كأنّ مدينة توجد: قصائد الموسم من مهاب نصر

Patrick Rapati, from “Eight Drawings for Invisible Cities”, 2017. Source: maritimeartlist.com

(١)
لا يمكنني أن أتعلم
وأنتم، هل يمكنكم؟
يتحسن مزاجي لسبب آخر
أن أحكي قصة لشخص ينام على ذراعي
هل شعرتم بهذا التنميل الخفيف من قبل؟
هل اعتبرتم يوما أن ذراعا واحدة
تكفي لحمل الأصابع التي تقلب الصفحات؟
أن تقرأوا بالعين فقط ما يخصكم
لأن الفم مشغول بحكاية للنائم،
وأحيانا يتوقف
ليقبل الخد؟
وبينما تدور في جهة ما مطاردة
تسقط فيها رؤوس مثل حبات الكريستال
تُصغون إلى التنهد الطويل
لحلم يغير وضع رأسه؟
نجوت إذن
وبذراع واحدة
وعينين لا تصدقان ما تقرآنه أبدا
(٢)
مطرٌ  في مايو
مطر غبي بخطوط مائلة
لمجرد أن ريحاً صادفته
سأكلمك في وقت لاحق
أسمعهم يصفرون من الدهشة
لكنني لا أستطيع.
ثقيلٌ من البلل
وكلما فتحت فمي
ابتلعت ماء لا أسيغه
الرعود لم تعد بالخارج
إنها هنا
وحدي أتمكن من سماعها
ثمة برق لا يضيء
لا يمكن أن أحدق فيه
فجأة تشعرين بانفراجة
كأنهم شقّوا صدرك لإجراء جراحة
وتقولين: أهذا ممكن؟ الآن؟
أحاول أن أنحني
ليمر كل هذا
لكن كيف؟
مطر غبي هنا
يجبرنا على الوقوف
على السير باستقامة
وبأفواه مفتوحة
لكن دون دهشة على الإطلاق
(٣)
ما الذي تعنيه لك المدينة؟
أتحققت منها فعلا؟
أهي هي، أم تراب، أم لوحة مائلة على جدار
بينما تندفع العاصفة من نافذة مشْرَعَة
مقبلة من الأرض الحية، والتنانين التي رُسمت بألوان زيتية رخيصة
لأسرة من آباء وأبناء؟
جستَ في الشوارع
وعصرتها بعد الأمطار
ماذا وجدت؟
في الليل تصنع من ظلك ملاكا أسود
وفي النهار: الملاك نفسه، منتوفا كدجاجة
أمام المرآة غضب
من دون يدٍ تكسر
ولا قدم تقول: سأمشي
كتبتَ عن البحر؟
جيد
ولكن أين الكلمات؟
في الشوارع رئات مفتوحة
مثل فلقتي محارة بيضاء
سرطانات ملقاة على ظهورها
أسماك حقيقية
تُشوى لمجرد أن تكون مقبولة
المدينة بحرها في السماء
هذا يثير خيالها أكثر
ستقتل بنيّة الإبحار
بنيّة ألا يسبقنا الآخرون إلى هناك
المدينة يجب أن تولد
أن تولد دائما
هكذا يسمع هنا وهنا رفس وشخير
وللجماع بهجة الدعارة
حامل السكين يبكي على رصيف
كأنه قُتل توا
اليأس أقوى من السكين
والقصائد أيضا
والكلمات التي لا تعود إلى البيت إلا على أطراف الأصابع
والأصوات التي لا تُرى
لكنّ لها ملمس اللحم المطهوّ
أدخل على أصدقائي بطبق حساء
من نخاع عظامهم
أهذا يؤلم؟
لا
كما لا تؤلم الاستعارات
بل تترك الضغينة مثل شبع زائد
هُس…
المدينة تتجشأ
المدينة تنتظر حدثا
ناموا… واحلموا بهذا
كأنّ مدينة توجد على الإطلاق
(٤)
مشهد سينمائي
صوّر على بعد أمتار من المقهى…
على بعد مسافة ضوئية
من منزلي
حيث كان ممثلون أنيقون للغاية
يستريحون على كنب عريض حسن التنجيد
يتطلعون أحيانا إلى السقف
كأزهار طافية
وفي سحنهم شحوب لا ينسى
أجلس الآن على المقهى نفسه
عيناي على المشهد الذي كان هنا
لا أحد يعرفني
لقد حفظت الأدوار كلها
الورق أُحرق تحت إضاءة باهرة
البيت خثارة وأغصان عطنة
قل لي أي شيء
سأرد بجملة من حوار ميت
