عائشة أحمد: حديقة خلفية

Edvard Munch, “Eye in Eye”, 1894. Source: getdailyart.com

هذه الأيام أصحو من النوم فجأة، بعد منتصف الليل غالباً، وأشعر بدقات قلبي متسارعة وفكي السفلي يؤلمني. صنع طبيب الأسنان قالبا لفمي قبل شهور، ثم أعطاني “حارسا ليلياً” خفيفاً وشفافاً على المقاس، يتماهى مع سقف حلقي بطريقة حاذقة. لكن بمجرد أن أضعه أشعر بالاختناق، وما هي إلا ساعة وأجدني قد استيقظت لأخلعه ملقية إياه على الطاولة المجاورة لسريري دون وعي مني. في الصباح أنظر إليه ذاهلة وقد نسيت أمره. بعد أسبوع واحد، أودعته  علبته الخاصة، وخبأتها في الدرج أسفل المغسلة. قلت لن أعذب نفسي هكذا.
تهز صديقتي رأسها، وتقترب مني. ومع أن لا أحد في الحديقة الخلفية للمنزل سوانا، إلا أننا نتحدث بصوت خافت. “هل اتصلت بك لتعتذر؟” أسألها، وتؤكد لي للمرة الثالثة ربما بأنها أبلغتها أنها مريضة. هل يكون تواجدي سبب امتناعها عن الحضور؟ تقترب صديقتي أكثر وتربت على يدي. تنظر مباشرة في عيني، وأرى حزناً مطلقاً. ترد علي: “مستحيل! فما كانت لتوافق منذ البداية.”
الحديقة رحبة وهادئة الآن، مهملة قليلاً لكنها ساحرة لهذا السبب بالذات. ثمة ألعاب أطفال بلاستيكية، حمراء وصفراء مكومة في إحدى زواياها. في الحقيقة، كنت أعددت سلفاً كل ما سأقوله لأجل هذا اللقاء، ثم إني فكرت في جميع الاحتمالات. كنت أعد للأمر كمن يعد للقاء عاشق محتمل. ابتسمت لهذه الخاطرة. لدي الكثير لأقوله، لكن حتى هذا لم تسنح لي الفرصة أن أفعله. مر وقت طويل. “اشتقت لها، تعرفين…” أقول، وأحس بطعم الصدأ على لساني. 

هذه الأيام، أحاول أن أنام مبكراً. أتابع مسلسلاً، وأغفو بسهولة. لكني أصحو من النوم بعد ساعة وربما أقل. وأشعر بالحنين، التوق لأحد ما. هذا يقودني للتفكير به. أحياناً أبكي، مع أن سنوات انقضت على الأمر. النوم عصيّ عليّ، وصوت أزيز المكيف يثير أعصابي. أغلقه ثم أختنق من حرارة الغرفة، أتصبب عرقاً وأبكي، لكن هذا لا يخفف من الغصة التي تزداد حدة وملوحة في حلقي. فكي يؤلمني، وشيء يشبه كرة من الشوك يندفع من أحشائي، ثم يطلق سائلاً كثيفاً وشديد الحموضة إلى صدري وفمي.
“نعم، رأيت الطبيب.” صديقتي تقوس ظهرها، تقترب مني، تجلس بالكاد على طرف الكرسي. أضع يدي على عنقي وأكرر ما قاله عن عصارة المعدة التي ترتجع وبأني لا بد أن أتحاشى الأكل ليلاً، وأن أتناول وجبات صحية في النهار مبتعدة تماماً عن المقالي والحلويات. “وأعيش نمط حياة مختلف، بلا قلق” هكذا يقول. وهنا أتوقف، وبعد مرور ثوان قليلة أستعيد حديث الطبيب معي وهو وراء مكتبه الخشبي الضخم وأضحك؛ أضحك كمن استدرك موقفاً يستوجب ذلك بعد مرور وقت على وقوعه. “نعم، وصف لي حبوباً” أطمئنها.
ينطلق رنين متصل وحاد يقطع حديثنا. إنه زوجها. تسحب صديقتي هاتفها وتختفي داخل المنزل، تصلني همهمات من وراء زجاج الشرفة الواسعة والمفتوح على مصراعيه. يتراءى لي طيفها من وسط العتمة، تروح وتجيء وهي تتحدث على الهاتف. تضع يدها على جبينها أكثر من مرة، وتنقل الهاتف من أذن لأخرى. تبدو منفعلة، ثم أسمعها تنادي أحدهم، وتتبدى لي ظلال طفل ما. يخرج الطفل إلى الحديقة، في بيجامة بيضاء مخططة بالأزرق. شعره مبلول، رائحة الصابون تنبعث منه. خطواته متثاقلة، يهز ذراعيه للأمام والخلف وهو يدنو مني دون كثير حماس، يقبلني على مضض. عيناه على حقيبة يدي الكبيرة. أقول له إن الخد الآخر سيزعل إن لم ينل قبلته أيضاً. يطبع قبلة أخرى تترك أثراً من اللعاب. أقبله على خديه بدوري، لكنه يمسح مكان القبلتين. ينظر لأصابعه، يتأكد إن كنت تركت شيئاً من أحمر الشفاه. أسأله عن أختيه، يقول إنهما تستحمان. أسأله عن المدرسة، يهز كتفيه، ثم بدوره يسألني إن كان في حوزتي حلوى له. لا أدرى بماذا أجيب، لكني أشعر بالدموع تتجمع في عيني. صوت ينادي الطفل، فيهرع باتجاه نافذة الشرفة ويختفي.

