محمود حسني: وهم البحر

J. M. W. Turner, “Stormy Sea Breaking on the Shore”, 1840-45. Source: Wikipedia 

المكان مختنق، كما سيكون دوما. ونحن صغار جدا، كأسماك صغيرة، سريعة الحركة، تملأ شتاء خليج هذه المدينة الصغيرة. صغارا كنا، لا يتوقفون عن الحركة، تُلوِّح وجوههم شمس قوية تطل من جهة الخليج الضيق وتسقط وراء الجبل الداكن.
كنا أطفالا ينتظرون نهاية الأسبوع ليهرولوا إلى شاطئ الخليج. خليج صغير، يستريح إلى سفح جبل ناري، تركن إليه السفن الضخمة، ملتقطة أنفاسها، قبل أن تحبو ببطء في ممر القناة الضيق. خليج تتراكم الصخور على شاطئه، تنحسر عنه المياه أغلب الوقت، فنُشمِّر سراويلنا، نتلمّس بأطراف أقدامنا رماله المُشبّعة بالماء والملح مُلتقطين القواقع والمحار. نمشي في واديه الجاف خمسين مترًا، مائة، مائتين، حتى تصل أقدامنا إلى دفء مياهه الهادئة، ثم نعود راكضين، صارخين فرحا بما أعطانا.
كنا نتوق إلى نهاية الأسبوع حتى نزور البحر. هكذا كان الأمر: أن “نزور” البحر. وكأن البحر وحيد، يحتاج أن نزوره.
كان البحر قريبًا منّا كمشهد، لا كاستخدام. لا سباحة في الخليج؛ مياهه أقل من أن تكون للسباحة، هكذا يقول الآباء. فنتسلّل في الصباح قبل المدرسة، وفي أول الليل خلال العطلات. نتسلل لنمارس مشاغبة مع البحر، مع وهم البحر، فتعلو موجاته قليلًا، وكأنها ترد مشاغباتنا بمشاغبة تترك أثر الملح على سراويلنا، حين يجف الماء عنها. فيفتضح كذبنا حين تسأل الأمهات: لم تأخرتم! يفتضح كذبنا بعدما أوهمنا أمهاتنا أننا لن “نزور” البحر.
وكم من مرة اقشعر جسد الطفل كلما جلس على صخور الخليج؛ يرى الشمس تطعن الأفق فيسيل دمه شفقا منعكسا كبحيرة سماوية على وجه مياه الخليج. كم من مرة أفاق الطفل من براءة الطعنة على أثر الرائحة القاتمة لشعلات مصانع بترول تنتصب بين الخليج وسفح الجبل. كأنها من موضعها تحرق الجبل، تخرج ألسنتها المشتعلة للطفل، خبثا: لأمزِّق خيط وصلك الهشّ مع المشهد. فيُوقف الخليج مشاغبات موجه، يتوقف الجبل عن التراقص بين ظل وضوء، ويحل الظلام، ممتدًا في الأفق، لا يقطعه سوى الضوء الكريه لألسنة شعلات تمارس رقصة عصبية طيلة الليل.
وما الذي كان أسوأ من أن تصرخ الشعلات في وجهه، طاردة إياه من جهة البحر؟ ما الذي كان أسوأ من هذا سوى أن تنطفئ الشعلات، فتتلبّد السماء بغمامات سوداء، وتُمسك الرائحة القاتمة بجنبات الهواء.
وها نحن نهرب، ليس فقط من جهة البحر، بل من المشهد كله. نختبئ في البيوت. لا نحتمل ثقل شتاء سقِم برائحة تمتلئ صدورنا بها حين نخرج إلى المدرسة. لا مهرب إذن، لا مهرب حينها من أن ينبعث من صدورنا كره للمدرسة، كره للمكان، للمدينة، للبحر، للجبل، ولقدر ضحل، كمياه الخليج، لا يبلغ أرساغ أقدامنا.
ويظل الحال على حاله هكذا، في البرد أو الحر، لا يفلت الاختناق القاتم المكان حتى ينفث اللهب من جديد، فتتفتّت بتثاقل غمامات الأفق السوداء.
ليكن شر أقل من شر إذن، هكذا يقول قلب الطفل. ليكن لهب يطردنا من جهة البحر، أهون من احتضار شعلات يطاردنا حتى بين نتوءات الوقت.
أما الوقت فكان بسيطا. وَعاه، الطفل، بسيطا؛ يأخذ إيقاع حركته من حبو مدينة كانت دوما بسيطة. رغم ذلك، لم يألفه الطفل. لم يألف شارعا عريضا بدت المدينة من على جانبيه، كضفتي نهر من الأسفلت. على الضفة الغربية، ثمة بيت صغير، دون شرفات. فقط نوافذ تلفحها شمس حارقة كل ظهيرة، تطل على صخب اعتاده الطفل دون أن يألفه.
من بين جنبات ذلك الصخب، اعتاد الطفل أن يتسلل، عابرا الطريق النهر. يجري، يقطع الطريق، يضحك بصوت عال، ها هو هناك، على الضفة الأخرى، حيث الهواء أخف، حيث الظل أحنّ. أو هكذا كان يظن.

