حسين فوزي: نهاية العالم مرة أخرى

Christ’s Descent into Hell by a follower of Hieronymus Bosch, 16th century. Source: metmuseum.org

قرأت على موقع اليوم السابع الخبر: الكرة الأرضية غدا فى الحضيض. مفاد التفاصيل كان أن كرة الأرض بدأت في التهاوي بعد أن عجزت قوة الجاذبية عن الاستمرار في مواكبة أعداد المواليد والتي لم تعد في حالة توازن مع أعداد الوفيات اليومية. ليست الكارثة ناجمة عن اصطدام، بل السرعة التي تبدأ الاشتعال والتآكل البطيء المستمر.
للصدفة، بدأ التآكل بشكل غير ممنهج دون خضوع لما يمكن وصفه في معادلات خاضعة للثوابت الرياضية والفيزيائية، في أكثر المناطق انعزالا والتي لا يصل منها لغالبية السكان أخبارا: جزيرة القيامة بتشيلي، جزائر تريستان دا كونا المطلة على جنوب المحيط الأطلسي، مدينة إيتوكورتيرمايت الواقعة في جرين لاند والتي تجاهل ذكرها معظم المواقع الإخبارية نتيجة اسمها المعقد والمستحيل تقريبا على النطق والذي يبعث في نفوس القراء الشعور بالبضان.
انتهيت من قراءة الخبر واسكتشفت بشكل أكثر توسعا في مواقع المجلات العلمية العالمية والموثوق منها. أدركت حتمية الأمر ودقته. تذكرت سببي لفتح صفحة جوجل من البدء. بحثت عن أعراض الصداع الذي تزايد بشكل ملحوظ في دوائري الاجتماعية عن طريق توتري وعصبيتي الدائمين، ناهيك عن عينيّ المنهكتين المقتربتين من الانغلاق التام فوق كونهما ضيقتين بالفعل. انتهى البحث عن أعراض الصداع على أنه لم يتبق من عمري سوى ثمانية وأربعين ساعة، وفكرت أن عمري أطول من عمر الأرض التي يسكنها جموع البشر.
كنت متحمسا لأرى كيف سيستقبل الجميع الكارثة. امتلأ التايم لاين بالاعترفات على سبيل التطهير الديني. الملتزمون على اختلاف أديانهم فرحوا أخيرا لملاقاة وجه الرب الكريم، وكان رهان القيامة هو المعرفة التي تأتي بعد فوات الأوان بمعرفة أي إله هو الحقيقي. النسويات نشرن صورا عارية لنهودهن المدلاة بدهون متراكمة قائلات إن كل ذلك الذي كان سببا في الحكم عليهن يوما ما، لم يعد شيئا الآن. الرجل الذي ادخر أموالا طائلة لإجراء عملية تبديل جنسه، أخذ يبذرها في كل ما حرم نفسه على مدار الوقت مشاركا أصدقائه بالصور. الأطفال والمراهقون أخذوا يبيعون ثروتهم من عملات ليج أوف ليچيندز بأخبس الأثمان وليس من يشتري. بالطبع كانت الميمز وكانت الرموز التعبيرية الصفراء المشيرة للضحك حتى البكاء. الشيء الوحيد الذي بعث في نفسي الحزن جراء كل ذلك، أن من تباهوا طوال الوقت باكتئاباتهم لم يتجدد لهم الأمل سوى مع اقتراب النهاية. الكل كان ينوح، والكل كان لا يهتم. عندما حاولت فتح تويتر، اكتشفت أن شبكة الاتصال انقطعت.
أدركت أن النهش المشتعل بدأ يصل لمنطقتنا.
قررت أن أخرج لأكتشف الأمور بنفسي. اهتمامي بمظهري كان عبثيا الآن وبدا أن الوقت يفوت، خرجت بما عليّ. انعدام الاهتمام الكاشف عن كراهية عميقة للذات في الظروف العادية، بدا لأول مرة مبررا.