هذه الأيام يحلّ الظلام سريعاً، هكذا فجأة، أسرع مما يحل عادةً. تغيب الشمس وما هي إلا لحظات ويسدل الليل أستاره، وتنتشر العتمة؛ تنتشر مثل رائحة الياسمين التي تتضوع من الشجيرات المتعلقة بالسور ورائي الآن. أغمض عيني وأسترخي على كرسي الحديقة البلاستيكي المنخفض، أميل برأسي على ظهره، وأنظر إلى السماء فوقي. أظلمت بغتة، لا قمر، ولا أثر لبريق نجمة ولو صغيرة. تتمايل الأشجار حولي بين وقت وآخر مع النسيم المتقطع، وتصدر أوراقها حفيفاً باهتاً، لكن هذا كل شيء.
يشعل أحدهم أضواء الشرفات الصفراء. الحشائش لم يتم جزها منذ زمن، أطوالها متباينة، شاحبة وخفيفة في بعض البقع، لكنها يانعة وكثيفة في أماكن أخرى. تبدو القريبة مني ندية ومغرية. أدلي ذراعي اليمنى للأسفل باتجاهها، وأتحسس رطوبتها. يستغرقني هذا الأمر لبعض الوقت، أقتلع حفنة صغيرة منها، وأقربها من أنفي. 
تعود صديقتي حاملة طبقاً عامراً بالشوكولاتة المغلفة بأوراق ذهبية، أقتلع قطعة شديدة الالتصاق بالسولفان المثبت في قعر الصحن وأضعها في حقيبة يدي. “سأمنحها لابن أخي.” أقول. تشد صديقتي قطعاً أخرى وتلقيها في الحقيبة مع القطعة الأولى. لا أجد الطاقة الكافية للرفض. أستسلم. تضع يدها على كتفي وهي لا زالت واقفة. صديقتي طويلة، في فستانها الزيتي بأكمامه الضافية وشعرها الفوضوي، تشبه شجرة الغاف بأفرعها المتهدلة والممتدة خلفها. تسألني عندما تلحظ شرودي: “مزيداً من القهوة؟” لكني أنظر إلى الساعة على شاشة هاتفي، وأجد أن الوقت تأخر. “لا بد أن أغادر.”
تجلس على مسند كرسيي، ويدها على ظهري، تمسح عليه. من الأسفل إلى الأعلى، وتلح أن الوقت لا زال مبكراً. كفها دافئة وطرية، أحس بأصابعها اللدنة على رقبتي العارية من الخلف. قصصت شعري قصيراً، حررني هذا لبعض الوقت. لم أستطع أن أقاوم دفئها. تسألني باستجداء،”لكن، نصف ساعة فقط؟ لن يعود زوجي إلا بعد ساعات!” أخلع حذائي الجلدي الضيق موافقة، وأثني ساقي تحتي. “هل نفعت الحبوب؟” أكتفي بهز رأسي، وأتناول كوب ماء بارد من على الطاولة أمامي. أقول لها إنها اليوم تشبه شجرة. تتهمني بالشاعرية وتضحك. 

