ولكن بائدة

Two 12th-century chess pieces from Nishapur. Source: sothebys.com

مدخل

 

مضى على ظهور فكرة الشطرنج خمسة آلاف سنة. قليلة هي الأفكار التي تملك منطقا متماسكا لتصمد كل هذا العمر. أول حركة في اللعبة تحمل بداخلها عشرين احتمالا. أما أول حركتين في اللعبة فتحملان أربعمائة احتمالا، ثم تنفجر وتتشظى الاحتمالات لتتجاوز عدد النجوم في الكون. حينما تنظر إلى رقعة الشطرنج التي لا تتجاوز الذراع في حجمها أول مرة، لا يمكن لك أن تتخيل أن أربعة وستين مربعا مرقطا قادرة على استيعاب احتمالات بضخامة تداعيات الانفجار الكوني الكبير، وتتسع لمواقع معقدة كمواقع النجوم بصفحة السماء. يمكن تخيل المنجز الإنساني عبر التاريخ كله، من معمار وفن وشعر وفلسفة  رياضيات، كمباريات شطرنج. بعضه متكرر ومطروق إلى حد الابتذال كالأعداد الطبيعية، وبعضه وارد ومحتمل ولكنه لم يقع، كالأعداد التخيلية. بعضه تافه وضحل وعديم المخيلة، غير لائق بالخلود. وبعضه عميق وإبداعي وخلاب، نقش نفسه في الكتب وفي المخيلة البشرية. أيضا: بعضه عميق وإبداعي وخلاب جدير بالخلود، ولكنه اندثر كحضارة بائدة ومغمورة مثل جزيرة أطلانتس.

استمر في القراءة

No more posts.