سلمى الداني: شاهد رقيق

Moises Saman, Japan, 2017. Source: magnumphotos.com

تجلس على أريكة مخملية متأملة حوضًا صغيرًا من السيراميك ذا زخارف يبدو أنها أندلسية، لا تستطيع تمييز جميع ألوان زخارفه بسبب رغوة الصابون، تأخذ رشفة من الشاي الذي مدته لها أخصائية المساج، وكعادتها تتساءل بينها وبين نفسها وهي لا تنتظر إجابة ما: هل هو بطعم البابونج مع العسل؟ فترتشف رشفة أخرى، ثم تنتبه أن روبها يبدو مرتخيًا حتى بدا صدرها؛ لكنها لا تبالي. تمد قدميها بحذر وهي تدخلهما في الحوض، وتُرجع ظهرها باسترخاء على الأريكة راجية أن ستستطيع النوم بشكل عمي بعد هذا المساج.   
تخرج قدميها من الحوض، وتخلع الروب الحريري عن جسدها، تتردد في خلع القلادة الفضية فتتركها مكانها؛ وتتبع تعليمات المدلكة بأن تنام على بطنها، وتضع وجهها داخل فتحة مجوفة في طرف السرير. الإضاءة الخافتة؛ ورائحة الشموع العطرية؛ والموسيقى الخلفية الداعية للاسترخاء؛ تزيد من حدة توترها، لم تستغرب هذا التوتر فهي تدرك أن ردود فعلها المغايرة أمر طبيعي. لا تهتم بما تشعر به في تلك اللحظة
تغمض عينيها محاولة أن تخفف وطأة قلقها والمدلكة تدلك كتفيها بنعومة متسائلة إذا كانت درجة الضغط جيدة، تحاول أن توقف التساؤل الذي يطرأ على عقلها كمطرقة لا تكف عن الطرق بصوت مدو، ما الذي يجعلني أكرر زيارة السبا بشكل متقارب؟
تقول لنفسها ربما ذلك عائد لأيام العمل المنهكة، وواجبات المنزل، وطلبات الأطفال التي لا تنتهي، والزيارات التي يجب أن ترافق فيها أمها. يقطع صوتها الداخلي صوت المدلكة وهي تسألها بصوت هامس إن كانت الموسيقى تعجبها، تصيبها قشعريرة مفاجئة وهي تهز رأسها بنعم، تخيفها هذه السلطة الممنوحة لها بأن تتحكم بكل شيء: درجة الإضاءة؛ رائحة الزيت العطري المستخدم؛ نوع الموسيقىودرجة الضغط الذي تبذله المدلكة بأصابعها على جسدها.
تحاول أن تخاطب نفسها كما علمتها مدربة اليوغا: استرخي، أنتِ هنا للاسترخاء، تحاول جاهدة أن تلقي بجسدها بعيدًا عنها، كأنها تتخلص من عبء أزلي، فتتخيل كأنها فوق غيمة بعيدة عن كل عوالمها، لكن عقلها لا يكف عن عرض صور مختلفة ومتباينة من حياتها.
المكان ذو الإضاءة الخافتة والموسيقى يستثيران ذكرياتها، والقلادة الفضية تتدلى بسكون من الفتحة التي أسندت رأسها عليها، تبدو لها هذه القلادة الفضية تحيط برقبتها كحبل مشنقة أو كأنها تجرّها إلى الهاوية.
القلادة التي اجتذبتها للوهلة الأولى في البوتيك، فضية حُفر عليهالقد جمعنا الحب فمن يفرقنا، أصابتها رغبة حينها بالمقاومة والرفض؛ شيء لا تستطيع وصفه أو تحييد معناه، أزعجها هذا النزاع الداخلي أمام قلادة، لاحظت البائعة ترددها فبادرت لعرض قلادة أخرى حفر عليها كلمةسعادةلكنها بدت لها لافتة واضحة أنها تفتقد للسعادة، أو كأنها إله قادر على حجر السعادة في قلادة لا يرتديها سواها، وبلطف بالغ قالت لها البائعة: السعادة تناسبك.  كادت أن تضحك بصوت عالٍ وتسأل البائعة عن الأسباب التي تجعل من قلادة السعادة تناسبها؟  لكنها بردة فعل حادة وسريعة اختارت الأخرى، كأنها تحسم أمرًا ما جوهريًا في حياتها، وتؤكد عدم خضوعها لأحد.
لقد ظلت لعدة أيام غير قادرة على ارتدائها، وحينما ارتدتها للمرة الأولى ظنت أن كل النساء ينظرن إليها، كأنها عارية تمامًا إلا من قلادة تزين رقبتها وحفر عليها جملة تتباهى بما لا تملكه: “لقد جمعنا الحب فمن يفرقنا“.
تذكر ذلك الحفل، حينما عادت إلى منزلها الذي يبدو دافئًا ومختلفًا بالأنتيكات والصور التي تزينه، وقفت بزهو تتأمل نفسها في المرآة، وهي تستطيع أن تستقرئ من عيون الأخريات كم كانت جميلة وأنيقة، ووجهها يبدو مشعًا بالحياة، لكن شعور ارتياب نال منها، حينما تأملت مدخل المنزل المزين بتحف اقتنياها سويًا في رحلاتهما، وصورهما المعلقة في إطارات ذهبية، حيث بدا لها زوجها كأنه جامد داخل البرواز منذ ذلك الحين.
ساءها أنها لم تكن لتستعرض بحبهما قبل ذلك، فلم تكن تتحدث مع زميلاتها عن قلقها قبل سفرها لرحلة عمل عن كيف سيفتقد طبخها لوجبته المفضلة خلال غيابها، لذلك أخافها إدراكها في الآونة الأخيرة أنها تحتاج إلى شاهد حتى تتماسك ثقتها بنفسها؛ شاهد رقيق كقلادة فضية، أو صورة لزمن جميل مضى تستحضره كحياة أبدية.
تمد يدها متحسسة رقبتها، كأنها تحاول أن تنتزع القلادة بغضب، تسألها المدلكة: هل من شيء يضايقها؟ تعيد يدها إلى مكانها متظاهرة بالاسترخاء، قائلة لا، وتشعر بالنشوة لخوفها ورضوخها.
تهمس لها المدلكة: أكتافك مليئة بالعقد، يبدو جسدكِ مشدودًا دائمًا، ثم تردف: لديكِ أقدام ناعمة كطفل رضيع، وجسد جميل لا يستحق هذا القلق، فتلتبس ذكرياتها بعد كلماتها، حتى أن رائحة الزيت العطري باللوز والياسمين تفوح كأنها تشمه للمرة الأولى، تسألها المدلكة مرة أخرى: هل أنتِ متزوجة؟ تصمت قليلا، تبتسم المدلكة وكأنها تفهم هذا النوع من الصمت.
حينها انزلق تأصابع المدلكة اللدنة بسرعة من أعلى كفيها حتى تمسك بخصرها الصغير،وهمست لها: ارتاحي، ثم أدخلت يديها ببطء تحت بطنها، ثم عادت مرة أخرى إلى أكتافها وانزلقت مرة أخرى متحسسة كل ظهرها حتى تصل إلى آخره، وكررت ذلك عدة مرات بوتيرة أسرع، وحينما وصلت إلى خصرها آخر مرة ضغطته بقوة، اقتربت منها، أنفاسها حارقة تلهب جسداً تجيب، همساته وأنينه الملتبس بالخجل والرغبة عن سؤالها الصامت.