هرمس: الدخان

Julian Schnabel, “The Student of Prague”, 1983. Source: guggenheim.org

١
في النهار الغائم الذي وجد فيه محمد ذكرياته، كانت السماء قريبةً، والطقس أبرد من المعتاد. إن الخريف إلى زوال، والشتاء القادم قد يحمل له أكثر من عقبة. نظرةٌ إلى القمر منذ عدة أسابيع ذكرته، أو بدأت تدوير دولاب الذكريات. كانت حياته الرتيبة تتكسر ببطء، وهو بعد أن جرّب الروتين، نسي أيام صعلكته دون نظام يذكر. بحث عن الروتين في ثمانية مشافٍ نفسية، بين الأطباء والممرضات، ولم يجده؛ القيمة الأصلية عنده كانت أن يتحلى الناس بالذوق، والذوق هو أن تجرّب بذاتك، أي أن تنغمس بنفسك في التجربة، وبين الأعوام جلس يفكر؛ ها هي الأيام تمضي به، وصل لأمريكا أخيرًا، والجو باردٌ والوجوه باردة، الشجر الشهير عارٍ، والسماء مكسوة بغلالة سميكة من الركام.
٢
في الصباح يهبط سلالم الباب الخلفي، عليه أن يستيقظ أولا. وهذا هو همّه الخاص، بين رعدةٍ ورشفة، والدخان: الحارة الخلفية قبل الموسيقا، الموسيقا بعد الغسل، الكتابة. سيكتب اليوم عن نفسه أخيرا، ما تركه في مصر. المحير في الأمر ألا يشعر محمد بقيمة المال، وكأن حياته خلو منه. هل قابلت شخصا في يوم لا يشغل المال تفكيره، محمد لا يشغل المال تفكيره، وفي آخر شبابه كما هو الآن فهو لا يفكر في النساء أيضا. ربما هي الأقراص الملونة، التي وصفتها ثمانية مشاف، على أمل أن يكف. نعم أرادوه أن يكف عن كل ما يفعله، يكف عن السّهر، والمشي، والموسيقا، والشّعر، والرسم أيضا.
٣
محمد كان ناجيا، فهو كلما دخل مشفى شعر أنه لن يغادره أبدًا، ثم بدأ بإعداد العدة للخروج، وهو كذا. قالت إحداهن يومًا أنه الرجل الطائر بامتياز، لا يمكث بمحل، لا يمكث بقلب، لا يمكث بعقل، يمضي وكفى. الطريق التي سلكها محمد لينجو كانت زهده في كل شيء، وفي الحقيقة فإنه لم يجد ما يتمسك به في حياته، خلا بعض المقولات الغريبة، واللوحات الغريبة، وقطع موسيقية غريبة. ومضى يبشّر بالندرة والغرابة. أولا بشّر بالندرة، أن النادر ينبغي أن يندرج في المجتمع، وأن الغريب يجب أن يكرم، لأن الغريب إن لم يكرم أكل الزاد والولد.
٤
الجو غائم، وزوجتي غاضبة كما يبدو، وأنا سأتجاهل غضبها وأهرب للطريق، هناك في البرد سأدخن، وأحدث السنجاب، وحين أعود إلى البيت، قد عدت بالفعل، سأبحث عن آخر ما أكلته الذاكرة، ونسي. النسيان قد يكون هو المحو الشهير، وقد لا يكونه، لكن النسيان أتى على كل ذكرياتي، وأنا أخطط في العتمةِ لتفجير ذاكرتي، أريد أن أجد الكنز، أريد أن أدخن.