خالد الشورى: البقرة

Lincoln Red Cow by William Albert Clark (1880–1963). Source: artuk.org

معروفٌ عن سعيد زوج فردوس أنه ثورٌ غشيمٌ بحق. من فحولته كان حيل زوجته ينهدُّ قبله بسرعة، ويخرُّ جسدها هامدًا تحته بعد أن يدعكه دعكًا، فيتركها ويخرج في عزّ الليل إلى الحظيرة ليكمل دعكه في النعجات والأبقار. كذا مرة كانت فردوس تستيقظ في الصباح وتفجع بجثمانٍ ميت لنعجة صغيرة لم تحتمل فحولة زوجها الجامحة.
حين سمع أول مرةٍ عن إتيان سعيدٍ للبهائم من أحد أصحابه، وأكد الحكاية أصحابٌ آخرون تجمعهم بسعيد صلةٌ ما، سواء من قريب أو من بعيد، بدت له حكايةً منفرةً ومثيرةً للقرف، يشعر مع سماعها بحموضةٍ حارقةٍ تتصاعد من معدته إلى فمه. ولكن مع تكرر السيرة، وبعد أن وجد فِعلة سعيد مألوفةً بالنسبة للكثير من أهل القرية فقد تكررت لاحقًا على مسامعه حكاياتٌ أخرى مشابهةٌ صار لا يستغرب فعلته، بل ويفاتح بالحديث عنها من يعرف عنهم فحش اللسان.
ذات مرة فتح السيرة مع عبده، صاحبه الذي يكبره ببضع سنوات، والذي تزدحم أحاديثه دائمًا بفضائح عن أناس كثر من القرية، وأفعالٍ قذرةٍ كان قد ارتكبها أو سمعها ونسبها لنفسه كذبًا، فقال له:
دعك من سعيد، تعرف ذلك الولد المهبول الذي اسمه ياسر؟ مرة أدخل ذكره في دبر فرسة، وقفشت الفرسة على ذكره رافضةً أن تفلته، تمامًا مثل الكلاب عندما تركب بعضها في الشارع. رأيت كيف تركض ركضًا متعرجًا بسبب التصاق فخوذها ونحن نلاحقها بالعصي والحجارة؟ كان مثلها تمامًا حين ساقته الفرسة خلفها من الحظيرة إلى الشارع. لولا أنه نادى مستنجدًا أباه لزفته في القرية كلها. ساعتها لم ينفع معه لا ماء حار ولا بارد ولا غيره، فتناول أبو ياسر سكينًا حاميةً وشق جرحًا طوليًا في مؤخرة الفرسة، وهكذا أطلقت سراح ذكر الولد، لكن الدم خرّ غزيرًا من دبرها فماتت. تتذكر كيف انهال أبو ياسر على ابنه بالضرب أمام الناس حتى أدخله الوحدة الصحية؟ كان سيلحقه بالفرسة والله.
أطلق مع جملته الأخيرة ضحكةً خبيثة، وصمت بعدها قليلًا، ثم سأله كأنه تذكر شيئًا هامًا لتوه:
على سيرة سعيد وياسر، أنتم عندكم حظيرة خلف البيت صح؟
كمعظم أهل القرية، كان والده قد ورث عمله في الفلاحة عن أبيه وجده، وكان له حظيرةٌ خلف البيت مباشرةً يربي بهائمه فيها.
فيما سبق، كانت تلك الحظيرة فناءً خلفيًا يطلُّ على العراء، قبل أن تُحَوّطَ بأربعة جدرانٍ طينيّة وتُسقَف بسعف النخيل. ولأنه لا توجد مساحةٌ تُذكر بين البيت والحظيرة، فقد ملأت رائحة الروث فضاء الصالة الواسعة والغرف المنتشرة على جانبيها. وهكذا اعتاد أنفه مبكرًا الرائحة العطنة، حتى صار لا يفرقها عن الهواء الذي يتنفسه.
كذلك الحال مع سائر القرية، عندما يشغل الخراء حيزًا لا بأس به من شوارعها وبيوتها، فإن رائحته تصبح غير ملاحظة.
مثل شيطانٍ لعين، وسوس عبده في رأسه قائلا:
صدّقني، فَرْجُ البقرة دافئٌ ورطب، تحسُّ وقت ولوجه أنه يسحبك لداخله لدرجةٍ تودّ معها أن تدخل بكامل جسدك فيه ولا تخرج. صحيحٌ لم ألج امرأةً من قبل، لكن سألت رجالًا كُثُرًا وأجابوني أن فرج البقرة لا يختلف كثيرًا عن فرج أيّ امرأة.
ورغم تكرار وساوسه، إلا أنه كان يرفض رفضًا صارمًا، متحججًا بخوفه من أن يقبض أحدهم عليهما متلبسين، وتكون فضيحتهما بجلاجل مثل ياسر.
لكن شيئًا فشيئًا، تسللت الفكرة إلى رأسه سريعًا، وراحت تكبر بمرور الأيام مثل ورمٍ سرطانيٍّ خبيث، حتى وجد نفسه يتسحّب ذات صباحٍ إلى الحظيرة، متوجسًا من أن تلمحه أيّ عينٍ متشككة.

