مصعب الزيات: المالديف بلد العاشقين

Muir Vidler, Malé, The Maldives, 2010. Source: artsy.net

المالديف بلد للعاشقين. يجلس المحبون على الطاولات في المطعم القريب من المطار. في الغالب هم راحلون. بقاء الحب حتى نهاية الرحلة دليل عليه. هناك في النفس ما يزول بفعل الحب، أو أشياء تستبدل بأخرى تملأ القلب. في صالة وصول الركاب، تلامُس خفيف. فتاة تقبل فتاها على شفتيه برقة وأخرى تمسح شعر حبيبها. والمحبون مستسلمون لهذا الحنان المكشوف. بداخلي شيء يخجل من التعبير عن الحب في الأماكن العامة. الخطوة الأولى في الاقتراب من فتاة حتى ولو على سبيل الصداقة دائما مؤجلة. ليس لأن أحدا يمنعني لكن هذا التصالح مع الحب واستقباله خاضع للشعور بالرقابة من الجميع ولا أحد. عند الوصول يجلس خلف المكاتب فتيات ترتدين الحجاب ورجال بلحى. بينما يؤدون عملهم كضباط أو موظفين في الجمارك يبدو غريبا أن من يمنح الإذن بممارسة الحب في الجزر المتناثرة من يتمسكون بانضباط أخلاقي يمنعه عنهم هم. كأن هناك مسارات مفتوحة في جسد كل من القادم والمانح.
في الليلة السابقة وعلى متن الطائرة الإماراتية القادمة من دبي، كان هناك رجل يجلس في مربع مواز لمن يبدو أنها زوجته، لكنهما متخاصمان. أشار لها ليسألها إذا كانت تريد بطانية تدفئ بها نفسها ولما التفتت بوجهها إلى الناحية الأخرى نام على الكراسي حتى قرب نهاية الرحلة كصبي حزين. لما جاء الفطور حثت زوجته صديقتيهما على إيقاظه ليتناول فطوره لكنه لم يجب وأكمل نومه. وعند اقتراب الطائرة من الجزر كان المنظر خلابا فأخذ الجميع ينظر من النوافذ، ولما اقترب هو من شباك زوجته لينظر معها دون حديث ضمته وقبلته وعاد نشيطا مرة أخرى. على مقربة منهما رجل عجوز يجلس بينما تنام زوجته في اطمئنان واضعة رأسها عند مكان جلوسه. في الخلف كانت تجلس امرأة تبدو شديدة الجمال بمقاييس الطب التجميلي، صدر ممتلئ عن آخره وفستان يبرز مفاتنها وشعر ناعم ومشدود، يفصل بينها وبين من يبدو أنه زوجها عدة كراس، يمكن القول إنه يملك من المال ما يمكنه من إرضاء زوجة مثلها غير أنها كانت تعامله بجفاء، ترمقه بنظرة قوية أو لا تجيب نداءه عليها. أظن أنهما في النهاية اقتربا من بعضهما. لكن ما الذي يمكن لرجل أن يقدمه لامرأة يرغب بها ويحبها أكثر من نسيانه لمكانة نفسه. بين المال والنفوذ والجسد المتورد من الصحة يجلس الرجال والنساء يعبر أحدهما للآخر عن حبه بتواضع أو ينتزع أحد منهما الحب والآخر يتمنع.
في المالديف يتسرب لدي شعور أو حدس بأن أهل البلد نقيض ثقافي ومادي لجموع السياح التي تقصد أماكنهم من كل صوب. المثير للاهتمام أن أهل المالديف يضعون حدودهم دون أن يعيقوا هذا القدوم نهائيا. ربما لأن من يملك سلطة هذا القرار أقوى منهم جميعا وربما لأنهم لا يشعرون بضرورة الصراع لبقائهم. كأن البحر هنا ليس مكانا يمكن أن يأتي منه الغزو فينغلق الناس على ذواتهم لكنه امتداد واسع يعطي معنى للحياة بضآلة ما يمكن الصراع عليه. وفي نفس الوقت وكعادة البلاد التي تقع في فخ الاحتياج تحتوي السياحة وتتعامل معها كمصدر للرزق. الأمر يكمن في كيف يعرف المالديفيون أنفسهم؟ مسلمون صيادون لا يتحدثون الإنجليزية ولا العربية.
