أمينة جاد: أ، ب، ج

Youssef Rakha, Fatherhood in Yellow, 2017

حين ترعى طفلاً عليك أن تجيد دفن أوجاعك عميقاً جداً وأن تجلب عوضاً عنها الأفراح الملونة، أن تتعلم الضحك وتنشره كواجب يومي سيتحول مع الوقت لعادة مبهجة.
أن تبدل ألوانك المفضلة التي اعتدت أن تكون غامقة إلى ألوان مبهرجة وكأنك تقيم في حديقة غناء.
عليك أن تسخر جسدك لراحته، أن تسهر لا لتقرأ أو لتكتب أو تشاهد فيلمك المفضل بل لتكون قربه كل مرة يستيقظ باكياً فتمنحه الأمان وقبلة هادئة.
عليك أن تتعلم كيف تغني بفرح، أن تخبئ كل تلك الأغنيات التي تحيل صوتك إلى مأتم.
عليك أن تتعلم كيف تكون مهرجاً، راقصاً، حيواناً أليفاً، قارع طبول، أن تكون كل الأشياء التي يريدها حتى وإن أرهقتك، فكل هذا التعب سيذوي ما أن يبتسم كملاك، ابتسامة هي قُبلة حقيقة لقلبك، تقطب كل جراح روحك.
عليك أن توقظ الطفل النائم بداخلك، تعلمه الحبو والمشي، الركض والضحك، الرقص والكلام من جديد.
عليك أن تجمع مشاعر الأمومة والأبوة، أن يجد فيك كل أفراد عائلته.
عليك أن تتعلم يومياً مقاومة رغبتك الملحة في الابتعاد عن ضوء الشمس والانزواء في الظل كما لو أنك تخاف أن يعري الضوء بشاعة ندبات روحك.
سيأتي آخرون ليعرضوا عليك المساعدة، في البدء ستفرح كثيراً؛ لأنك قاربت على الموت لفرط الإنهاك، إلاّ أن قوة ما ستدفعك للرفض وأنت مبتسم راض؛ لأنك تود أن تحميه من الخذلان، من الخيبة، من الفقد ولو كان هذا مؤقتاً يكفي أن يجلب صرخته الموجعة تلك التي تخدش قلبك بأظافرها الحادة، ولأنك عاهدت نفسك ستقول لأ، عالية جداً.
عليك أن تعلمه أبجديات الحب، كيف يقول كلاماً جميلاً، كلاماً لذيذاً بحروفه المتكسرة، الحروف التي ستقيم أنت كسرها وعوجها بحب قلبك، أن تعلمه كيف يقبل بتلك الشفاه الوردية الصغيرة، أن يمنح ويعطي، أن يحضن ويعطف، أن تعلمه كيف يخطو نحوك ويداه مشرعتان لاحتضانك كما لو كان طيراً محلقاً سيحط على أمان أرضك.
عليك أن تتعلم كيف تخفي فزعك أمامه، أن تدرب حبالك الصوتية على الكف عن الصراخ في لحظة هلع وأن تكون أكثر تحكماً بجزعك.
عليك أن ترعاه كما لو أنه طفلك، كما لو كان قطعة من جسدك وروحك، أن ترعاه رعاية حقيقية ولو كتب لها أن تكون رعاية مؤقتة، ستجد حينها أنك لم تكن أنت الذي ترعاه، بل كان هو من يرعاك بشكل أعادك للحياة، الحياة التي ظننت أنها لن تكون مرة أخرى.
ديسمبر ٢٠١٥