خالد الشورى: أسنان

Goerge Tiemann and Co’s Surgical Instruments. Source: pinterest.com/tedgioia

بوادر ضوء الصباح تنسل من نافذة الحمام.. ضوءٌ شحيح ولكنه يكفي للرؤية.
يقف الولد أمام المرآة محدقًا في انعكاسه، شاعرًا بشفقةٍ يشوبها اشمئزازٌ تجاه نفسه.
دون أن يحيد نظره عن المرآة، يُدير مقبض الصنبور فيتدفق الماء إلى التجويف المستقر في قعر الحوض. يفتح فمه على اتساعه ويرى: هناك فراغاتٌ قبيحة، بعض أسنانه غير موجودة في محلها. يلعق لثته بطرف لسانه مكان الفراغ، طعمٌ مالحٌ وملمس لزج، كأنه يلعق حلزونًا.
يمسك في يده اليمنى كماشة معدنية، كالتي كان يستعملها والده في صيانة مواسير الحمام أو المطبخ عندما تعطب. يحوّل نظره من المرآة إلى الكماشة. لقد طالها الصدأ وتراكمت عليها الأوساخ حتى صار لونها غامقًا.
يشرد ذهنه، وتفيق ذكرى بعيدة في مكان ما داخل رأسه.

استمر في القراءة

أحمد ناجي: عبده السكندري وبورخيس السويسري

خبزت أمى الكيكة وزينتها بالكريمة البيضاء والفواكه. أخرجتها من الثلاجة وسارت وسط أنظار وحماس الجميع حتى وضعتها على طاولة الطعام، ثم بدأت في غرس شموع عيد الميلاد الصغيرة فيها. أوشكنا على إطفاء النور وإشعال الشموع، اللحظة المثيرة التي من أجلها تسارعت دقات قلبي، لأني أحصل حينها على اهتمام وحب الجميع، قطعها رنين جرس  لباب. ذهبت مُسرعاً لفتحه متوقعاً أحد أصدقائي، لكني وجدت رجلاً طويلاً ونحيلاً، بأنف أفطس، عيون واسعة كبيرة كما الثور، ذقن حالكة السواد، بلوفر كحلي متسخ وبجواره حقيبتي سفر.
أبصرت خالو لأول مرة في عيد ميلادي الثامن.
في وجهه حزن شديد، ألجمني عن الإتيان بأي صوت أو حركة. انحنى بجذعه نحوي وسألني بالفرنسية بصوت هامس “لابد أنك شارل إذن؟”
جاءت أمي لترى من على الباب وحينما لمحته قفزت إلى حضنه. بين الفرح والدموع قالت لي بالعربية “سلم على خالك عبده”.
أتى فجأة مثلما رحل فجأة.
استقر في بيت جدتي المجاور لنا في ذات الشارع. بيت قديم من ثلاثة أدوار. سكنه وحيداً لأن كل أخواته البنات يعشن مع أزواجهن، وأخاه يعيش في القاهرة منذ دراسته الجامعية. توقع الجميع أن يحمل هدايا من أوروبا في حقائبه، لكن لم تحتو إلا كتباً، وأوراقاً، وملفات بلغات مختلفة.
بعد أيام من مجيئه وصلت إلى الميناء شحنات أخرى من الكراتين والصناديق الخشبية، كل يومين كان يذهب بعربة ربع نقل إلى الميناء ويعود بها مُحملة، يرفض أن يُسَاعده أحد بل يظل طوال النهار يحمل بنفسه الصناديق من العربة إلى المنزل والعرق ينز منه، والإرهاق يستنفذ كل عضلة في جسده، ومع ذلك يستمر في الحمل وحيداً رافضاً أن يشاركه أحد في حمل صليب آثامه.
المزيد، والمزيد من الكتب، امتلأ بها المنزل.
لم يكن يخرج كثيراً، لكنه حرص على كسب ود الجميع، يحضر في التجمعات العائلية، يبتسم ولا يشارك في الأحاديث. يذهب أحياناً للكنيسة في الأعياد، لكن لا ألمح شفتيه تتحركان في الصلاة.