في القارب الشراعي الذي يقلنا من مالية، عاصمة المالديف إلى جزيرة سولودو (مع الوقت سأتقن نطق الاسم: ثولسدو، إذا كنت قد كتبت اسمها بشكل صحيح)، أفك “سحابات” جدران اللانش المصنوعة من مشمع مقوى خصيصا لتهيئته لنقل السياح الغير معتادين على أمواج المحيط الهادئ حتى وإن كانت قريبة وهادئة. يقترب مني أحد الثلاثة العاملين على اللانش، وهو فتى لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره أو هكذا أتصور، ويطلب مني إعادة غلق السوستة. أجيبه  بالعربية، يختلط على مخي كوني في مدينة إسلامية لكنها في نفس الوقت ليست عربية ولا تخوض صراعات تتعلق باللغة والهوية كتلك التي نخوضها. كانت الرحلة تتجاوز النصف ساعة بقليل، لكنها مليئة بالخوف والتشبث بالمقاعد والدوخة. كنت على حواف المحيط في قلب اللانش أشعر بالدوخة الشديدة وأتصبب عرقا بحثا عن تيار هواء يمر عبر الأغلفة البلاستيكية محكمة الغلق. صديقة لنا كانت شبه مغمى عليها وتكاتف الجميع لإفاقتها. حين طلبنا من سائق اللانش تهدئة سرعته زادت قوة تيارات الأمواج التي تحمل اللانش وتقلبه يمينا ويسارا فاستسلمنا للسرعة التي يرغب في القيادة بها. كانت كل جزيرة نمر عليها ونراها من بعيد بمثابة أمل لنا في الوصول. حاولنا السخرية من الوضع برمته. كنت أفكر في كل المراكب التي عبرت المحيط الهادئ يوما ما. رأيت أمامي أمواج البحر التي تفصل بين الجزر وبعضها كأنها الأرض المنبسطة التي تصل أطراف المدن والأقاليم. كان الثلاثة أبناء المالديف الذين يقودون المركب جالسين في الأمام بثبات ودون أي انفعال. حينها خطرت ببالي القلعان. آخر قرية صيادين على ساحل البحر الأحمر في جنوب مصر. بدت المياه التي تملأ المسافة بين قارتين مختلفتين كأنها جسر عبرت من خلاله قدرات لازالت جيناتها حاضرة في أبناء البحر. بالإضافة الى الثبات أمام اهتزازات المراكب التي تسير في البحر هنا وهناك كان هذا السمار المميز والهدوء والقوام المنحول كأنها أسماك نشيطة تسبح طوال النهار. عبرنا بمركب متوسط الحجم يسير على مهل وبثبات عن اللانش. حينها تمنينا لو قطعنا المسافة من مالية إلى سولودو على مهل حتى لو استغرقنا يوما آخر في البحر يضاف إلى ساعات الطيران والنوم في المطارات بدلا من كل هذا الإعياء والدوار الذي لازمني حتى بعد وصولي بعدة ساعات.
مسلمون لا يتحدثون العربية ولا الإنجليزية. تلك الثنائية التي يبدو أنها تحكم نظرتي إلى العالم. هم معتزون بلا عربيتهم، نوعا ما.
بعد وصولي إلى الجزيرة لم أستطع أن أقاوم إغراء السير قليلا على آخر ضوء النهار. أنا الآن في قلب المحيط. يمكنني اعتبار سيري على الجزيرة نوعا من المشي على المحيط. كانت تلك آخر الأمنيات التي أطلبها لنفسي، لكن يبدو أن ما ننتظره من الحياة يظل أقل بكثير مما يمكن أن تمنحه.
