حسين فوزي: آلة الأحلام

Dream Machine by Emilie Baltz. Source: miliebaltz.com

كانت الغرفة خالية سوى من ماكينة متصلة عبر أسلاك معقودة وغير مرتبة بمقعد حديدي عاثت في الأضواء لتدل على أنها تعمل كُتٌب عليها بالنيون آلة الأحلام. آخذ حبتي نايت كالم من جيبي وأتجه نحو المقعد. أجلس وأضع الخوذة المتصلة بالآلة على رأسي. الخوذة كانت ضيقة. أخذ الأمر وقتا حتى وصلت لأكثر وضعية مريحة. زال التوتر وارتخى فكي، ورحت في النوم.
في الحلم الأول أهبط المنحدر إلى النهر، أجد جدي هناك جالسا يصطاد. أجلس بجواره وأسأله إن كان الصيد وفيرا. فيجيبني بالنفي ويضيف إنه انتظرني طويلا. أخبره أنه لم يعد في هذا النهر سمك ولا مياه. التقطت حصاة وألقيتها في النهر الجاف. قال إنني يجب أن أعذره، لأنه يصاب بالعمى أحيانا فيستعير أية عيون متوفرة، لذلك كان ينتظرني طويلا. أنهض خائب الأمل.
أستيقظ على الأصوات الإلكترونية المنبعثة من الآلة. أرى جدتي منتصبة وقد غطى الظلام نصف جسدها والباقي أُضيء بواسطة أنوار المقعد.
قلتُ: رأيت جدي يصطاد السمك بطربوشه على حجره.
قالت: مات صغيرا كان يجب أن تحضر أيامه.
قلتُ: ولكنك أيضا ميتة، ولم أحضرك.
حينها خبأت وجهها خلف راحتيها وأخذت تبكي.
استيقظت تلك المرة على مضجعي في غرفتي. ابتلت الملاءة من كل ذلك العرق والمخاط. فُتح الباب ودخلت امرأة اعتادت التحرش بي في صغري. كانت كما عهدتها. أسألها كيف استطاعت الدخول فتخبرني أنها دوما عرفت طرقا لذلك. تخبرني إنها افتقدتني. خلعت ملابسها ونامت بجانبي. بشرتها شديدة البياض، ملأ جسدها زغب أشقر. كانت تملك نهدين مشدودين ومستقيمين، ككرة لم يفرغ من نفخها بعد. ترجتني أن أتبول عليها، حينها لم أحمل هم الملاءة لأنها كانت مبلولة بالفعل. بعدما انتهت، تحولت إلى نمر رابض بجوار السرير، يتحرك ببطء وتروٍٍ في الحجرة التي اتسعت فجأة. استأت، هاتفي لم يكن معي فلن أصور النمر. عندما أخبر أصدقائي لن يصدقوني، لأن مع كل خطوة يأخذها النمر، كان يذوب في هواء الغرفة المكتوم. لن تتاح لي فرصة تلمس وبر النمر الناعم من جديد. خبرت ألم الفراق.
أرقد في السبات محموما لأنني لم أغالب الخمول.
في الحلم أبصرت الرجل ذا البونج العجيب وسط زوبعة غبار. بيده اليمنى فتح الباب الموارب لكل سحر وبالأخرى إشارة مطمئنة لكي أتبعه. الضوء ابتلعه داخلا. وحينما نظرت للخلف، رأيت كل الخطوات التي حددت الأماكن التي أتيت منها.
في حلم آخر سارت الحياة وفق النظام الكامل القائم على أساس ما في الأعلى مُناظر لما في الأسفل، ليس لأن الرؤية مغبشة، لكن كل عامل من عوامل الطبيعة كان انعاكسا لآخر.
أفقت على الضوء الكئيب المتسلل من النافذة المطلة على المنور. الساعة كانت الثانية بعدما انتصف الليل، وقد تماهى الخط الحائل بين أمس واليوم. قفزت عن سريري، مغالبا الصداع ودوار الحمى. غسلت وجهي الذي حولته حمرة المرض إلى اللون البرونزي. فتحت باب الشرفة لأشم الهواء وينفتح صدري. الألم يضمحل والذكريات تخفت. في تلك الساعة المتأخرة، كان العابر الوحيد يجول في الشارع رائحا راجعاً في كنف الليل. بدا مسرنما، راقبته طوال نصف ساعة ولم يملّ السير. فكرت أن مصباح الشارع انطفأ لأنه انفلت فجأة من بصري. ومهما حملقت مجاهدا في الظلام لا أراه. ذقني ارتعدت وفاضت من عيني دمعتان جراء الزكام. أتراني بكيت؟ أتراني؟
 يحدث أن يتجه الحالم لطريقه الطويل، حتى بدا أنه لا ينتهي. بالتدريج تبيَّن السوق والزحام، أجساد ترتطم به ولكن لا أحد يعيرها اهتمامًا. الأيادي المتخبطة تلوثت بالعرق والرمل الذي التصق وكان أشد ضجرًا من نفضها. ومياه مالحة غطَّت عينيه، رائحة البحر كانت تغطي المكان رغم أنها تبدو بعيدة بأميال وأميال عن ترابية الطقس وضجة المكان.
 وفي المنتصف رأى التدافع، من خلف القضبان الحديدية شديدة الاتساع كانت الأعين ترقبها كابتكار عصري، بشرتها كانت صفراء وخطوط حمراء صنعها انعكاس خلاياها العصبية على جسدها المنفوش وهي متكئة على أربع. إزاء الحائط من الداخل كان يتساءل زنجي ثُبِّت مسماران في عينيه متى ينتهي العذاب، وقد كان زوجها. كان حبًا أجمل من أن يُرى. اندفع داخلا من خلف البوابة الحديدية اثنان اتضح أنهما مندوبان من الملك. بالعيون الشاحبة، من بين ثنايا التوهج الفضي وضربات الشمس، تبينتْ معدنية الآلة التي أولِجَتْ بعمق داخل جسدها صباحًا. رغم وجهها الميت من أي تعبيرات ارتجف جسدها في عنف وارتهاز كان اللعاب والصفير يملأن الحيز السعيد من حوله.
يحدث أن يستسلم الحالم للخذلان وهو يبُهدِل في سيره على طول قذارة النهر.
 في آخر مسرح من مسارح القسوة حيث أراد أن يرتاح من عبء اليوم، تجمع الأفراد ليعبروا عن شهوتهم للحياة ويذيعوا الحكمة التي اكتشفوها في ربوع الخرابات. وبالداخل رأى الممثلين وقت التحيات والانحناءات متدلين من خلف الستارة التي فُتحت توًّا معلقين على المشانق والدم والمذى والمني يسيل من ذكورهم المتأرجحة على المنصة الخشبية من أسفلهم.
 مزيج الضحك والصقفات من الجمهور المعدود أرضى عجوزًا قانعًا بالجلوس في الخلف، هو المؤلف. تبدى خارجا من مصح، هو ذا العمل الذي يريد أن يُذكَر به.
ويحدث أن آخر ما يراه الحالم قبل أن يكف عن مقاومة النعاس فيلم ميكرسكوبي على شاشة عريضة لحركات حيوان منوي يموت.
كان يشعر بأمل مشبوب بذنب وبحرقة في عينيه المجهدتين، فانحدرت دمعتين على خده البارز. الدموع تبدد الحلم، ويحدث أن يضرب الاستيقاظ عنق الحالم.