بخيتة عبد الله: أيام عادية في حياة إنسان حديث

Youssef Rakha, “Winter Light”, January, 2020

اليوم 
شعرك يبدو بهيئة جيدة
والشمس ترسل أشعة رحيمة
وقد لا تكون فكرة سيئة تماماً
لو قررت ألا تجعل من الهستيريا
وعدم الاتساق
والحس العبثي
جزءاً أساسياً من هذا اليوم
الـوحـدة
أعاقب وحدتي بالضوء
أشتري الكثير من المصابيح القوية
أشعلها جميعها لأتمكن من رؤية ندمي جيداً
أحدق فيها باستمرار
حتى تبدأ عيناي بتخيل ظلال متضاربة
لكل شخص أذنبت في حقه
الفـكرة
أشعر بالفكرة وهي ترتطم بحاجز ملموس داخل دماغي
أحاول التمسك بها
أستجديها بالجوع واللاوعي
ولكنها تضيع على الفور
أقول: ماذا لو تحولت الفكرة إلى ذكرى؟
ماذا لو تسللت مجموعة النيورونات تلك من مكانها؟
وقررت تخطي الفص الجبهي والاستقرار في مكان ذكرى طواها الزمن
ثم تظاهرت بلعب دورها بالكامل
وماذا لو حدث العكس؟
ما الذي يثبت لك أن ماضيك ليس إلا سرداً عاطفياً للواقع وليس للفكرة؟
الشجرة
هناك شجرة صغيرة تورق داخل صدري بعد منتصف الليل
حين أستلقي للنوم
أشعر بأوراقها تزهر ببطء
لا أحس بالأمر كما يبدو لك الآن في اللغة
الأمر مريع في الواقع
أرفع ياقة القميص حتى عنقي
لأمنع الأوراق من التفرع وتغطية جسدي بالكامل
لا أريد أن أموت مغطاة بأوراق الشجر
أريد ميتة بجلد بشري شاحب وبارد
وأن أكون متروكة هناك في المطلق دون حماية
تاريخ شخصي
ماذا لو تستطيع فرد تاريخك كله
على سطح أملس
ثم تأتي بشفرة حلاقة
وتمررها عليه بالكامل
لتشذبه وتتخلص من نتؤاته
ثم تسحبها إلى آخر الجانب الأيمن
وتنفخ حماقاتك المتجمعة على الزاوية
فتتطاير مثل تراب مقدس لأسباب خاطئة
تنظر للسطح الأملس بكل رضا
و تبدأ من جديد 
 
المدينة I
أفكر في دوارات المدينة
كتفسير لقسوة أهلها
كيف يمكن أن تتعرض لكل ذلك الدوران يومياً
وتبقى دون أحقاد
كل تلك الدوائر الرواقية
لا خيار لها سوى أن تكون كابوساً أو متاهة
نتجه كل صباح لمكاتبنا
نمر بالدوار الأبدي ذاته
نمارس العنصرية ضد عامل المكتب
نتظاهر بنسيان تاريخنا الدموي
والبنادق وقطاع الطرق
كل ثلاثاء أترك المكتب
لأقف عند الدوّار
وأبيع نبوءتي بأن المسيح الدجال سيظهر
في ذلك الخط الفاصل بين الفيلات والمساكن الشعبية
وأنه اختار مدينتنا بالذات لقسوة أهلها
المدينة المصابة بالملل والوشاية
المجردة من الميثولوجيا والأبطال
إلا ذلك الشخص في أقصى الشمال
والذي يفكر في طريقة للانتحار
كفعل سيادي شخصي ضدها
 