لا يوجد للفندق الذي ننزل فيه أسوار. يقع على الشاطئ ويحيط به أشجار جوز الهند الاستوائية المميزة، قريبة الشبه في عيني  بالنخيل الذي نعرفه في ذلك الجزء من العالم الذي أتينا منه والذي صار الآن بعيدا. غياب الأسوار يجعل الأوتيل كأنه جزء متمم لسكان الجزيرة، ربما هو هذا النمط من السياحة القائم على التصالح بين السكان والأجانب لا الاستغلال ولا الإقصاء للسكان لصالح رفاهية زائدة عن الحد. أفكر أن ما تمنحه الأسوار للأوتيلات هو بمثابة قطع للجذور. الجزر الباهظة والمنغلقة على سياحها غريبة عن الأرض التي تحتويها. قريبا من الأوتيل على الشاطيء ناحية اليسار يوجد ممشى أسمنتي يمتد لمسافة داخل البحر. تجولت في الشوارع المحيطة بالأوتيل واتجهت ناحية الممشى. في نفس اللحظة التي بدأت فيها المشى كان هناك رجل من سكان الجزيرة يرتدي قميصا وبنطالا يسير أمامي توقف لتحية رجل آخر  وابنه راحلين عن الممشى. حين أدركت الرجل سار بجانبي وبدأ يتحدث إلي بالإشارة. في البداية أشار لي أن هذا الرجل هو أبو هذا الطفل، أو ليس هذا بالتحديد كان يشير الى الرابطة التي تجمع الطفل بالرجل، أدركت غرضه ثم بدأ يتحدث بالاشارة مرة أخرى عن ما يوجد في نهاية الجسر. كنت أرى من مكاني مساحة مربعة في نهاية الممشى واستنبطت من محاورته الصامتة لي أنه ربما يكون حوضا يدخله السمك ثم يصطاده الناس عن طريق احتجازه فيه. لكن الأمر لم يكن كذلك بل كان يريد أن يقول لي أن في نهاية الممر توجد أسماك سابحة كثيرة يمكن رؤيتها بالعين. في الدقيقة الأولى للقائي به جاء في عقلي فكرة أنه أصم لا يتحدث. لكنني في الدقائق التالية وبينما أكمل المشي معه إلى نهاية الممشى وأحاول فهمه بالإشارة خطر في عقلي فكرة أنه يتحدث لكن نظرا لغياب لغة يمكننا التواصل بها اجتهد في محاولة توضيح أفكاره لي عن طريق الإشارة. عرفت منه أنه صياد، وأشار إلى المركب الراسي بالقرب من الفندق موضحاً أنه ملك له، فتابعته “لك ولأهلك؟” بنفس طريقته في الاشارة. فهز رأسه بالموافقة. في تمام الساعة الثامنة صباحا من الغد سيكون واقفا يصطاد في نفس المكان. هناك آلية ما لعمل الرياح حاول توضيحها تدفع السمك للتجمع هناك ما يجعل صيده أوفر. لا أعرف على الحقيقة إن كان هذا ما قصده أو ما فسره عقلي بناءا على محادثاتي القديمة مع صيادي قرية القلعان. بالحديث عن الرياح، يمكن للصيادين اختيار الأوقات المناسبة وموقع الصيد قريبا من الشاطئ أو في منتصف البحر، متى يمكن للريح أن تكون مواتية للحركة داخل المحيط أو على حوافه. الأمر كله في اختيار الموقع المناسب والصبر.
تحت الغيوم التي تسد الأفق حول الجزيرة وتمنع الشمس من الظهور بالرغم من الرطوبة رأيت من مكاني على الممشى غرابا يطير مبتعدا وسفنا عملاقة كالتي تستخدم في الشحن والتجارة بين الدول وسورا أبيض على حافة الشاطيء تماما مرسوما عليه علامة كوكاكولا الحمراء العابرة هي الأخرى للمحيطات. بهذا المصنع شيء مميز يختص به دونا عن كوكاكولا في العالم كله قرأت عنه بالانجليزية لكنني لم أفهم ماهي تلك الميزة ولم أرغب في بذل الجهد للفهم، اكتفيت بتبييت نيتي على زيارته وأنا في القاهرة.
