خالد الشورى: مولد أبو شوشة

Harry Gruyaert, Cairo, 1987. Source: magnumphotos.com

العتمة تغطي الطريق، لكن ضوءً شحيحًا ينسلُّ من بين فروع الأشجار لينير موضع خطواتنا.
إنها ليلة بقمر مكتمل، ليلة الخامس عشر من رمضان، وكذلك ليلة وفاة سيدنا أبو شوشة، حيث غادرنا ذات نهار قائظ ونحن صائمون.
كنا وقتها في بيوتنا ننعم بقيلولة الظهيرة، لذلك لم ينتبه له أحد حين خرج على مهله إلى أطراف القرية، وسار حتى وقف بين عزبة حميد في قريتنا وعزبة الشحات في القرية المجاورة، وقال:
“ها هنا أموت.”
ثم غابت الشمس عليه في موضعه. وفي اليوم التالي مباشرةً وجدنا – بقدرة قادر – ضريحًا مشيدًا من الطوب الأبيض، وأمام عتبة بابه كان حذاؤه وعمامته ملقيين على الأرض بإهمال.
مثل هذه الليلة من كل سنة هجرية، نخرج من بيوتنا إلى الحدود الفاصلة بين قريتنا والقرية المجاورة، حيث يوجد ضريح سيدي منعم صالح أبو شوشة، والمعروف اختصارًا بضريح أبو شوشة.
لكن الليلة مختلفة.
لم نخرج من بيوتنا في حالة من الخشوع والتضرع كما هي العادة، بل خرجنا في حالة من التوتر والغضب، نحمل في أيادينا معاول وعصيًا، ونعض على أطراف جلابيبنا بأسناننا لتكون خطواتنا أوسع وأسرع.
جمعنا شبابنا ورجالنا، وها نحن نشقُّ طريقنا في الأراضي غير مبالين بثعابين الترعة أو حشرات الحقول السامة.
الطريق إلى الضريح من خلال الأراضي هو الأصعب، ولكنه الأقصر. الطريق الأسهل يكون من خلال الشارع المسفلت، والذي تمر فيه السيارات المسافرة جيئةً وذهابًا. ذلك الطريق يسلكه نساؤنا وأطفالنا، إلا أنهم لم يأتوا هذه المرة، لأن شجارًا كبيرًا سيقع هناك.
الضريح في حجم مسجدٍ تقريبًا. تحيط به أراضينا الزراعية من جهة، وأراضي القرية المجاورة من جهة أخرى. جدرانه مطلية بدهان أصفر باهت، وتعتليه قبة قديمة متآكلة، له بابٌ أخضر صدئٌ مزينٌ بآيات الله الكريمة وموصد بأقفالٍ ثقيلةٍ، لم يسبق لها أن فُتحت.
عندما نشتغل في أراضينا من بداية اليوم وحتى نهايته، يكون الضريح على مرمى البصر، حيث نراه وهو يطل بشموخ من فوق عيدان الذرة وفروع الأشجار.
وقت الشروق تبزغ الشمس من وراء القبة المتآكلة، وكأن سيدي يحبسها كل ليلة ويطلقها كل صباح. ووقت الغروب يُشعُّ بوهجٍ أحمر وتتمدد ظلال الأشجار عليه، فيلقي منظره هيبةً وبهجةً في نفسونا.
في الليلة المحددة نقيم له مولدًا معتبرًا، حيث نبهرج الضريح بلمبات النيون الخضراء والحمراء والزرقاء، ونأتي بالحلوى والحمص، والمراجيح والزحاليق، والطبل والزمر. ويجيء الدراويش وخادمو سيدنا ومريديه من أماكن متفرقة، ليس من قريتنا والقرية المجاورة فحسب، بل من قرى أخرى بعيدة، حيث بلغهم صيت كرامات سيدنا، فيأتون طالبين المدد.
نحن وحدنا من نقيم المولد، وهذا ما جعل الطمع يعشش في نفوس أهل القرية المجاورة.
هم يزعمون أن سيدي أبو شوشة مولودٌ أصلًا في قريتهم، إلا أن الله أوحى له – حسب ما يقولون – أن يأتي لقريتنا ويعيش فيها حتى يطهرها من رجسها، وهو كلام فارغ يريدون به حقًا كاذبًا في إقامة المولد.
