أمجد الصبان: اللسان

albino-children-tanzania

Tony Karumba (Getty), albino children in Tanzania, 2009. Source: newsweek.com

بعد منتصف الليل، استيقظت فجأة. رفعت رأسي قليلا عن المخدة، ونظرتُ إلي. الساعة التي تشع لونا أخضر في الظلام، كانت العقارب تشير إلي الرابعة فجرًا، قلت لنفسي ” هانت”، مجرد ساعتين وتتوفى جدتي، ثم تتغير حياتي عقبًا على رأس.
كنت أتلهف إلي لحظة وفاتها، وهي من خلقت هذه اللهفة. أخبرتني في لحظة صفاء منها، ولحظة إحباط ومعانأة شديدة مني، إنها عندما تموت سيصاب جميع أفراد العائلة باللعنة، وحينها أستطيع أن آخذ كل النقود والذهب المرصوص في بيت العائلة وأهرب بعيدًا. ثم أضافت بحب ” تستاهل إنتَ وأمك، تعبتوا كتير”.
كنتُ موقنا أن الصحيان والانتظار سيأكلانني أكلاً. حاولت أن أمد في أحداث الأحلام التي أحلمها، أو أنقلها إلي ذكريات الماضي، لكني فشلت بسبب صوت خبطات أمي علي خشبة سريري، كأنها تستأذن الدخول. أخبرتني في لهفة إنهم أخدوا جدتي إلي المستشفي من فترة، ولكن خبر الوفاة لم يأت بعد. عدلت  جلستي، وأرحت ظهري علي مسند السرير، أشعلت نور الغرفة وتمعنت لوهلة في أمي، فوجدتها قد نزل طولها إلي النصف وأدرك أني جدتي ماتت، وأمي لُعنت أيضا.
أنتفضت من علي السرير، أمسكت أمي من يدها وجررتها خلفي. أدخلتها إلي غرفتها وطلبت منها أن تبقى بالداخل ولا تحاول الهرب حتي لا يكتشف أحد خطتنا ويعتدي عليها. انتظري حتي ندفن جدتي، ونجمع المال ونهرب سويًا، دعت لي بأن يسدد الله خطاي ثم خرجت من الغرة، وأغلقت الباب بالمفتاح. ذهبت إلي المطبخ، فتحت كل الأدراج حتي وجدت المقص، ثم وضعته في جيبي الخلفي، وقبل أن أخرج وقفت أمام المرآة لأتأكد من أني لم ألعن بعد.
كان الطريق إلي المستشفي مزدحمًا، وكنتُ في قمة غضبيّ. أحرق السجائر، وأتخيلني أحاور جدتي، أطلب منها أن تصارحني بكل شيّ.  لماذا لعنتِ أمي علي الرغم من أنها تعرف أني أستطيع فك اللعنة؟ ولمَ تلعن أمي من الأساس، ألم تخدمها بما يكفي؟ ألم تعرف مقدار حبي وتعلقي بأمي. لماذا كذبتِ عليّ، وأنتِ تدعين إنك تحبينني أكثر من كل أفراد العائلة؟ كنت مرعوبًا ومتخوفًا مما هو قادم.
ترجلت من سيارة الأجرة. وقفت أمام البوابة الخلفية. مسحت عرقي بمنديل، ثم عبرت من البوابة المواربة. علي الرغم من أن السبب الرئيسي لقدومي إلي المستشفي هو أن آخذ جثة جدتي وأقطع لسانها فتنفك اللعنة، إلا أن فكرة تواجدي بالقرب من المشرحة، تثير فيّ الرعب.
كان الواقفون أمام باب المشرحة قلة قليلة، يحتمون في ظل شجرة أو ظلال حيوانات ضخمة. كنتُ أعرف أن هذه الظلال هم أفراد عائلتي، وأدركت أن اللعنة اكتملت. عندما رأوني، أقبلوا علي بسرعة، كأنهم فراخ وأنا دورق ماء في ليلة عطش شديد. لم يدركوا بعد أنهم تلاشوا تمامًا، أن تكوينهم الجسدي زال وتحول إلي مجرد ظل يدوس عليه الرائح والغادي. كنت أفكر في أمي وفيمَ تشعر الآن. حتي أقاوم البكاء، عبرت باب المشرحة عازمًا علي قطع لسان جدتي من عرقوبه. كان الموظف المسئول عن الجثث يفرد قدميه علي المكتب ويدير رأسه إلي الخلف وبيعينه يحاول أن يقرأ لوحة التقويم المعلقة خلفه علي الحائط. وضعت له بطاقتي علي المكتب فحاول أن يقرأ بعينه من بعيد. فشل، فقرّب جسده أكثر وقرأ اسمي. بانت عليه علامات الراحة، ابتسم وهو يُنزل قدميه من علي المكتب وقال “إنتَ اللي كنت بتكلمني في التليفون تستعجلني؟” فأومأت بالإيجاب. ثم قال” أُمّال اتأخرت ليه يا أستاذ؟” لم أرد.