الطرقات صغيرة ومنتظمة والبيوت لا يتجاوز ارتفاعها دور واحد باتساع واضح. والناس يتجولون على مهل من حين لآخر على دراجات بخارية أو عجلة عادية كتلك التي قادها الصياد الذي قابلته على الممشى بعد رحيله. أنا في الحقيقة أستغرب الأقدار في لقاء الناس. أتساءل عن الدافع في نفسي الذي حركني للمشي في نفس الوقت الذي كان فيه هذا الرجل يسير هناك. لا أعرف إن كان دائم التحدث مع الأجانب هناك لكنني أتسائل عن كل تلك المسافة التي قطعتها رغبة في لقاء آخرين يحفزونني على مزيد من التساؤل أو يشعرونني بأن هناك دوما ما هو أبعد من حدود نفسي وحياتي. ليس مستغربا رؤية أنواع مختلفة من المراكب واللانشات أمام البيوت مهملة أو متروكة بلا إهمال لكن دون تكلف، في بعض الأحيان تبدو الأشياء كأنها تستريح لما هو متوقع منها على الدوام، أن تقوم بالإبحار أو بوصل الناس ببعضهم أو بالسفر بعيدا. في السماء تتكثف السحب وتتجمع كأنها تستعد لغارة أو معركة من الأمطار كما تنذر توقعات الأرصاد وفجأة تخرج طائرة برمائية أنيقة وتختفي مرة أخرى في السحب.

أمطرت اليوم. لم يكن مطرا غزيرا. وفي المساء كانت هناك ومضات رعد في السماء صامتة. السحاب لازال يُعبّق الأفق لكن يبدو أنه لن يمنح أحدا مطرا زائدا عن الحد. كنا في قاعة التدريب حين وقفنا ننظر إلى حيث يمكن لأعيننا رؤية ما بدا أنه دلافين تقفز في المياه مبتهجة. الفتاة التي تركض في صالة الجيم باستعراض يليق بالانستجرام  تهتز مؤخرتها أمامنا أيضا، تدفعني للركض أنا الآخر محاولا تجديد نشاطي. لكن شيئا لم يقلل من إحباطي من المحاضرة. كان المحاضر متحمسا لتعليق يافطات على تاريخ اليونان والعرب وكل الحضارات السابقة على الحضارة الغربية. حتى ابن خلدون لم يسلم من كونه مجرد ادعاء عربي للمساهمة في صنع الحداثة. كان الرجل صاخبا لكنه قليل المطر تماما كسحابة الأيام الماضية. الناس لا يرون عيبا فيما يقوله. تتبعه فتاة منعها كبرياؤها الطبقي من أن تخبرني عن علاقتها بالأنثربولوجي بعد أول دقيقة لنا بعدما أحست أن خبرتي العملية تتجاوزها بلا اعتراف أكاديمي. في بداية تعريف المدربين لأنفسهم أصروا على أنهم لا يرغبون في أن يمثلوا سلطة أكاديمية، لكنني لم أر أي مساحة حقيقية للنقاش ولا استعداد لتلقي نقد. أحيانا أشعر أن ما تصنعه الثقافة بالناس هي أنها تعميهم عن النظر إلى العالم. أعني العالم الحقيقي. الناس، خارج إطار النظريات. تأملات جذورهم وأثر وقع الحاضر عليهم، كيف يستقبلونه ويصنعون منه طرقا جديدة للعيش. لا يمكن للواحد في نظري أن يكون مثقفا حقيقيا إذا كان بإمكانه أن يلخص التاريخ أو يضعه في سمات وقوالب محددة كأن هناك وصفة جاهزة للنقد لمحاولة الترويج لنظرة عن العالم يتبناها. خطابات الواثقين دائما تؤرقني.

تمتلك ن عينان خلابتان. لم أشعر بمقدار المسافة التي قطعناها من الفندق حول الجزيرة إلا حين حل الظلام. كنا نسير محاولين اكتشاف الجزيرة، لكنه ليس بقدر اكتشافنا لما يحمله كل منا في نفسه عن الحياة. المناطق التي قدمنا منها، أمهاتنا اللاتي يرين العالم بأعيننا حسب تعبيرها، كيف بدأت أحلامنا وانتهت أو اتخذت مسارات جديدة. في تكرار الحديث عن الذات رغبة في الوصول إلى الآخر. كأن الكشف عن الذات طريق آمن يسلكه الآخر إليك. الجزيرة التي اعتقدنا أننا يمكننا الدوران حولها تملك مساحات خضراء وشجرة راسخة تبدو من بعيد وحيدة للعابرين ومكب نفايات مشتعل واحتمالات متكررة للمسير.