هذه الأيام أستيقظ مبكراً بعد نوم سيء ومتقطع، وليست لدي القدرة الكافية على مغادرة السرير. أفكر بما يتوجب علي فعله ذلك النهار، وينتابني الكسل. أشعر بثقل شديد. أذرع تشبه السلاسل السوداء اللزجة تمتد صوبي، تكبلني. أبقى حبيسة الفراش. أحاول أن أقاومها أحياناً، وأقول في البداية نصف ساعة فقط، لكنها تصير ساعة، وأنظر إلى المنبه. لدي مواعيد ولا أستطيع أن أتأخر أكثر، لكن عشر دقائق تأخير ليست كثيرة، والعشر دقائق تصير عشرين. وعندما أتذكر أنه عليّ أن أغسل أسناني وأرتدي ثيابي وأصبغ وجهي وأخرج لمقابلة الناس أشعر بالضعف وقلة الحيلة. جبانة. أعرف. بين حين وآخر أتصل بالعمل لأقول إني مريضة.
“لكن هل نام الأولاد؟”
صديقتي لا زالت على الكرسي المقابل. لا نجد ما نتحدث به. تختفي جلبة أطفالها. تقول “وأخيراً ناموا”. تتنهد سريعاً، وتتابع “وأخيراً حصلت على مربية جيدة. خلال أيام فرضت النظام، واستطاعت أن تأسر قلوبهم.” تضع رجلاً على أخرى، وترشف من كوب الشاي بين يديها. “لا يمكنكِ أن تتخيلي صعوبة الأمر،” تسر لي، “ومع سفر زوجي الدائم…” لا أحري جواباً. 
“الأولاد ومسؤولياتهم التي لا تنتهي! لكن هكذا الحياة.” تواصل حديثها. وبعد دقائق من الصمت، تقوم من مكانها لتجلس بجانبي. الكرسي يتسع لكلتينا. أنا فقدت وزناً، وهي وضعت وزناً، هكذا تلتصق بي. تخرج علبة سجائر وولاعة بنفسجية صغيرة من جيب ردائها، وتعرض عليّ واحدة. أرفض. إنه دخان زوجها. لكن منذ متى تدخن؟ لا أسألها. بعد نفس أول، تمسك بكفي القريبة منها تقربها من ثغرها، وتطبع قبلة على ظاهرها، تبقيها قريباً من صدرها، ثم تسحب نفساً آخر. تضع أغنية على هاتفها، محمد عبده طبعاً. تعلم أني لا أحبه، لكنني لا أقول شيئاً أيضاً. أنهت السيجارة. لفت عقبها في منديل ورقي، كورته ورمته باتجاه الطاولة. هل يعلم زوجها أنها تدخن؟ أواصل صمتي.

كان أستاذ الفلسفة يهزأ بنا، ويسمينا ساخراً “الثلاثي المرح”. وكانت هي الأكثر رزانة. تحمر خجلاً من رعونتنا أحياناً. ثم تزوجت مبكراً، في صيف ما قبل السنة الأخيرة. وبعد مضي أسابيع على بداية الفصل الأكاديمي الأول، تركت الجامعة. ظلت لسنوات تقول إنها ستعود. لكن الطفل الأول لحقه ثان وثالث، وعائلة زوجها ممتدة، ولزوجها بحكم عمله الكثير من المعارف، والمناسبات لا تنتهي. هي تستقبل، وهي تودع؛  ترتدي فستان سهرة وتخلع آخر. هي في الصالون تسرح شعرها، وهي في الحمام وحيدة تفك التسريحة. عشرات من دبابيس الشعر على منضدة التزين، والكثير من قطع القطن الملوثة بالكحل وألوان ظلال العيون. 
العضو المتمم لمجموعتنا تزوجت بعد تخرجنا بأشهر. ونشب سوء فهم كبير بيني وبينها قبل سنوات. لم تكن حياتها هانئة هي الأخرى. زوجها يخونها ويهجرها، تعود إليه لأجل الأولاد وأهلها. تتركه وتعود. مر وقت طويل دون أن نلتقي. كنت أظن أنها تجاوزت، ونسيت. وأنا لم يكن لي يد فيما حدث. قيل لي إنها كبرت عشر سنوات فجأة. أوجعني هذا. أتذكر الآن قوامها الأهيف، وبشرتها الوضاءة. لؤلؤة كانت، غزالة. ويتقطع قلبي. “ألا زالت تلومني؟” أسأل بصوت عال، لكن لا أجد رداً، وأواصل حديثي بتردد: “وددت لو جاءت اليوم!” كم كانت فاتنة، ومحبة للمزاح. كنا نضحك كثيراً، ودونما سبب في كثير من الأحيان، متخففين من كل شيء. 
نستعيد ذكرى دعابة كانت في بداية كل سنة تقوم بها لإرباك الأساتذة الجدد. وأذكر بالضبط رد فعل أستاذ الفلسفة إياه، بنظاراته السميكة وهو يزبد غاضباً ونحن نقهقه عالياً. تهطل الدموع وتغسل قلبي. ثم يرن هاتف صديقتي على الطاولة.اسم زوجها يظهر على الشاشة، لكنها لا ترد. يستمر الرنين فترة، وينقطع. تصل بعدها رسالة. تسحب الهاتف، وتقرأها بلا مبالاة واضحة، ثم تلقيه جانباً.
يبرد الجو فجأة. صديقتي الشجرة تشد على يدي، أصابعها اللدنة تضغط على راحتي. تتعرق كفي، ولكني لا أجرؤ على سحبها. إنها واجمة، مثل حديقة منزلها، رهيبة في عتمتها. أشعر فقط بارتعاش كتفيها. 
بعد لحظات أعقد عزمي، أضع نظارتي السوداء الكبيرة وأقف. أقول لها إن الظلام حل سريعاً، وأنا لا بد أن أغادر.