طلب مني استكمال الأوراق المطلوبة حتي يفرج عن الجثة، وقبل أن أخرج من الباب، علق علي صدري يافطة صغيرة كتب لها “أنا حزين، لدي حالة وفاة”. قال بحزم إنها ستساعدني في تسهيل الإجراءات. خرجتُ من مكتبه، فتهافتت عليّ الظلال. كانت تلك هي المرة الأولي التي أشعر تجاههم فيها بمشاعر عطف ولا أدري لماذا كل ما أريده أن أخلصهم فورا.
خرجت من البوابة وهم يتبعونني، وبدأت نظرات العابرين تلتقطني، أو بالأخري تلتقط الورقة الملصوقة علي صدري. لمحها شاب في منتصف العشرينات فجاء وحضنني. ابتسمت له، وعندما أدار وجهه نزعت اليافطة مع علي صدري، ورميتها علي الأرض.
ذهبتُ إلي المقهي المقابل لبوابة المشرحة لأستخرج الأوراق من هناك، وقد كان مشهورًا بذلك. ابتدأ مقهي عاديًا يجلس عليه رواد طبيعيون إلي أن حزن أهالي الموتي فنفضت نهنهات الدموع من عليه كل الزبائن. أجر صاحب المقهي  موظفًا حكوميًا ودفع له راتباً كبيراً كي يتأتي إلي المقهي لينهي إجراءات المتوفين. أقسم راوي الحكاية إنهم في فترة سابقة فتحوا مشرحة خصوصي بالداخل. وكانت أغلب الجثث تتحول إلي المقهي بدلا من المشرحة الرئيسية. لكن المشهد العام في الشارع كان فظًا، فتراجعوا عن الفكرة وحافظ كل منهما علي تخصصه.
وضعت الأوراق علي المكتب الذي لا ألمح من يجلس خلفه من  ثقل دخان شيشته. خرجت يد من وسْط الدخان قلبت الأوراق، ثم سمعت صوته الجهوري يسألني أين اليافطة؟ أخبرته إني مزقتها. صرخ فيّ بصوت عال، ولقنني درسًا في كيف أنني إنسان جاحد لا أتقبل ولا أريد الدعم والإخاء. أخبرني إنه لن ينهي أوراقي، إلا عندما أضع يافطة أخري.
عدتُ إلي المستشفي، دفعت جزاءً واشتريت يافطة جديدة علقتها علي صدري. بعدما عبرت بوابة المستشفي، وجدتُ رجلا بدينا يقف في طريقي، وبينما أحاول تجاوزه، حضنني بقوة. دفعته ثم نظرت إلي ملابسي. كانت مبتلة من أثر الحضن. نظرت له بقرف من تحت إلي فوق، ثم عدت إلي المقهي. جلست حتي انتهت كافة الإجراءات ثم أعطاني رقمًا أستلم من خلاله الجثة. خرجت من المقهي، ووجدتُ الرجل البدين يقف أمام باب المستشفي. عندما أصبحت بالداخل واتجهتُ إلي الباب، وجدته ورائي. دخلت إلي الموظف، فتح لي باباً خلفه، وأصحبت أقف في طابور قصير نسبيًا.
كنتُ أفكر بالشكل التالي: أن آخذ الجثة في تاكسي إلي البيت، أقطع لسانها فتنفك اللعنة، وألقي بها في مقلب زبالة. لا أريد أن يكون لها شاهد قبر أو خلافه.