جافاني النوم. كان المفترض أن يكون هذا المساء مختلفا، أهديت الفتاة التي أرغب في وصالها مركبا ورقيا صغيرا وورقة عليها أبيات من النثر. نريد سماء لوحدنا، لن نبني عليها بيتا لكنها لنا وحدنا. لكن السماء الليلة لي وحدي. بينما كنت أهتم بالاستماع إليها شاركت صديقا لنا الحديث بحميمية. انصرفت وفي قلبي شيء لأنها لم تكن معي. كان الجميع يرقص على الشاطيء وأنا مثقل وأشعر بوحدة. كأنني في النهاية أنجذب لوحدتي. كنت أجلس بعد ذلك في المطعم، أتناول شايا وأنتظر ظهور تالا، عاملة الفندق التي أخبرتني أن اسمها يعني نجمة، ثم ابتسمت. فجأة ظهر ج، وبدأ يعرفني على نفسي، وحيدا خجولا منعزلا لا أصلح صحافيا، ربما مهندسا. الشعر الذي قرأته عليه منذ عدة أيام حاول محاكاته باستخفاف. أحب كيف أن أحدا لا يفهم ما أحبه من الشعر، ربما يجعلني هذا أشاركه الغموض. لكنني الآن لا أستطيع النوم، نزلت بالبيجامة على الشاطئ لأجد ب وط جالسين تحت ينظران الى النجوم ويضحكان، وكلما علت ضحكات ب شعرت أكثر بالوحدة. ربما رغبة في تلك الحميمية. الأحاديث الخارجة من القلب. شغف اللقاءات. زال السحر عن العالم، وبداخلي شيء منطفىء منذ زمن. لست ساحرا، أو ربما تكمن الأزمة في أنني لا أبذل جهدا كافيا للاقتراب من الآخرين لكن قلبي يرتبك وأشعر بألم في الرأس لأن ن تبدو كأنها لا تبالي. على الأقل أنا لست نفس الشخص الذي كنته منذ أعوام. لكن الرومانسية وصبيانية الحب لا زالت تملؤني. لا أعرف على وجه الحقيقة كيف يمكنني أن أتعلق بامرأة بهذه السرعة، أو أشعر بالحزن لمجرد أنها تحدثت لصديق بدلا من اهتمامها بي. أنا الذي تركت الطاولة لهما. وجلت في طرقات الجزيرة. كان ملعب الجزيرة مزدحما. المالديفيون أبناء الجزيرة تجمعوا لمشاهدة مباراة كرة قدم. شباب وشابات تحلقوا حول الإستاد الصغير ومع كل فرصة للتسديد تعالت الصرخات. لم يهتم أحد منهم بوجودي. هناك لا مبالاة واضحة منهم تجاه السياح. لم أحب كونهم ينظرون إلي كما ينظرون الى الأجانب. لا أحب كوني أجنبيا، أحاول إنكار الأمر داخلي كأنني أهرب من الشعور بالعزلة. الجزيرة في قلبي. لم يطل مسيري في الجزيرة التي بدت شوارعها محدودة وواضحة البدايات والنهايات. يزول السحر عنها حرفيا. لا حوارٍ ولا شوارعُ خلفية، ولا تنوّع في طباع الناس. هل يمكن للمدينة أن تكتسب السحر فقط لما تعد به الناس من جديد لا لما تقدمه في الحقيقة ؟ لا زالت ن تعمل في مدخل الأوتيل لساعة متأخرة. أنتظر النهار مجهدا ولا أرغب في النوم وأفتقد الونس. لا أود حضور شيئا ر مرة أخرى. اليوم سألته لماذا تنعت الإنسان ما قبل الحداثة بأنه لم يكن متعطشا للمعرفة، لماذا احتكرت الحداثة لنفسها حتى فضول الإنسان ورغبته في خلق مصير مختلف. أنكر أنه قال ذلك ثم التفت إلى غيري. كأن صوتي البطيء وصياغة سؤالي لا تناسبان الإيقاع الصاخب اللاهث الذي يفرضه، ربما ليشبع شعورا ما بداخله بالقدرة والسيطرة تماما كداعية للحداثة وخطيبا.

