بخيتة عبد الله: أيام عادية في حياة إنسان حديث

Youssef Rakha, “Winter Light”, January, 2020

اليوم 
شعرك يبدو بهيئة جيدة
والشمس ترسل أشعة رحيمة
وقد لا تكون فكرة سيئة تماماً
لو قررت ألا تجعل من الهستيريا
وعدم الاتساق
والحس العبثي
جزءاً أساسياً من هذا اليوم

استمر في القراءة

محمود حسني: وهم البحر

J. M. W. Turner, “Stormy Sea Breaking on the Shore”, 1840-45. Source: Wikipedia 

المكان مختنق، كما سيكون دوما. ونحن صغار جدا، كأسماك صغيرة، سريعة الحركة، تملأ شتاء خليج هذه المدينة الصغيرة. صغارا كنا، لا يتوقفون عن الحركة، تُلوِّح وجوههم شمس قوية تطل من جهة الخليج الضيق وتسقط وراء الجبل الداكن.
كنا أطفالا ينتظرون نهاية الأسبوع ليهرولوا إلى شاطئ الخليج. خليج صغير، يستريح إلى سفح جبل ناري، تركن إليه السفن الضخمة، ملتقطة أنفاسها، قبل أن تحبو ببطء في ممر القناة الضيق. خليج تتراكم الصخور على شاطئه، تنحسر عنه المياه أغلب الوقت، فنُشمِّر سراويلنا، نتلمّس بأطراف أقدامنا رماله المُشبّعة بالماء والملح مُلتقطين القواقع والمحار. نمشي في واديه الجاف خمسين مترًا، مائة، مائتين، حتى تصل أقدامنا إلى دفء مياهه الهادئة، ثم نعود راكضين، صارخين فرحا بما أعطانا.

استمر في القراءة

لا تخلعِي فألًا على إزارِ بدويٍّ يُرفرِفُ: نصوص نصر جميل شعث

Trent Parke, Sydney, from “Dream Life”, 2002. Source: magnumphotos.com

مَن أَعرفُ أنّ رحلاتِهم حزينة،
لا أكفُّ عن القول لهم:
رحلة سعيدة.
بالأماني، فقط،
أَتدخَّلُ في شُؤونِهم.

بِطولِ الخيال الذي نَما قبلَ الأسنان،
بالفرق الشَّاسع – في الإيقاع – بين القمح والشَّعير،
بِنظرةِ الغريب إلى السَّماء،
بِباعِه وبذِرَاعِه؛ حسبْنا المسافةَ
بينَ بلدٍ وبلد.

استمر في القراءة

سلمى الداني: شاهد رقيق

Moises Saman, Japan, 2017. Source: magnumphotos.com

تجلس على أريكة مخملية متأملة حوضًا صغيرًا من السيراميك ذا زخارف يبدو أنها أندلسية، لا تستطيع تمييز جميع ألوان زخارفه بسبب رغوة الصابون، تأخذ رشفة من الشاي الذي مدته لها أخصائية المساج، وكعادتها تتساءل بينها وبين نفسها وهي لا تنتظر إجابة ما: هل هو بطعم البابونج مع العسل؟ فترتشف رشفة أخرى، ثم تنتبه أن روبها يبدو مرتخيًا حتى بدا صدرها؛ لكنها لا تبالي. تمد قدميها بحذر وهي تدخلهما في الحوض، وتُرجع ظهرها باسترخاء على الأريكة راجية أن ستستطيع النوم بشكل عمي بعد هذا المساج.   
تخرج قدميها من الحوض، وتخلع الروب الحريري عن جسدها، تتردد في خلع القلادة الفضية فتتركها مكانها؛ وتتبع تعليمات المدلكة بأن تنام على بطنها، وتضع وجهها داخل فتحة مجوفة في طرف السرير. الإضاءة الخافتة؛ ورائحة الشموع العطرية؛ والموسيقى الخلفية الداعية للاسترخاء؛ تزيد من حدة توترها، لم تستغرب هذا التوتر فهي تدرك أن ردود فعلها المغايرة أمر طبيعي. لا تهتم بما تشعر به في تلك اللحظة

استمر في القراءة

هرمس: الدخان

Julian Schnabel, “The Student of Prague”, 1983. Source: guggenheim.org

١
في النهار الغائم الذي وجد فيه محمد ذكرياته، كانت السماء قريبةً، والطقس أبرد من المعتاد. إن الخريف إلى زوال، والشتاء القادم قد يحمل له أكثر من عقبة. نظرةٌ إلى القمر منذ عدة أسابيع ذكرته، أو بدأت تدوير دولاب الذكريات. كانت حياته الرتيبة تتكسر ببطء، وهو بعد أن جرّب الروتين، نسي أيام صعلكته دون نظام يذكر. بحث عن الروتين في ثمانية مشافٍ نفسية، بين الأطباء والممرضات، ولم يجده؛ القيمة الأصلية عنده كانت أن يتحلى الناس بالذوق، والذوق هو أن تجرّب بذاتك، أي أن تنغمس بنفسك في التجربة، وبين الأعوام جلس يفكر؛ ها هي الأيام تمضي به، وصل لأمريكا أخيرًا، والجو باردٌ والوجوه باردة، الشجر الشهير عارٍ، والسماء مكسوة بغلالة سميكة من الركام.

استمر في القراءة

كريم محسن: حلم كبير

Richard Hableton, from “Shadowmen”. Source: acagalleries.com

للغرفة مخرَجان، مخرج آمن: الشباك. ومخرج خطر: الباب.
كيف سأواجه من يجلسون في الصالة بحقيقة أنه لم يعد لدي حلم كبير؟
صباح اليوم، بعد وجبة إفطار تجمع بين بيضة مسلوقة، طبق جبن أبيض بالطماطم، رغيف عيش بلدي محروق نصفه، شعرت أن حلمي الكبير هو ضرطة كريهة الرائحة.
ضرطة كنت أطلقها لسنوات في وجه العالم.

استمر في القراءة

يوسف رخا: دِيَم، المتنبي ١

Trent Parke, Sydney, from “Dream/Life”, 2001. Source: magnumphotos.com

أربعة وأربعون عاماً حتى أعرف أن الديمة هي المطر الحنون، ذلك الذي حين يَنزل لا تُصاحبه أصوات مُفزعة، وأن مجيئه متوقف على أمزجة الغمام. جرّبي مرّة أن تكدّريه، أن تذكّريه بمتاعب الحياة، ولو رأيتِ غير أهوال السماء اتفلي على وجهي. معقول كل هذه السنين وأنا أكابر؟ الصواعق التي تحيلني شبحاً مُعتذِراً يزحف على أمل أن تمصّه الأرض، التي تجعل المياه إيهاماً بالغرق والجفاف تعذيباً بالكهرباء، وحده الغمام يقدر على منعها كما يُرسِل الدِيَمَ غيداء وشهية وفرحانة باحتوائي. أربعة وأربعون عاماً حتى أراها كراتٍ من الفضة تتراقص في أسراب على هيئة طائرة أو حصان، تتجسّم للقائي. فأعرف أن الشوق ليس سوى المياه التي تَقطُر من أجسامنا حين يعصرنا الفراق. الدِيَم عندي أنا يا حبيبتي. في جلدة رأسي من الداخل سماء أحاول أن أكون غمامها. وحتى الأرض التي تحملني مجرد حجة لأكتب لك. الآن ينقعني المطر.
No more posts.