أستلمت الجثة علي نقالة، خرجت من البوابة الأمامية فوجدت البدين والظلال في انتظاري وحولها مجموعة لم أعرفها من الناس، تقف طابورًا ليحضنوني واحدًا واحدًا. ساعدني البدين في رفع الجثة إلى داخل سيارة الإسعاف. تحركت السيارة، وتسألت هل الظلال المجتمعون أمامي يتذكرون؟ إذا أخرجت المقص الآن من جيبي وقطعت لسانها وأنهيت اللعنة، هل سيتحولون في الحال إلي بشر فيحاسبونني؟ هل يتفهمون أنهم كانوا ملعونين؟ هل يعترفون ويقدرون أنني من فككت تلك اللعنة؟ لكنها والدتهم، لا أعتقد أنهم سيتهاونون في شيء كذلك. كنتُ غاضبًا ومتوترا للغاية فقلت للسائق أن يقف علي جانب الطريق، وصرخت في البدين أن ينزل من السيارة فأجهش في البكاء بكاء كثيفاً، أخرج رائحة نفاذة، قال البدين إنني أحتاجه، فأنا وحيد ومن سياسعدني في حمل الجثة، لكني أصريت فتدخل السائق وقال “اتركه يا فندم”. فلم أستجب. قال السائق إذا لم تدعه فأنا لن أساعدك في حمل الجثة. قلت له هذا هو المطلوب، فمد السائق يده في الخلف، وأخرج صاعقاً كهربائياً وصعقني بقوة.
أفقت وأنا في صحن الجامع ورأسي علي فخذ البدين والظلال من حولي، وكانت الجثة بعيدة تنتظر الصلاة عليها. شعرت بالورطة وأن اللعنة أبدية، وأني سأفقد أمي إلي الأبد. وبدأ عقلي يفكر في طريقة أخري، أن أتفق مع الحانوتي، بعد دفنها أن نخرجها ونقطع اللسان. وإذا أراد الحانوتي أن يأخذ الجثة ويبيعها فليفعل. لدقائق شعرت بالطمأنينة لهذا المخطط علي الرغم من أنه يبدو مخططًا خياليًا.
خرجنا من الجامع وأنا أشعر بالإنهاك من أثر الصعقة التي ما زالت مستمرة معي حتي الآن. كنتُ أمشي خلف سيارة الإسعاف، حتي وصلنا إلي مدخل شارع الحاج فرج.
” ممنوع”. قالها الحاج فرج بصوته الجهوري، وهو يظهر كجبل من الدخان، حاملاً نبوتًا ضخمًا.
كان الحاج فرج  فتوة ورجلا مهيبا وعندما توفي سمي الشارع الذي دفن فيه بإسمه. ومنذ ذلك الحين أصبح مسئول الجثث التي تدخل وتخرج من شارعه. لما سأله الحانوتي عن السبب، قال الحاج فرج “مش كاملة” وأنا لا اسمح بدفن جثث ناقصة.
وقفت بجانب الحانوتي وهو يفتح الكفن، أتطلع من بين أصابعي التي تغطي وجهي. فتح فمها. لم يكن اللسان موجودا. بشكل تلقائي نظرت إلي الظلال، فكانت كما هيّ تقف في صمت مهيب. لقد خدعت مرة أخرى. استسمح الحانوتي الحاج فرج في دفن الجثة، لكنه أصر علي الرفض.
“والحل؟ ” قلت للحانوتي فاقترح أن ندفنها في أي مقابر صدقة. ذهبنا إلي شارع الحاج رفعت، ولكنه رفض. لففنا علي كل شوارع  وحواري المقابر، ولم يوافق أحد على دفنها. عرضت علي الحانوتي أن يشتري الجثة، فتطلع لي باستغراب وطلب من الله أن يهديني.
عدت بسيارة الإسعاف إلي البيت. صعد معي البدين، والظلال. أعدنا جثة جدتي إلي غرفتها، ثم تناثرت الظلال كل إلي بيته. دخلت إلي الغرفة التي بها أمي، فوجدتها ظلا صغيرًا يجلس علي السرير يرتدي النظارة ويقرأ في المصحف. دمعت وودت لو أحضنها. مدّدت بجانبها، أغلقت عيني وهلّ عليّ النوم ببطء، تقلبت كثيرًا حتي أستقريت نائمًا علي ظهري. كنت أري غيمة أمامي أو غشاوة،  ولا أدري إذا كان حلمًا أم لا. تراءي لي أني أريح ظهري علي مسند السرير،  وأن ثديي يكبران بشدة. تضع أمي النظارة إلي جانبها، تخلع ملابسي. يُفتح الباب، ويدخل البدين وخلفه الجثة وتركض الظلال. تمص أمي من ثديي الأيسر، يأتي الجميع من ناحية اليمين، وينهالون علي ثديي الآخر، يمصمون ببطء، ببطء شديد حتي صفيت بالكامل وأصبحت هيكلاً عظمياً، كأنني بقرة متحللة.