أمطرت اليوم منذ الصباح. خطوط قوية ومتواصلة تسقط من السماء. في المساء أسير بمفردي. الطرقات الضيقة لا تمتلىء أبدا بالناس. أفكر أنني أفتقد صخب المدينة. أفتقد أن أرى وجوها كثيرة وحياة تضيق بأصحابها. لعل ما يزيد من إحساسي بهذا الاحتياج هو افتقادي لمن يسير معي. في النهاية، لا تدفعني الأماكن الهادئة الا إلى الرغبة في مزيد من الحديث. حديث النفس الذي يرغب ربما في من يسمعه. في المدينة لا وقت للنفس. كنت أفكر فيمن يُمضون حياتهم في أماكن محددة وهادئة إلى هذه الدرجة، هل يشعرون يوما بحاجة الخروج.
كان متوقعا ذهابي إلى المدينة لكنني لم أفعل. ثمن الرحلة كان سيتنزف النقود القليلة التي معي. في أحد نواحي الجزيرة توجد مساحة خضراء كبيرة بمحاذاة الشاطيء. هذا الأفق المفتوح لا يغري بالوصول إلى أي مكان. على جدران أحد البيوت زهور معلقة بانتظام. اعتقدتها في البداية محلا يمكنني شراء الورد منه. لا أعرف إن كان بإمكان وردة أن تحيا في مكان ومناخ بعيدين عن بيئتها لكنني أحببت فكرة اصطحاب واحدة معي. تقدمت إلى أم محجبة ابتسمت ابتسامة طيبة ولما لم تفهمني نادت ابنتها. أجابتني بخجل أن الورد ليس للبيع وأنه يباع في العاصمة. لم أشعر بمسافة بيني وبينهما. ترددت بعد أن تحركت بقليل في الحديث معهما. لكنني لا أتوقف حين أمضي. وأتردد دائما في مواصلة الحديث مع الناس.
بالأمس كنا على المركب. أفكر أن أبناء القوميات العربية لا يجدون لهم بلدا واحد ليجتمعوا فيه سوى جزيرة في وسط المحيط. أشعر بوحشة لأمي. جلسنا طيلة النهار حتى المساء نناقش أفكارنا حول كتابة مقالات. مع الوقت أشعر بشيء غريب تجاهنا. نحن أبناء الصراعات والحروب والثورات التي لم تكتمل والانكسارات. تمضي الحياة فينا متدفقة. كأنها شابة نضرة برغم الموت. كل خسارة أضافت فكرة هنا وهناك في داخلنا. عبر الواتساب أخبر صديقي أنني وقعت في غرام الفلسطينيات والعراقيات. وكم كان مؤثرا في نفسي أن أتحدث إلى زملاء حاضرين كانوا أطفالا حين مرت حرب العراق، أو يعيشون في الداخل الفلسطيني بينما تمتلىء نفوسهم مرارة بالحياة إلى جوار الاحتلال. هل حقا عبث أن ينتهي الاحتلال الاستيطاني من كل الدنيا ويستمر إلى الآن في فلسطين وهو في استمراره لا زالت المسافات حاضرة بين المحتل وأصحاب الأرض، ويخلقون لأنفسهم طرقا وأشكالا للحياة والصمود لا يمكن توقعها.
