مينا ناجي: في الموت لا يوجد شهور وقرون

Elliott Erwitt, New York City, 1953. Source: magnumphotos.com

“كيف يمكن تهدئةُ ظِلِّ الموت الذي بلا حراك؟”
– جويس منصور
١
لنرجع إلى الحقائق الواقعة:
شاب سمين يتبول على قارعة الطريق.
أنا مأكول بالحزنِ واستولى عليّ الغضب،
لأنها من المؤكد ليست أنتِ
ولا يمكن أن تكون.
الأشياء المادية حزينة،
وكذلك فوق المادية.
أمشي على الأسى بقدميّ الاثنتين،
ولا أعرف عن البركة شيئاً.
٢
العالم يبدو مختلفاً الآن،
وتوحي الحياة باستمرار
أنها على ظهر حوت سائر
في اتجاه مضيق كارثة.
بجواري في الشارع
السيارات المزدحمة تسير ببطء،
على النواصي تضاء
إعلانات النيون الضخمة
الواحدة بعد الأخرى
مُهددة بشكل غامض بالخطر.
على أرصفة المقاهي الناس
ينفثون الدخان كآلات خربة
يغلفهم غطاء من التعاسة.
متعبٌ، راقد على فراشي
دون أن أنبس بحرف.
لم أفكر في أحد.
أنت فقط.
ليسوا جميعاً هناك.
أو كلنا هنا.
لا شيء يفرح القلب على مدى البصر.
أعرف، كانت دموعي لتفرحك.
لكن الأمر مختلف.
أظن أنكِ كنت لتشفقي عليَّ.
لا أعرف، الواقع يأتي مشوها بالفعل،
دون تدخل مني،
كما لو أن واقعاً آخر
يرمي عليه ضوءًا
ليشوهه.
ما حدث: هُوة سوداء بداخلي انفتحت
تجعل الكلاب تنبح
والقطط تموء
والأطفال تبكي.
٣
انكففتُ على ذاتي وأخذت وضعية
ما قبل أن أنفصل عن أمي.
في البداية تدخل وعيي المشوَّش؛
يطير السلام محتكاً بإطار النافذة،
آخذاً أشيائي الصغيرة كلها
بما فيها تماسكي.
يا أمي، أين أنتِ لتريْني أدخل وأعبر رحماً
أسوأ من وحدتي؟
أراكِ تقفين بأسى وحرص،
تنظرين لشيء ما ولا تعيرينني انتباهاً.
هكذا يشكلنا الحُب
والفراق
كما يشكل الزمن
الأشياء العابرة
مثل دمعة من الأسى.
هذا كابوس سوف أعانيه
حين أتقلب على الفراش
بعد يوم مجهد ويائس جداً.
في الموت لا يوجد شهور وقرون،
فلا يمكن أن تكبر في الموت،
ششششش… لا شيء بعد الآن،
ششششش ومن غير الموت يمتلكنا؟
الموت هو ما تخيله أول إنسانان خُلِقَا
عن الحياة.
والوقت مالك الخسارات، دوماً.
٤
كل شيء له نهاية،
لا أحب ذلك.
أتغذى على ذاتي حتى أنجو
يقولون إن لم تجد الربيع
فعليك أن تصنع واحداً،
أرتجف في الثلج بشفة زرقاء
ويديَّ ممسكة بجذع شجرة كبيرة؛
كدحٌ طويلٌ وعنيدٌ
لتحويل الجزء الأسود
إلى ماسة.
لكن مفاتيح الحل كلها
لا تعمل.
الوقت يستحق أن يُضرب بالنار.
الأمر كضجيج حشود
تغادر دون صراخ.
أما الأبدية،
فسقوطٌ على أرض الحمّام،
عيون مقتنصها الرعب…
قلبٍ مختنق…
أيدي حركها الفزع…
وغسالة مُزحزحة.
الأبدية فم مفتوح قليلاً..
رائحة موت مألوفة…
درجة حرارة أقل من ٣٧…
مقاس قدم أصغر من ٣٦
عمرٍ ينقص عشر سنوات..
الأبدية هاتف لا يتصل أبداً برقم معين
ولا يستقبل منه الرسائل،
لأن الهاتف الآخر أقرب من اللازم..
الأبدية تحولات أكثر قسوة
من تحولات العاشق.
٥
مثل بالون فارغِ
انزلقتِ بين أصابعي،
ولا أعود عبئاً عليكِ مرة أخرى.
يجب التكيف مع الغياب،
مع الخوف، ومع الألم.
ألم شديد في رأسي يجبرني على غلق عيني.
أريد أن تخرج هذه الجثة من خيالي.
لكنها جثتي.
تخصني أنا.
الفجر الأول،
كيف ركعت بجانبك
وكل شيء قد خُسر بالفعل
وأنا لا أعرف بعد.
ربما لم يتغير شيء منذ تلك اللحظة.
حين أكون في هدوء شديد،
أفكر أن شيئاً لم يتغير.
محاولاتي الخرقاء لحملك إلى السرير.
ظني أن كل شيء سيكون على ما يرام.
هذه المشاهد تأتى
كأخبار قديمة عن الحرب
عندما لا يكون هناك أخبار.
أريد أن أمازحك
بطرقي المعتادة معكِ
أسرُّ لكَ بأمرٍ،
كل شيء متلاعبٌ به – نسخة من كارثة.
٦
حظّك معي مُبك.
وذلك دليل إن الإنسان قادر دائما
على تكييف نفسه مع الشر.
كل شيء يتجاور مع الحداد
بشكل خجل.
ما تبقى للشرح قليل،
الكثير هو ما يُبكي وليس ما يُشرَح.
عذاباتٌ بلا هدفٍ،
طبقاتُ ماضٍ مقضومة بالجنون.
أتفجع عليك
لأني لم أعرف أن أكون لك شيئاً.
حظّك معي مُبك،
ولذا موجوعُ الصمت أكثر من الدموع.
٧
يا ماما، كلُّ شيء ناعم وقلبي مقلوب.