يتذكر أنه بالكاد قد تخطى عتبة البلوغ حين دخل الحظيرة ذات صباح، ورأى الثور وهو يلج البقرة. شاهد ذلك السائل الأبيض، الذي يشبه اللبن، يقذف بغزارةٍ من ذكر الثور الهائل ويسيل نزولَا على طول فخذي البقرة. نفس السائل الذي قذفه هو الآخر عدة مرات على استحياء وإن كانت بكثافةٍ وغزارةٍ أقلّ بكثير وكان يشعر بعد قذفه كل مرة بجسده يرتخي ويذوب تمامًا، مثل قطعة زبدة تسيح على نار هادئة.
شغل المشهد باله ومخيلته طوال مراهقته. وعندما حكى ما رآه لأمه، فرحت وقالت مستبشرةً لأبيه في الغرفة المجاورة أن الثور نطّ على البقرة، وأن عجلًا صغيرًا قادمٌ في الطريق.
هل سيأتي العجل من السوق؟
لا، سيخرج من بطن البقرة… كما خرجت أنت من بطني.
وأنتِ، خرجتي من بطن أمك؟
طبعًا، كلنا خرجنا من بطون أمهاتنا. الستّ لما تتزوج، ربنا يُنزّل عليها من السماء قطرة دم تسقط فوق رأسها. هذه القطرة تدخل بطنها وتكبر حتى تصير ولدًا، وهكذا تأتي به للدنيا. أنا شعرت بقطرة الدم هذه وأنا أحلب البقرة بعد الفجر، لم يكن سعف النخيل يغطي سقف الحظيرة أيامها، وكنت ما زلت عروسة صغيرة تزوجني أبوك للتو.
يتذكر أيضًا أنه حين حكى لعبده ما أخبرته به أمه عن كيفية مجيء الولد والعجل إلى العالم، رد عليه بنبرةٍ هازئةٍ:
أمك ضحكت عليك يا أهبل، الست تحبل من الرجل بنفس الطريقة التي تحبل بها البهائم. رأيت ما فعله الثور في البقرة؟ هذا ما فعله أبوك بأمك، وهذا اللبن هو ما يكبر ويصير ولدًا.
هنا، في هذه الحظيرة، وفي هذه الساعة من الصباح، تخيّل أمه جاثيةً على أربعٍ بجانب الأبقار، تمضغ العلف بسعادةٍ ويرتفع من حلقها خوارٌ متغنج، ثم تخيّل أباه يدخل الحظيرة وينطُّ عليها، مثل ثور هائج.
أثارت الخيالات أعصابه، فاهتاج النائم بين فخذيه وانتصب معلنًا عن وجوده.
لم يشعر بنفسه بعد ذلك، كما لو كان قد غادر جسده وتركه يتصرف من تلقاء نفسه. ولا يعرف لماذا كان صوت الخطيب من الجمعة الفائتة يتردد في رأسه من البعيد:
الحمد لله الذي حرم الفواحش والخنا، وحرم الذنوب كلها بلا استثناء، وشدد في اللواط والزنا، وإتيان البهائم والاستمناء، وقال تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. أما بعد، أيها الإخوة، إن القلب ليغتم مما نسمعه من أحاديث في قريتنا عن إتيان البهائم، فهي معصية منكرة لا تفرق في ذنبها عن إتيان الرجل للرجل، وعقوبة من يرتكبها أن يُجلد إن لم يكن متزوجًا، أو أن يُرجم حتى الموت إن كان متزوجًا.
عندما غادر الحظيرة كان قد استعاد وعيه.
تلفت حوله متوجسًا وقال في عقل باله: هل رآني أحد؟