II المدينة
في هذه المدينة
تشعر بالخيانة في كل مرة تشرق فيها الشمس
كل مرة
وفي الشتاء
يسقط المطر من المزاريب
ولكنه لا يغطي صوت شجار الجيران
فتضطر للخروج من المنزل على كل حال
لتجمع السدر والغاف ومآسي الأصدقاء
ثم تتصنع الوقوع في الحب للحظة
لأنه هناك كما تعلم… مطر!
وفي كل مرة تلتفت جنوباً
تجد الجبل
مرتكزاً على مقابر العصر البرونزي
مشرفاً على الملاحم الصغيرة
التي تحدث عند كل وادي
مستعداً دائماً للحكم على قراراتك
مزوداً بقصص وأساطير الجن
لو تطلب منه الأمر ذلك
III
هذه المدينة هي طفلتنا المدللة
التي فشلنا في منحها أسلحة
تواجه بها الواقع
يوم عادي في حياة إنسان حديث
أحدق في قطعة الشوكولاتة
آراها كما هي عليه في الحقيقة:
كل الحيوات والشتاءات التي ستتوقف عن الحدوث
قطعة الشوكولاتة هذه
هي النهاية

أنتظر الحمى
مثل أية كلبة شعر أخرى
أحشو رأسي بنفايات ما بعد الحداثة
لأحصل على هوية ذاتية
وأعلم أن الشعر غير معني بكل هذا الزيف
لكني أحاول ترميم الوقت
وتفادي المعنى

العين الوحيدة التي كانت ترمش
مرمية على رأس جبل من العيون المستقلة
أحسدها
فهي غير مرتبطة بوعي ناقص
يزيّف تجربتها
يحيلها لمزحة قاسية
هي الكينونة
 
أشياء تعرفها
نحن نمشي على الثلج
كتاب في يدك
أنت تعرف كيف تستمر في المشي والقراءة
دون أن تسقط في أي من أفخاخ الطريق
مثل ملاكم
أو مدرب أسود في سيرك متنقل
أو أي رجل آخر يمكنني الإعجاب به
هناك نسخة أفلاطونية منك في كل رجل جميل
كل رجل جميل هو أنت
نصل لوجهتنا
دون أن نصل فعلاً
أنت تعرف كيف تفعل أشياء دون أن تتورط
وتقول أشياء لا تدينك
وتسخر دون أن يكرهك أحد
تعرف كيف تبتسم في الصور الجماعية
تعرف اللحظة التي تتوقف فيها عن الابتسام
فيسقط جميع من في الصورة
وتبدو أنت مثل بطل سخيف في فيلم قديم
أو مثل خرافة
I
تركت الأبدية كدمة على جلدي
في طريقها للقيامة
لا أشعر بالفقد
أفرك الكدمة
إمعاناً في الخطيئة
II
أنا والفتى
نتجاهل القيامة
نرقص بلا اتزان
نصنع دوائر بالدخان
و بيورك تقحم صوتها
بين رأسينا
فيأتي الشيطان بابتسامة
ويعبث بحبنا
ولكننا سنصنع حباً جديداً
فلا تعود لنا أية حاجة
للأبدية
أبواب عدوّة
اعتدتِ عداء الأبواب
أصواتها وهي تُغلق
القفل يدور مرتين
وعد ضمنيّ
للتأكد من سرّية تحطيمك
وأبواب أخرى
لا وجود لها
سوى في رأسك
ولكنك تفتحينها على مداها
فتندلع أصوات الموتى
وخراء عقود من الكولونيالية
والاقتصادات السيئة
تسمعينها جيداً
وتصدقين
ومثل كل ليلة سابقة
تتركين باب الغرفة موارباً
ليأتي هو
ساحباً معه إرثه الهش
يلوح به أمامك
مثل مسدس فارغ
وتنظرين
قفل الباب يدور مرتين
وعد ضمنيّ
لهزيمتك
عدم محض
نظر إلى المرآة
كانت ملامحه قد بدأت في التشوش
في المساء
صارت أفكاره أقل ترابطاً
وجمله أكثر عشوائية
كان يرتطم بالجدران والنوافذ
ويبحث عن ظله فلا يجده
صباح اليوم التالي
لفظه الرصيف
وطاردته الوحدة بلا هوادة
إلى أن اعتاد الأمر
فكان يمسكها
يلفها على كتفيه
ويربّت على أطرافها بألفة
في النهاية
بصق في وجهه الليل
فبنى منزلاً صغيراً
وراقب نفسه وهو يسقط كل يوم
من نافذة الطابق العلوي
ثم توقف عن كونه هو
أياً كان ما يعنيه ذلك
صار عدماً محضاً
كما كان يليق به منذ البدء