ياسر عبد اللطيف: شهوة الملاك

Hesham Elsherif, from “The Way to Hell”. Source: arabdocphotography.org

في حضرة المشنقة، فوق الطبلية، وردًا على السؤال التقليدي، قال للجلادين ورجال القانون إن رغبته الأخيرة هي أن يغتسل حتى لا يقابل ربّه نجسًا. كان إسهال مائي قد أصابه في الطريق من الزنزانة حتى موضع حتفه. لم يستطع التحكم فيه وهم يجرونه جرّا، كما انفتح صنبور بوله من الناحية الأخرى فوصل وقد ابتل بنطاله الأحمر تماما وتلوث بنفاياته حتى فاحت روائحها بقوة في الهواء الثقيل لغرفة الإعدام. قوبِل طلبه بالصمت التام من قِبل مأمور السجن والقاضي وكبير الأطباء. لو أخذوه للاستحمام فذاك يعني الفترة الزمنية التي يستغرقها مشوار آخر حتى حمامات عنابر الحبس، ثم فترة الاغتسال نفسها، ثم العودة من هناك مرة أخرى؛ وذلك بالتأكيد إهدار كبير للوقت الحكومي، ولوقت الباشوات الكبار الذين جاءوا لاستكمال إجراءات تنفيذ الحكم. أدرك الجلادون مغزى صمت الكبار، فسيق إلى موضعه فوق مركز الطبلية دون تلبية الطلب، وأُحكمت الأنشوطة حول عنقه، وألبسوا رأسه الكيس القماشي الأسود.

استمر في القراءة

عائشة أحمد: الرجل الآخر

David Alan Harvey, Dasha in Outer Banks, USA, 2015. Source: magnumphotos.com

من خلال تخريمات شالها الأبيض تتطلع إلى البحر. ترى الطفلة في المايوه البنفسجي تروح وتجيء بدلوها البلاستيكي الصغير، تملأه بالماء وتفرغه على الرمل حيث تبني قلعتها الطينية مع أختها. آثار قدميها الصغيرتين مطبوعة على الرمل في مسار محدد، ووالدهما يرشف مشروبه ببطء من الزجاجة الحمراء مراقبا المشهد من بعيد.
تستلقي على المنشفة السوداء وقد ثبتت أحد أطرافها حقيبة ظهر ثقيلة وفي الطرف الآخر حذائها الفضي اللامع وكتاب كانت تقرأه. الريح تهب باردة والشمس فوقها لاهبة. تشعر بالعطش لكنها أكسل من أن تعتدل في جلستها وتبحث عن عبوة الماء لتشرب، تكتفي بأن تغطي وجهها بشالها الرقيق لتحمي بشرتها من وهج الشمس، وتغمض عينيها. تغفو لوهلة وتستيقظ على أصوات الأمواج المتكسرة على الشاطئ، والنوارس الوقحة تدوم في السماء القريبة وتحط سريعا لالتقاط فتات الخبز الذي يرميه لها أحدهم.

استمر في القراءة

خالد الشوري: الجرذ

Lucian Freud, Rat Man (Portrait Of Raymond), 1978. Source: widewalls.ch

إنّ الجُرْذان عندما تتنقّل من محلٍّ لمحل ومن بيتٍ لبيت، لا تخرج بوقار من باب ثم تسير بتأنٍّ وتَنْدَلِفُ إلى بابٍ آخر كأنّ الأمر بتلك البساطة. وإنما تَنْدسُّ في الجحور وتَجُوب الأنفاقِ مستترةً عن الأنظار، ثم تَخرج من شق وتَلِجُ إلى شق آخر. وعلى تلك الحال تقضي حياتها متنقلةً بين الأماكن. تمامًا مثلي، غير أن الجحور لا تسع جسدي، فأسير متواريًا عن الأنظار، في الشوارع الضيقة التي تتخلل الحارات الجانبية على دفتي الطرق الرئيسية.
والجرذان لا تخرج من جحورها إلى العالم المكشوف إلا في أضيق الحالات، وأكثرها حرجًا. فهي جبانة، ضعيفة، خروجها لا يعني إلا موتها. أنا شخص لا أختلف عن الجرذان في شيء غير أنني أتوارى خلف سحنة إنسان، لكنني في الحقيقة لست سوى جرذٍ انزوى على نفسه داخل جحره، وحيدًا.