وقت الظهر هو الوقت الذي تستغرقه القرية في قيلولة قصيرة تنهض بعدها لمواصلة عمل الصباح. وكانت سماح واقفة على الباب تتحدث مع أمه، وتقول:
سمعتِ ما حصل مع فوزية زوجة متولي؟ نعم هي نفسها فوزية بنت عمه. مائلة البخت ولدت بالأمس فتاةً مسخوطة، رأسها طويلة تشبه رأس حمار، ولها ذيل من الجلد. أول ما ضمت بنتها في حضنها فزعت وملأت الوحدة الصحية صراخًا. وخرج زوجها من الوحدة متجهًا للمحكمة، عازمًا على تطليقها. ولمّا حاول عمه وأقاربه أن يهدّئوه ويثنوه عن فعله، فهي في النهاية بنته، انفجر فيهم غاضبًا: كانت تقضي وقتًا طويلًا مع الحمار، الفاجرة حبلت منه. وحصلت مشكلة كبيرة في العائلة تدخل العمدة فيها، لكن دون جدوى.
مستلقيًا على بطنه في الصالة، كان قد أفاق لتوه من قيلولة الظهيرة وقد تناهى إلى سمعه حديث الجارة مع أمه عن الفتاة الممسوخة.
لحظتها سرت رعدة كهربية في جسده متذكرًا ذلك الصباح في الحظيرة.
هل سيخرج من بطن البقرة مسخٌ من صلبه؟ تساءل في عقل باله فزعًا، وعاش الأيام التالية في قلقٍ وترقب، كأنه عامل عاملة كما قالت أمه لأبوه حين لاحظت شروده وانعزاله في الفترة الماضية.

في ليلة رائقة، وبينما الشيشة تقرقر، والحجرين كانا قد أتيا بمفعولهما، قال لصاحبه:
تتذكر يا عبده البقرة الوحيدة التي كانت في حظيرتنا وذبحها أبي؟ نعم، هي التي كُسِرَت إحدى قوائمها. سبب الكسر لم يكن انزلاقها وهي تستحم في الترعة كما قال أبي، أنا السبب. تلك البقرة كنت قد ولجتها بسبب كلامك النجس الذي ظللت تصبه فوق رأسي ونحن صغار. وفي اليوم التالي كانت المرحومة بنت فوزية قد ولدت، تتذكرها؟ نعم تلك المسخوطة التي تشبه الحمار. يومها سمعت كلامًا من جارتنا عن اتهام زوجها لها بخيانته مع حمارهم. وقتها ركبني الخوف، فأمسكت جاروفًا وتوجهت إلى الحظيرة، وانهلت بالضرب على بطن البقرة لأجهض حملها. بالخطأ أصبت إحدى قوائمها فكسرت، ولسوء حظي دخل أبي عليّ الحظيرة وأنا أضربها فركلني مبعدًا إياي عنها. كانت قد أصيبت بجروحٍ بليغة، ولم يجد خيارًا أمامه غير ذبحها. طبعًا لم يعرف السبب الحقيقي لضربي للبقرة وإلا كان دفنني حيًا، تعرفه كان رجلًا متدينًا ولا يرضى بالفاحشة في بيته ولا في حظيرته، فأخبرته أن البقرة رفستني بين فخذي وغضبت بشدة وأردت أن أنتقم منها، أكلت يومها علقةً منه يا عبده، لا زلت أحلف بها حتى اليوم.