أفتقد غيوم ثولسدو. أؤنب نفسي على الأوقات التي بدوت فيها سخيفا ومعتزلا للآخرين. في الليلة الأخيرة كنت تائها أشعر بوجع في القلب من إحساسي بفراق الجزيرة ومن عليها. لكنني تمالكت نفسي حين تذكرت أحاديثا عن الفلسفة الرواقية” كان يمكن للأمر أن يكون أسوأ مما هو عليه الآن” . الاعتقاد حقا بأن هناك أسوأ من الألم الراهن يمنحني دائما القدرة على تجاوزه. لكن تسكعي الطويل مع ل حتى انتهينا قرب الفجر بمفردنا على طرف الجزيرة نستمع الى الأمواج ونراقب النجوم والقمر المختنق وسط الغيوم انتشلني من آلام كثيرة. كان هناك ثقل داخلي ينهشني. اعترفت لها ونحن نسير بالأمس ليلا أنني لا أجد حافزا حقيقيا للاستمرار في الحياة. خرجت مني الفكرة مباشرة دون تفكير طويل، وأعتقد أن ما أحاول فعله في السنوات الماضية والقادمة من حياتي هو أن أجد في الأشياء الصغيرة التي أقوم بها معنى للحياة ومحفزا للتمتع بها. لكن لقائي ل كفيل بأن يخفف عني ثقل الخروج من الجزيرة. أخبرتني أنها لا تعرف كيف ظهرت فجأة في النهاية. لم تكن تلاحظ وجودي طوال الرحلة وتتذكر ارتباكي في السلام الأول، غير أنني فجأة حضرت. ل تلقي بنفسها في حضن الحياة. تسهر حتى الصباح، ويرافقها أرق يمنعها من النوم لليال طويلة. تلتهم السجائر، وخلف جسدها النحيل وعينيها اللتين تنبئانني بأنها حقا راعية أغنام خجل وهشاشة بالغان. كانت الفلسفة حاضرة في كل أحاديثها، تخبرني أنها تعلقت بالسجائر فيما يبدو لأنها شيء لا يمكنه أن يفارقها يوما. وأنها أدمنت السهر أول مرة حين وقعت في حب الشمس وقد رأتها تخرج من قلب الظلام. تقاطعنا في أن لكل منا حياة أسرية غير مستقرة. أبي يمتاز في السوء عن كل الآباء بأنه لم يكن يرعانا ماديا ولا معنويا، ل ثارت منذ وقت مبكر على سلطة أبيها، ورغم ذكاءها الواضح رسبت لسنوات طويلة في المرحلة الثانوية لتعانده.
ن نقيض شخصية ل، خجولة وقليلة الكلام. تعتني جيدا بأناقتها دون تكلف. منذ عدة ليال وهي فيما يبدو تتجنب خلق المزيد من الحميمية بيني وبينها. حين أرافقها للمشي تبدي التعب ولا تتحدث كثيرا، إذا دخلت على جماعة وأنا بينهم اختارت أكثر الأماكن بعدا عني. برغم ما يمكن للقلب أن يشعر به من الألم غير أن السنوات الماضية علمتني أن أنأى بنفسي عن مطاردة من يتمنع عني، وأن أميز من أين يأتي الضعف والوجع. في سلامنا الأخير أسأل ل متى نتحدث ثانية فتجيبني بأنها لا تريد أن تفشخني، في الحقيقة أنا أشعر أحيانا بقسوة داخلية تجاه العالم أكبر مما يمكن لآخر أن يتوقعه. يمكنني الرحيل، ونسيان الآخرين وهجرانهم للحد الذي صرت فيه أخشى على نفسي. حين عدت إلى البيت لم أبد عاطفة كبيرة تجاه ي ولا وحشة تليق بالحب الذي بيننا. في الحقيقة ألوم نفسي على أنني لم أحضر لها تذكارا أو أحقق لها طلبها الوحيد مني بأن ألتقط صورة لبروفايلها أمام المحيط. حين وصلت إلى القاهرة كنت مستنزفا تماما. تجاهلت كل رغباتها في أن تجعلني أشعر بحميمية معها، وحدثتها بوضوح عن رغبتي في سفرها. لكنها لما انهارت وأخذت تبكي وأخبرتني أنها ستسافر مع أمها خلال شهر شعرت بغصة في قلبي. هذا الفراغ الكبير الذي يحوطني ولا ينتهي ملأته علي بحضورها وأخاف من غيابها. لا أريد أن أقع مرة أخرى فريسة وحدتي. وأفكر في الفراغ والبطالة التي طالت. اليوم كنت أتذكر عملي في “ألوان وأوتار”، كيف كانت الفرصة الأخيرة لي للاستمرار والنمو في عمل ثابت لكنني ضيعتها، لا أدري على وجه التحديد بسبب عاطفتي وحساسياتي الزائدة أم بسبب قسوتي لكنني صرت أشعر أن مشاعري الزائدة هي التي تسبب القسوة. على الأرجح تركت فيّ طفولتي الغير مستقرة وهزائم الثورة ووجع أمي ميلا دائما للهجران والعزلة والقطيعة. لكنني أشعر بالضجر من التواصل الزائد أو الزائف الزائد عن الحد. أتشبث الآن بوجود ي كدواء للوحدة وأتطلع إلى الاستقرار في عمل حتى وإن كان في المالديف. وأكتب كل شيء في محاولة للاطمئنان ولكن عبثا.