استمر في القراءة

أحمد الفخراني: ضي الماس

Illustration of George C. Duncan’s Pre-Adamite Man, 1866. Source: British Library collection

-١-
عندما ابتلع فرج قرط والدته طفلا، شكلت طريقة استعادة القرط فكرته عن الحياة: الإنسانية قد تكون فاكهة حلوة محشورة بين ثمار شجرة زقوم، جوهرة مدفونة في روث فيل، خاتم ذهبي سقط في قاع الكنيف. قبض فرج على إنسانيته وسط الخراء، لكن الزمن، تكرار الفشل، تفتت الطموح، الشك الرهيب، أشياء جعلت هزيمته سهلة وحزنه غائرا كجرح نتن. قبل أن يعرف بالطريقة الصعبة أن الإنسانية – بالضبط – هي قاع الكنيف.

استمر في القراءة

هشام البستاني: طافيًا في الهواء، بثلث انثناءٍ في الرُّكبتين | قصة من المجموعة الأخيرة

s-l1600

19th-century print. Source: look-just.top

الجثث مُنتفخةٌ، وسترة النجاةِ ملقاةٌ بين أخرياتٍ كثيراتٍ شبيهاتٍ على الشاطئ، تذكارًا من أولئك الذين غرقوا وأولئك الذين نجوا، تومضُ ألوانها الفسفوريّة أنّهم مرّوا من هنا، ولن يتوقّفوا عن المرور أبدًا. ها هم يأتون من البعيد.

رغم أنهم انتشلوني وأودعوني غرفة معدنيّة في غابةٍ بعيدةٍ عن البحر، إلا أن رؤى الماء ظلّت تدهمني كفيضانٍ فُجائي، مطرٌ ينهمرُ مرّةً واحدةً فأغرقُ في العرق البارد قبل أن أستيقظ هَلِعًا وأهرع لأضع رأسي تحت الحنفيّة فأُحسُّ بالأمان. سأخرجُ.
أفتحُ الباب فأشاهد غرفًا معدنية أخرى متشابهةً ملقاةً بين الأشجار، تمتدُّ من بعضها حبالٌ نُشرت عليها قطعُ الغسيل. “هذه علمُنا الوطنيّ”، فكّرتُ، وأدّيتُ لها التحيّة. لم أؤلّف لها بعدُ نشيدًا مناسبًا لكنّه قطعًا سيجمعُ في كلماته بين الموتِ والرّحيل. سأذهب للتبوّل الآن.

استمر في القراءة

أمجد الصبان: الأوراق

Lu-Nan, A sceance in Xigaze, Tibet, 1997. Source: magnumphotos.com

كان فايز يتطلع إلي أعلى، إلى لافتة زرقاء تتدلى بسرعة من أعلى المبني وتضرب في الهواء بقوة قبل أن تقف عند نهاية الطابق الأول، معلنة بعد استقرار اهتزازها عن جمعية “معا” للخدمات الإنسانية. انتبه فايز إلي أحد موظفيه يقدم له مقصًا كي يقطع الشريط الشفاف. كان يتوقع بعد قطع الشريط أن يسمع ضجة كبيرة من الجماهير التي تحيط بالمكان، لكن صوت نقيق الضفدع كان أقرب إليه حتى من أصوات الموظفين المهنئة. شعر بحزن لعدم تواجد أي من الجماهير أو الإعلام على الرغم من المجهود الكبير الذي بذل في الحملة الإعلانية.
تأسست الجمعية مصادفة. كان فايز يغرق دومًا في أحلام اليقظة. ومكافأة على ذلك، أصبح كلما انخرط في حلم يجد الحلم مكتوبًا على ورقة. فرح فايز بتلك الموهبة، حتى أنها أصبحت مصدر دخله. كان يذهب إلي أحد المقاهي، يتعرف على الرواد، ثم يدخل معهم في رهان بأنه يستطيع أن يغرق المكان بالورق: ورق أزرق ينزل من السماء، وأحيانا يخرج من باطن الأرض. تحول فايز إلى نجم تتسابق إدارات المقاهي على إغرائه بالنقود كي يقيم مراهناته حصريًا في مقاهيها. 

استمر في القراءة

رؤيا شعبان: ليس كل من يأتي من إنكلترا يحبُ الروك أند رول

Rolling Stones cover art by Andy Warhol. Source: recordart.wordpress.com

كنتُ أحب تدخين السجائر مع صديقي عباس، كُنا نحب السجائر والموسيقى الجيدة. أدخنّ في الخفاء، لم يكن مسموحًا لي بالتدخين لأني فتاة ولأني من عائلة مُحافظة. لا تسألوني ما علاقة التدخين بكون الفتاة شريفة، فأنا أيضًا لا أعلم، لكن أخي عبد القاسم ينعت كل مُدخِنة بالعاهرة. كان عباس هو من يجلب لي السجائر، يتستر عليّ، يشاركني تلك البهجة العابرة.

استمر في القراءة

No more posts.