دينا ربيع: ليلتان ونهار واحد

Ahmed Gaber, from “We, the Living Dead”. Source: arabdocphotography.org

ألهبت سياط الشمس وركي وقرحته المناخس، كان لزاما أن أصل إلى آخر الشارع المرصوف بالعرق وصدأ الحديد، قطعت نصفه ثم عنّ لي أن أتأكد من صواب وجهتي من جندي وراء مصفحة؛ لأنني لا أحب أن أمضي نصف يومي دعسا في الصدأ ونصفه الآخر في علاج أنفي من أثر الريح المنتنة سدى، ولأن المصفحة كانت أكبر من مثيلاتها في شوارع البلد وأكثر زرقة. في صحراء الحديد هذه أحب البحر.

استمر في القراءة

فرات الحطاب: متّة، عرق، مشمش

By Forat Alhattab

في عالمي الموازي الزيارات لا تحدد مسبقا. تَطرق الباب وتدخل. وإن لم يكن أحد في المنزل تترك محرمة على الباب، غصن شجرة، ليعلم من أردت زيارتهم أن هنالك من مرّ على ديارهم. النسخة المتطورة من هذه الوسيلة هي ورقة “حضرنا ولم نجدكم”. ويبقى سر من وضع المحرمة لغزا قد ينتظر أياما لينكشف صدفة في السوق، أو لا ينكشف. من ترك لنا محرمة قبل يوم سفري؟ نسيت أن أسأل أمي إن كان انكشف السرّ.

استمر في القراءة

دينا ربيع: على أعقابهم ينكصون

Shakir Hassan Al Said, The Victorious, 1983. Source: barjeelartfoundation.org

البيت شاجٍ. أهله أطفال لا يلعبون، وشباب لا يعرفون شقوة الحب ولا سكرته، وعجائز جرت أعمارهنّ إكسبريسَ في بلاد تصرف حكوماتها على البنية التّحتيّة ما يحفظ ماء الوجوه.
على الحوائط ذكريات عنف وزعيق ونحيب وسكّين يتبادلها طرفا خناقة هزليّة. يعرف الطّرفان والشّاهدون والحوائط وكرسيّ الصّالون الذي يهامس أخاه بعد أن ينام ساكنو البيت أن أحدهما لن يذبح الآخر بها، لأنّ ليلة كهذه لا تخلص إلى نهاية كتلك، ولا تحسن سكّين المطبخ القِتلة، غير أنّهما يطيلان التّناوش بها ليزيدا على المشهد القبيح قبحا، ويخرّبا أعصاب الصّغار أبدا. 

استمر في القراءة

دينا ربيع: قوسه من حاجبيه

Sulayman Enthroned above the Orders of Mankind and Jinn, from a c. 1500 Turkish Book of Solomon. Source: cbl.ie

لا يخاطبني إلا لماما، لا تنظر عيناه لون عينيّ ولا تلحظ قصّةَ شعري الأناملُ العابثة، لا ينبهر بصفّ أسناني، ولا بأي شيء إطلاقا؛ كأنه قد بلغ مجمع البحرين. لا يرقّ قلبه الشفيف للأحيا ولا للميّتين ولا لقطط الشوارع التي تنال أفخر أعشيتها في المزابل. ينشغل عني بدوران مروحة السّقف الرتيب، كلما خَلق انتباهه لها خُلق من جديد. الرجل معتلّ المزاج غير أنه يدّعي أنّ لا شيء يعكّر صفو مزاجه. أفكّر: لو يورثني امتزاج منيّه بدمي غيضا من فيض براعته لما راح وجعي هدرا. أراجع نظريات الطبّ، لا شيء يؤيّد مسعاي المضطّر. 

استمر في القراءة

إبراهيم فرغلي: قَدَر الكونترباص

Umm Kulthoum, 1910. Source: retro-vintage-photography.blogspot.com.eg

“أراك عصي الدمع، شيمتك الصبر…”
أعدت الإنصات للأغنية الشهيرة لأم كلثوم، ولكن بإحساس مختلف قليلا عما اعتدته من قبل – رغم كثرة استماعي إليها – عقب حضوري حفل كلثوميات في دار الأوبرا الكويتية، الذي أعاد تقليد حفل الخميس الأول من كل شهر على امتداد الموسم الماضي، وصادف حظي أداء الفنانة إيمان عبد الغني لمجموعة من الأغنيات التي أحبها. 
خلال الحفل نفسه لفت انتباهي وجود عازف الكمان سعد محمد حسن، وهو أحد العازفين الذين عزفوا خلف أم كلثوم في حياتها. ورغم اختفائه في الصف الأخير خلف النوت الموسيقية انتبه الجمهور الحساس لوجوده وحياه بقوة على الفقرات الموسيقية الصولو. 

استمر في القراءة

فرات الحطاب: أستاذ الديانة وعصر النهضة

Henri Matisse, The Dance, 1910. Source: Wikipedia

بعد ساعة ونيف من التجوال بين لوحات عصر النهضة، وبعد أن قتلني الملل، جاهرت بالإقرار لنفسي إنني لا أستطيع تحمل فن ما قبل ١٨٠٠ م. فقلت في عقلي: على فكرة الفن ما بيجي بالغصب. وتوكلت على الله بخطى ثابتة نحو قسم الانطباعية الجميل.
مونيه، كليمت، فان كوغ، رنوار… أيقونات الانطباعية الساحرة معلقة على الحيطان… وعلى الأرض أمام أحد لوحات ماتيس، تجلس طفلة عمرها على الأكثر ثماني سنوات، شعرها أسود قصير وبنطالها وكنزتها ورديان.

استمر في القراءة

عزيزة وعبده: مهاب نصر عن التحريم والجسد والسياسة

Lalla Essaydi, Les Femmes du Moroc: Harem Beauty 1. Source: lallaessaydi.com

اخترت هذا العنوان ليس لأنه يحكي قصة حقيقية، بل هو يشبه أحد عناوين القصص التي قدمها إليّ منذ سنوات بائع كتب قديمة، أقرب إلى أن يكون صديقا. بادرني: “شوف ده”. كان كشكولا عاديا، لكن على غلافه رسما يدويا بدائيا، وثمة عنوان كبير يقطع الغلاف على هيئة هلال بالقلم الجاف الأزرق “عزيزة وعبده”. الرسم لامرأة مملتئة الشفتين ذات نهدين بارزين، ورجل في أسفل الغلاف. قصة جنسية طويلة كتبت بخط اليد.كان واضحا من الأسلوب والمفردات، رغم فصاحتها أحيانا، أنها ليست منقولة أو مترجمة. خيال شعبي خالص بنفس ريفي. لم يكن هذا هو الكشكول الوحيد لدى صديقي، بائع الكتب، الذي كان يعير هذه الروايات بجنيهات قليلة. لكن المدهش أن بعضها كان قصص “محارم”، وجميعها تدور في وسط بيتيّ أليف. وعلى النقيض من أفلام البورنو فإن الألفة “البدائية، إذا صح التعبير، هي ما كان ينسج الرغبة. لا مشهد يقدَّم على أنه غريب أو شاذ، أو محطم للتابوهات.
إن عالم الرغبة الجنسية هنا يفيد من حالة “ما قبل التحريم”. لكنه ليس عودة للحيوانية مثلا كما يتبادر للوهلة الأولى. بل استثمار لخيال يفيد من مواقع القرابة، دون أن يمثل تحديا متعمدا للتحريم. جو يخلو من الصراع، ويترك نفسه لكل الممكنات بما فيها الممارسة المثلية.

استمر في القراءة

No more posts.