نحن نسكن هنا منذ سنوات: قصائد هدى حسين

Youssef Rakha, 2013

شبابها الذي أهدرته في تنظيف الحمامات
لأسباب لا أعرفها،
.
من أجله
كانت تترك الصنابير مفتوحةً
تنظر إلى الماء الذي يتدفّق نظيفًا
.
إلى بالوعات الأحواض مباشرةً
دون أن يملأ زجاجةً
أو ينظّف يدًا.
تنظر إليه ببسمةٍ مقهورةٍ،
وكأنما تشفي بإهداره غليلها.
هنا
أنا أيضًا
ولأسباب لا أعرفها
لا أريد أن أكتب شيئًا عظيمًا
فقط
أُهدر الحبرَ
والورق.
.
والوقتَ.
.

سحب كثيفة في السماء أخافت هذا الطفل
عندما رفع عينيه باتجاه أمه وصرخ وبكى
كانت حلواه قد سقطت على الأرض
وكنت أعرف هذا الغضب العارم
عندما يسقط منك شيءٌ ثمين في التراب
ثم يكون عليك أن ترفع رأسك نحو السماء
سحب كثيفة أخافت هذا الطفل
سحب رمادية في عينيه
وزجرة أمه
التي جعلته ينظر مرة أخرى للأرض
حيث حلواه ملطخة بالتراب
بلا جدوى من التوجه إلى السماء
لإنقاذها.
.

في الركن يستلقي حزنٌ قديم
مبتور الساقين يستجدي شفقتي
رفضت حمله معي خارج زمنه
ولم أتصدق عليه بدمعتين خبأتهما في جيبي السري
تحسبًا لحزن جديد.
أخرجت مكنستي الكهربائية من مخبأها
وسحبته إلى مقبرة مُظلمة يكسوها التراب
ثم اكتشفت أن التراب هو ذرات حياتي
التي تتسرب مني مع مرور الوقت
.
على عمر بالكاد يعرف نفسه خارج الزمن
وأن المقبرة أنا
بينما المكنسة واقعٌ
.
أخرجته يا لِحُمْقي بيدي من مخبأه.
.

أشاهد العالم ينزوي ولا أريد أن أنزوي مثله
أراه يتكوّر في الركن
.
ويلصَق جنبه بالستار الأسود لجدار الكون المهيب
العالم طفلٌ انطوائي أصلًا، ومرعوب
لا يريد أن يكتشف وجوده أحد
هناك شموس متوهجّة ككشافات
.
في أيادي رقباءَ غامضين يعتقدون أنّ العالم سرق رغيفًا
أو هكذا قرروا أن يوهموه
.
بينما كان العالم يخبز نفسَه لنفسِه ويأكلها
كل يوم، يقضم قضمةً فيتلاشى جزءٌ ظاهر منه
ويزيد فيه جزءٌ باطن.
العالم انطوائي أصلا
ومنزو
ومرعوب
وأنا أُخفيه عن كشّافات الرُقباء
ها هنا
خلف ستار أسود من عيني
يشبه نقطة.
.

نحن لا نملك شرفةً لنفتحها ونجدد الهواء في الداخل –
ولا أن نخرج إليها لنستنشق الهواء النقي
فننكشف للجيران من الكائنات الأخرى
.
ونُلقي عليها تحية الصباح
نحن نسكن هنا منذ سنوات
في الداخل
نستنشق الهواء نفسه حيث ندوِّر الأحاديث نفسها
.
ونكوّرها ونتكور عليها ونعانقها ونبقرها
.
ونقطعها إربًا إربا
.
دون أن يعلم ذلك أحد.
لقد جُبلنا على حجب الخاص. الخاص كله.
.
بما في ذلك موتنا الشخصي.
مازال عامل البيتزا يصعد إلينا بالبيتزا
ومازال محصّل الكهرباء يُمطرنا بالفواتير
.
أريد أن أقول
مازلنا نأكل
ومازلنا ندفع
هكذا نضرب بيننا وبين كلّ متطفل على أحوالنا
ألف حجاب وحجاب
عامل البيتزا
ومحصّل الكهرباء
لا أحد منهما يرى تآكل جثثنا
وهي تمتد لتستلم الدليفري
أو الفاتورة
لا أحد منهما يرى الدود وهو ينهش أحشاءنا
بينما نسلمهما المال المطلوب
لإبقاء الموت سرًا دفينًا
نحن لا نمتلك شرفة لنفتحها
هكذا فنحن دومًا بخير.
.

أمشي بخطى مرتاحة نحو مصيري
– مصيري الذي يعرفني ولا أعرفه
.
لكنني أمشي
أُسلّم على المارة الذين تتقاطع مصائرنا
ألوح وأبتسم وأكمل
تعجبني خيوط الأشعة الذهبية
لشمس الظهيرة التي تقف فوق رأسي
وتوقفني على ظلّي
أغمض عيني
.
وأتخيل ظلّي ينشب جذورًا رمادية في عمق الأرض
ثم أفيق على زهرة حمراء استوائية
يشبكها طائرٌ أبيض في شعري ويرحل
أمشي بابتسامة عريضة إلى مصيري
الذي يعرفني
لأنّه يعرفني
وسيناديني باسمي
يا هدى
فأعرفُ أنني وصلت.