ها هو الطفل، يقف في عودته من المدرسة على عتبة باب السيارة الأجرة المفتوح أثناء سيرها، ممسكا بشبكة سقفها، كما يفعل الكبار حين تكون العربات ممتلئة. فيتمنى قلبه ألا يجذبه أحدهم من يده مُدخِلا إياه إلى جوف الجسد الحديدي المزدحم بالأنفاس والعرق. يتمنى أن يتركوه يتتبّع الزحام من موضع وقوفه، أن يشعر بجسده يقاوم تيار الهواء العكسي، مهوِّنا القيظ. فيفكر الطفل، ابن العاشرة: لِم يتحرك الجميع هنا في اتجاه واحد؟ لِم يتحركون حشودا، جيئة وذهابًا؟ يضيق قلبه بالسؤال، يضيق كلما اشتد القيظ، كلما تكدّست الكتل الحديدية، فاختنقت الفراغات بينها.
يسمع حينها صوت قلبه خافتا:
لتهرب إذن،
من كل ضيق،
ضيق الطريق الأوحد،
ضيق نوافذ البيت،
لتهرب من قتامة الهواء المختنق،
لتهرب حد التيه،
ولا يكون لك مستقر إلا جهة البحر،
إلا جهة تتوهم ناحيتها بحرا.
“أنظر! تلك الغمامة، تأخذ شكل محارة كالتي التقطَّها أمس!”، يفيقه من نداءات قلبه صوت صاحبه الواقف إلى جواره على باب الميكروباص، مُمسكا مثله بشبكة السقف.
ينظر إلى الغمامة، مقطبا جبينه من أثر الشمس. يبقى على حاله هنيهة، يلتفت إلى صاحبه، بعينين مفتوحتين على اتساعهما، ثم فجأة ينادي السائق زاعقا: “أنزلنا هنا!”
– أين سنذهب؟ يسأله صاحبه.
– إلى البحر!
– لِم؟
– سنهرب!
– كيف؟
– السفينة الضخمة التي رأيناها أمس، قريبة في مياه الخليج! سنصعد إليها لنختبئ، ونهرب معها حين تتحرك.
– لكن لِم؟
يشرد قليلا، ثم يقول: لأن هناك ربما يمكن أن نتشكّل على هيئة محارة، كما هو حال الغمامة. ينظر إلى الغمامة المحارة ثم يكمل: حينها لن يجذبنا أحد من أذرعنا، مانعا إيانا من رؤية الطريق!
– لكن ليس هناك طريق فوق السفينة! يقول الصاحب.
– البحر هو الطريق! يرد الطفل.
– وكيف سنعود حين نريد؟
– ألا ترى كيف أن مياه الخليج ليست عالية؟ سنعود طالما أعيننا ترى الجبل من على ظهر السفينة!
يصرخ صاحبه حماسا. يرميان حقيبتي المدرسة على جانب الطريق راكضين حتى يصلا إلى الشاطئ.
– لا تزال السفينة هناك! يصيح الطفل، وبصوته خلجات انتصار ما.
يخلعان حذائيهما. يشمّران أساوير سرواليهما. يركضان فوق الرمال المشبّعة بالمياه والملح، منغرسة أقدامهما بين الحين والآخر. يتعثران، يضحكان، يكملان. تضرب أقدامهما في أول المياه. يكملان ركضهما. لأول مرة تعلو المياه ركبتي الطفل. لأول مرة لا تعود المياه دافئة.
السفينة قريبة، لن نحتاج الكثير حتى نصل، يفكّر الطفل.
يمضيان ببطء أكبر كلما أوغلا. صدراهما الصغيران النحيلان يرتعشان من أثر برودة المياه. يخاف الصاحب: أُنهكت! لا يمكنني المضي.
من بعيد، يأتيهما صوت صياد في قاربه الصغير، يناديهما، يرفع يده مشيرا لهما حتى يعودا.
– سأعود، يقول الصاحب.
يمضي الطفل على أطراف أصابع قدميه. يمضي حتى لا تعود قدماه تلمسان الرمال. حينها، سينتبه لأول مرة إلى أنه لا يستطيع المضي أكثر. السير في المياه ليس كالسير على الأرض. السير في المياه يحتاج أن تسبح. وهو، لا أحد علّمه السباحة. لا أحد أخبره بما عليه أن يفعله حين لا تعود قدماه تلمسان الرمال.
المياه تغمره. الصاحب يصرخ، عائدا بمشقة. الصياد ينادي، والطفل تحت الماء. يفتح عينيه فيلسعهما ملح البحر. يغلقهما سريعا ثم يعود ليفتحهما، فلا يجد أثرًا للسفينة تحت المياه. لا شيء سوى فضاء أزرق باهت بارد. يحاول أن يلمس رمال القاع بقدميه حتى يدفع نفسه صاعدا. لكن جسده النحيل يتلوّى ذعرا، تتلاعب به المياه، ليس في وسعه سوى أن يستسلم فاقدا الوعي في انجرافه مع حركة التيار. معلّق، جسد الطفل، لا طافيا ولا مستقرا في قاع.
يهمس إلى صدره صوت المحارة الغمامة: لن تُغادر المكان قبل أن يموت أبوك.
ينبض قلبه بدفقة تتمدّد في أضلع صدره المالح.
يعود الصوت الهامس: حين تعود إلى البيت سيكون أبوك قد مات. فلا تُغادر المكان حينها.
تنفتح عينا الطفل مذعورتين، نصف واع، نصف مخدّر. مرة أخرى يأتيه صوت المحارة هادئا كقدر غير عابئ:
رقّع شباكك،
رمّم خشب قاربك،
ولا تغادر المكان إلا حين ترى، في حُلمك،
أيائل تركض فوق مياه الخليج.
فاتبع أثرها.
اتبعها، إلى حيث مستقرها.