دون حتى أن أكون مضطرا للنظر إلى أعلى
(٥)
لم أتخط الحسية مطلقا
هذه مأساتي
حين ألمس طاولة
أتألم من موضع الكأس التي رُفعت توا
حين أردد أغنية
أتنفس بصعوبة
في عناق جسد لا وجود له
حين أحب
أرى الأفكار كما تراني أنت الأن
بالجلسة القلقة نفسها
كأنها توشك أن تنهار
فقط من فرط ما تكون السعادة
غاطسة في المقعد
لا أفهم لماذا يعتقد الناس أنهم يموتون؟
لأن هذا وحده ما يجعلهم قساة
وتجريديين
ياللتعاسة
أنت نفسك تعتقد أنني أهجرك من أجل كلمة
أي كلمة؟
لقد شوهوك تماما
ما عاد بإمكانك أن تمس يدا
دون أن يحرضك شيء على القتل
(٦)
سأذهب الليلة لأغني
في النهار أعمل وأدخن
أحتاج أجرا إضافيا لأفكر
حين أطفئ مكبر الصوت
وأضب عودي في كيسه الأسود
تسمع لقلبي ضربة زائدة
أتعرفونها؟
إنها الفكرة
يمشي الواحد كما لو في جنازة
أسند العود في المقعد الخلفي
وأشير للسائق: إلى هناك
وهو يفهم
كلنا يفهم
كمن يردد أغنية
بعد إطفاء مكبر الصوت
ليس ما هو أشد ألماً من هذا
(٧)
من فضلكم
دعوا الجيش يمر
فقط فكروا في ذلك
من الطريق المُعَبّدة
من النافذة
من الرأس
من الحدقة
من عَصَب الإبصار
كالتهاب
سرعان ما يصفو بقطّارة الدموع
دعوا الجيش المقبل ببيارق
وحمحمة مرحة
بأعناق مطوقة بصور وتذكارات
ماذا تنتظرون؟
أعطوا أياديكم للهواء الساخن
مددوا سيقانكم المتورمة بالكراهية
هاهي الشمس قريبة
وكأنها ظفر
يحك الجفن المحتقن
والسعادة كسُبّة لا تُرَد
ألم تفهموا بعد؟
أنتم أيضا عائدون من جبهة
أنتم النداء الذي طار بالأسنان
الفكرة التي تركت ثقبا ساخنا
الموت الحلو
كمرآة مُسحت توا بالأكمام
من المرآة يأتي الجيش أيضا
وفي القلب جلبة التوقع لما سيكون
استعدّوا بالدهشة
مجرّدة هكذا كابتسامة السماء
من السماء آتون
بسحب مرصوصة ومتماسكة
بحفيف رقيق للغاية
لأردية صُنعت خصيصا من الابتسامات
اليوم يومكم، ماذا تنتظرون
يا أطباق الفاكهة
يا طبيعة صامتة ووحشية
يا ثمرة يمكن عصرها بالعين
أُلقيتْ بإهمال مقصود
أكثر وقاحة من الطبيعة
كونوا في الاستقبال
بينما يجلس الجنود المتعبون إلى السفرة
استخدموا القطارة
لرتق اللون الباهت
لوحة لامعة
كتحية عسكرية
أفسحوا لهم طريقا
أحسنوا خدمة السعادة
التي حررتكم أخيرا من الإثم
(٨)
جيبي محشوّ بالأفعال
أركض
أركض
أركض
لكنني تظاهرت دائما كما لو أتمشى يداي في جيبٓيّ
كأنني أضغط على الشمس
مثل سلسلة مفاتيح
في فمي ألسنة كثيرة
واحد منها فقط أحشره بين فكيّ
والباقي فوضى نحاسية تدريب موسيقي لمبتدئ
قلبي مستبدٓل بفحّام
عاشق للصفير بالمقطوعات الرخيصة
لا يعرف اللهب، لكنه يميزه في الخفة السوداء
ما احترق بالصبر مثل عظام مدفونة مليون عام؛
عظام ساقين كانتا تركضان وستظلان كذلك
هذا يطمئنني على المستقبل
عائد إلى بيتي بسلسلة مفاتيح
وجهي ملوث بالسخام
على الأقل أتفهم ما يعنيه العار دون
أن يمنعني ذلك من تحيتك
كرجل يكدح بلا عائلة
أعرف أشخاصا يركضون
عائلات بكاملها
ألتقي بهم في المصاعد
واثقون جدا
كأنهم يضعون البشاكير على أكتافهم
معي أفعال زائدة
تفضلوا
هذا بيتي
وهذه الشمس سلسلة مفاتيح
أنا فحام
وأرى اللهب في وجناتكم
وأنتظر