استمر في القراءة

حادث سير: دنيس جونسون ترجمة علي لطيف

Denis Johnson by R. N. Johnson, 1976. Source: washingtonpost.com

بائع يشارك شرابه ويقود السيارة بينما هو نائم… شيروكي ثمل بالبوربن… فولكسفاغن ليست إلا فقاعة منفوخة بأدخنة الحشيش، يقودها طالب جامعي…
وعائلة من مارشل تاون تٌنطح، وتُقتل للأبد رجلاً يقود غرباً من بيتاني، ميزوري…
… نهضت مبتلاً من نومي تحت الأمطار المنهمرة، وكشيء أقل من واع، شكراً للثلاثة أشخاص الذين ذكرت أسمائهم من قبل – البائع والهندي والطالب – والذين أعطوني مخدرات جميعاً. انتظرت توصيلة يائساً على رأس الطريق المنحدر. ما الفائدة حتى من توضيب كيس نومي، لو كنت مبتلاً لحد رفض أي أحد السماح لي بالصعود لسيارته؟ لذلك طويته ووضعته حولي مثل رداء. جرفت الأمطار الغزيرة الاسفلت وقرقرت المياه في الأخاديد. تضخمت أفكاري بشكل يدعو للرثاء. جعلني البائع المسافر أبلع حبوباً أشعرتني بالحكة في بطانة أوردتي. آلمني فكي. كنت أعرف اسم كل قطرة مطر. شعرت بكل شيء يحدث قبل حدوثه. عرفت أن عربة قديمة مقدرة لأجلي ستقف قبل إبطاء سرعتها حتى، وبسبب الأصوات السعيدة للعائلة داخلها عرفت أن حادثاً سيقع في العاصفة.

استمر في القراءة

أمل السعيدي: غشيه شعور عميق  بأنه يعرف كل شيء

Pieter Claesz, Still Life with Stoneware Jug, Wine Glass, Herring, and Bread, 1642. Source: 1642

كان يتمشى في مزرعة والده، يوزع نظره على الحقل المحروث تواً، ناعساً راح يفكر أنه لم يزرها منذ زمن بعيد. أشجار السفرجل الثلاث، في الزاوية الشمالية القصوى، تحوطها أوراقها التي طوحتها ريح الأيام الماضية. كان يجلسُ هنا كثيراً، لعلمه أن الجميع يجدون المكان بعيداً عن المنزل وعن المكان الذي ينوعون فيه الإنتاج الزراعي طوال العام. هنا كوكب آخر، فلا يمكن إدراك نوافير الري الطويلة من هذه الزاوية. لا شيء سوى أشجار مانحو ضخمة تحول بينه وبين الجميع، لكنه لم يعد يأتي إلى هنا كثيراً، يريد ذلك ويقرر فعلاً أن يعود لمرات ومرات كلما كان هنا، لكنه ما إن يبتعد قليلاً حتى لا يعود يفكر في هذا المكان.
يعمل موظفاً في أكبر شركة اتصالات في البلاد. يعود في تمام الساعة السادسة إلى شقته الصغيرة، في عمارة مميزة، ذلك لأنها تحتوي سطحاً، وسلالم داخلية تؤدي إلى السطح. يركن سيارته في قبو ضيق ورطب، ويشعر بقطرات العرق تسيلُ على ظهره في المسافة الفاصلة بين القبو والغرفة. تعود ألا يطفئ تكييف غرفته، تفادياً للحرارة الخانقة في هذا الفصل من العام. يخلع ملابسه، ولا يحتفظ إلا ببوكسر علامة كالفن كلاين، ويلقي بنفسه على الفراش. عندما تلامس أصابع قدمه برودة لحاف السرير، يحسُ بالراحة أخيراً من عناء اليوم. لا ينام، لا يتقلب، يسجّي جسده هناك طامحاً في الذوبان في شبح التراخي الضخم الذي شعر دوماً بالانتماء الحقيقي له. لكنه تلقى الآن مكالمةً من أمه. مات أبوه، وسيدفنونه هذا المساء.

استمر في القراءة

خالد الشورى: العِرسة

Weasel from the Thérouanne Bestiary, circa 1270. Source: discardingimages.tumblr.com

آثار أقدام الدب أكثر إفزاعًا من الدب نفسه”
مثل روسي لم يسمع به الروس من قبل لأنه من تأليف رفعت إسماعيل.