الشوارع مهجورة وهو الطبيعي نسبةً إلى أن الزمن قد تعدى ما بعد منتصف الليل يليه صباح يوم عمل جديد. لكن شيئا كان يبعث الشعور بالقفر. نفايات ممتدة من هنا إلى هناك، قطط ببطون مبقورة، كلاب تنبح بقلق من حركة الهواء. باستثناء أنسمة چوينتات الحشيش وعطور الخمور المضروبة، لم يكن هناك ما يدل على الحضور البشري.
أكملت السير وصولا للميدان. وجدت هناك صفوفا مسرنمة بأوجه غير معبرة، تتحرك ببطء بشكل يعطيهم منحى الاستعراض العسكري. سألت أحدهم إلى أين هم منطلقون. قال لي إن الحكومة أذاعت بيانا أن المنطقة الآمنة الوحيدة في الجمهورية برمتها هو أسفل الجبل. حينما استفسرت عن أي جبل يقصد، قال والريالة تتساقط على شدقيه إن القطارات كلها توصّل إليه.
ثم سبقتهم إلى المحطة بخطوات متسعة لا تصل للركض بسبب برودة الليل. لم يكن هناك حراسا ولا عمالا، توجهت للكابينة وطبعت لنفسي تذكرة من الدرجة المكيفة. كان القطار بانتظاري طوال الوقت، دخلت وانطلق.
المقاعد كلها مشغولة، بلا ضوضاء. بدوا منومين، مشغولين بقراءة الجرائد، تصفُّح أشياء على الهواتف، مراقبة ما يقبع وراء النوافذ. وصل الناظر طالبا فحص التذاكر، وكلما سلمه أحدهم تذكرة، لاحظت أنهم يتجمدون بالكامل، تماثيل من الشمع يحفز تجمدها الشتاء. سألت من يجاورني إن كان يرى ما أرى، لم يجبني. وعندما أتى لي الناظر وقد فرغ من كل الركاب، ابتسم لي وابتعد.
حينما وصلت، وجدتني في متاهة. طرقة مبلطة عرضها ثلاثة أمتار وطولها لا ينتهي، بطرقات أخرى على الجانبين تفتح على طرقات أخرى دون نهاية.
مكملا السير محاولا تجنب الفزع ومفكرا كيف أخرج نفسي من ورطتي، وجدت فتاة عارية من أمامي، كُتِب على فخذها الأيمن بالنور ”سر“ وعلى الأيسر ”الحياة“. كانت بعيدة، وكانت تسرع منطلقة من طرقة إلى أخرى. مرشدي إليها كان صدى الصوت المنطلق من من خطواتها. ضاع الصوت، وأفلتت مني الفتاة، وقبل أن أكتئب مستسلما لآلام الرحيل. اكتشفت أن آخر طرقة انفتحت على منظر أوسع، هو قمة الجبل.
في الأسفل، كانت ساحة تجمع فيها كل الذين نجحوا في الوصول. دوت صيحات الاحتفال لأنهم ظنوا الشمس التي تلقي بسطوعها عليهم دليلا على النجاة. ولكن من أعلى موضعي، كنت أرى المجهر الضخم الذي فلح في اختراق طبقات الغلاف الجوي، والشمس لم تكن شمسا، بل انعكاسا من الخارج. وسط مزامير الابتهاج، لم يدرك أحد من الذين في الأسفل، أن الواحد هو الكل، لأن تلك هي طبيعة الخلايا المستنسخة. كان ذلك سهل الاكتشاف من خلال الحوافر التي كانت أرجلهم، والفرو الذي كان شعرهم.
بالتخاطر، بحثت عن أحد لأودعه في دماغي. وصلت لأمي، وما لبث الإرسال الروحي أن انقطع. وكانت النهاية، الثعابين اجتمعت تعض الكروكس في قدمي محاولة الوصول لعنقي الغير دافئ. مساعي إبعادها باءت بالفشل، وكنت أنظر الآن للتجمعات بالأسفل وهي تصفر ناظرة لي طالبة برؤية جثة تلقى خارجة منها الدم. ولكن أملهم تحول لحسرة، وهم يشاهدونني أغرق في الأسفلت
الذي كنت أقف عليه طوال الوقت وقد تحول لأسمنت مموه.
وآخر ما سمعت كان: الغراب الذي قتلته بعد أن قذفت مني الموت على حجره، كانت روحي بداخله.