بالتالي كان طبيعيًا أن تَشُبّ نزاعات بيننا، نتقاتل فيها على الأحقيّة في الضريح. طبعًا حاولنا أن نَحُلّ النزاعات أكثر من مرة ولكن دون جدوى، حتى طفح الكيل بنا وبهم.
في هذه الليلة تحديدًا سنحل النزاع للمرة الأخيرة.
النصابون أولاد النصابين يزعمون أن سيدي قد زارهم في المنام فردًا فردًا قبل يومين، وخاطبهم قائلًا:
“هاتوا رفاتي وأقيموا لي ضريحًا جديدًا في أراضيكم، أمامكم يومان.”
وزعمهم هذا محض افتراء وكذب. أولاد الحرام يريدون لمّ مال الصدقات من خادمي سيدي ومريديه ليضعوه في جيوبهم، وكذلك ليكون لقريتهم فضل استضافة زوار سيدي.
قالوا إنهم قادمون لفتح الضريح ليلة المولد، وانتشال رفات سيدنا كما أمرهم.
وقلنا فليحدث هذا على جثتنا.
لكن عندما وصلنا لم يكن الأمر كما قلنا، فقد انتهى الشجار من قبل أن يبدأ أصلًا، دون جثث.
لن يرفع أحد معوله أو عصاه على أحد، لن تُشج رؤوس أو تكسر عظام، ولن تراق دماء على الأرض، فما أتينا به في أيدينا لنضرب به خصومنا لن ينفعنا في شيء، لأن الكلاب أولاد الكلاب قد أتوا حاملين أسلحةً نارية، مسدسات وبنادق ورشاشات آلية.
هي طلقة واحدة في الهواء. طلقة واحدة فقط كانت كفيلة بجعلنا نتراجع مباشرة، تمامًا كما تتراجع الكلاب مذلولة وهي تضم ذيولها بين أقدامها.
يا لعارنا!
كيف سنغسل شرف قريتنا بعد هذه الليلة المشؤومة؟
نقف الآن في خيبة، نود لو تنشق الأرض فتبتلعنا ونحن نشاهد أقفال الضريح تحطمها أسلحتهم القوية، دون حيلة منا.
الباب الأخضر الصدئ يعلو أزيزه وهو يفتح لأول مرة، وها هم يغيبون في الداخل واحدًا تلو آخر.
أخذت مجاريفهم تنتهك حرمة قبر سيدنا أبو شوشة، وعندما شارفوا على الوصول إلى رفات جسده، وجدنا ما لم نتوقع أن نجده أبدًا.
الذي نعرفه من شيوخنا في خطب الجمعة، ودروس العصر والعشاء، أن أجساد الأنبياء وأولياء الله الصالحين تكون طاهرةً ومباركة، لا تصدر منها روائح نتنة، ولا يأكلها دود الأرض، فإذا واراها الثرى تظل كما هي دون أن تتعفن أو تتغير هيئتها، لذلك ما توقعناه هو أن نجد جسد سيدنا أبو شوشة كما هو. لكن الذي وجدناه هو التالي:
أولًا، ليس في القبر جسد كامل، فقط بقايا هيكل عظمي، أي أن الجسد المدفون هنا كان قد تحلل تمامًا.
ثانيًا، هذه العظام التي وجدناها ضخمة بعض الشيء، وما نعرفه عن أبو شوشة أنه كان قصيرًا وضئيل الحجم، وله شعر زائد ينساب على جبهته مثل غرة الفتيات، ومن هنا اكتسب اسمه: “أبو شوشة”.
ثالثًا، ربما يكون أبو شوشة ذا جسدٍ ضخم، ولكن الأكيد أن جمجمته ليست بها قرنان.
هذا لم يكن قبر أبو شوشة… هذا قبر بقرة!
خرجنا من الضريح نلملم دهشتنا ونحن نضرب كفًا بكف. وقبل أن نَفُضَّ جمعنا، اتفقنا على أن يظل ما رأيناه بالقبر سرًا بيننا، وليكن إقامة المولد شراكةً بين القريتين.
تصافحنا وقبلنا رؤوس بعضنا البعض، وعدنا أدراجنا تحت ضوء القمر ونحن نكتم ضحكاتنا مثل ​المخابيل.