 

لحظة جذبته المُولِّدة من قدميه النحيلتين إلى الحياة، وخرج من بطن أمه جسدًا رخوًا، شبهَ مكتملٍ، نصفَ حيٍّ، له ملمس قِرْبة جلديّة مملوءة بماء ساخن، دمدمت ممتعضة:
بدر منوّر.”
لكنه لم يكن بدرًا منورًا ولا منطفئاً حتى، وإنّما طبيعة المهنة هي التي عودت المُولّدة على مجاملة الأمهات، حتى ولو كان أولادهنّ بقبح الولد الذي بين يديها.
لُفّ المولود بمنشفة نظيفة، وَوُضِعَ في حضن أمه.
عندما كشفت الأم وجهه لتلقمه ثديها، امتعضت هي الأخرى، واشتكت للأب بحسرة:
انظر إليه، رأسه صغيرة وسوداء، تشبه حبة قلقاس.”

استمر في القراءة

عائشة أحمد: متاهة

Léonard Tsuguharu Foujita (1886-1968), “Jeune couple et animaux”. Source: christies.com

في البداية كانت خطواتها مترددة، مرتبكة وحائرة، تتحسس طريقها بروية. صوت ما يقول لها إن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن شعوراً بالتأهب، أو ربما هو الخوف، لم تستطع رده.
تندلع شمس الصيف بغتة، تغسل الأحجار الصغيرة التي ترصف الطرقات بالضوء، ومعها تغمرها دفعة من الثقة. تمضي في خطوات متسارعة، بالطبع ستجد دربها، سخرت من نفسها؛ توترها هذا لا مبرر له، فقد بدت المتاهة من نافذة غرفتها صغيرة، ومحدودة المساحة. ثم إن الأطفال يدخلون ويخرجون منها فرادى وفي جماعات دون عناء. راقبتهم يوم أمس، يدورون داخلها، والأمهات لا يلقين بالاً.
منذ اليوم الأول لوصولها إلى هذا القصر القديم، والذي تم تحويله أسوة ببقية قصور المنطقة إلى منتجع وفندق فخم، وهي تَعِد نفسها بقضاء وقت أطول للاستمتاع بمرافقه واستكشاف حديقته الضخمة، لكن كثرة الوجهات السياحية في المدن المجاورة ملأت جدولها عن آخره: كنيسة، ودير، ومتحف، وقرى منسية هنا وهناك. تضيع وسط الزحام وبين أفواج السياح. تشعل الشموع معهم وتنذر. تجثو على المقاعد الخشبية الصلبة وتشبك يديها لتصلي صلاة لا تفقه شيئاً فيها، وتحاول أن تستكين، بل إنها فكرت باللجوء لإحدى الكبائن المحفورة والمزخرفة بإفراط، للاعتراف لأحد الكهنة بخطايا لم ترتكبها. خطيئتها الكبرى أنها لم تخطئ بما يكفي، تردد لنفسها متهكمة. تتململ في مقعدها، ركبتها اليمنى تؤلمها قليلاً، تقف وتعود للمشي في جنبات الكاتدرائية الكبيرة والمزينة بتماثيل ورسومات جصية بسيطة من نهايات القرون الوسطى وبدايات عصر النهضة. تأخذ نفساً، لكن رائحة اللبان المحروق في أرجاء المكان تكاد تخنقها.

استمر في القراءة

أنثى: قصة ريونوسكيه أكوتاغاوا ترجمة ميسرة عفيفي

Conrad Gessner (1516-1565), from “Historia Plantarum”. Source: artsy.net

تنصب أشعة شمس ذروة الصيف على أنثى عنكبوت تفكر طويلا في قاع وردة صينية حمراء.
وعندها سُمِع صوت رفرفة أجنحة في الهواء، وعلى الفور هبطت نحلة عسل فوق الوردة جاعلة إياها تهتز. فرفعت أنثى العنكبوت عينها على الفور. وبقيت تموجات طفيفة من بقايا صوت رفرفة جناحي نحلة العسل، في هواء ذروة الظهيرة الهادئة تماما.
ثم بدأت أنثى العنكبوت تتحرك في الوقت المناسب في قاع الوردة دون أن تُصْدر صوتا. ووقتها كانت النحلة الملطخة تماما بغبار الطَلْع، تغرز خرطومها في رحيق الزهرة المختبئ تحت ميسمها.
مرت ثوانٍ من الصمت القاسي.

استمر في القراءة

No more posts.