خالد الشورى: أسنان

Goerge Tiemann and Co’s Surgical Instruments. Source: pinterest.com/tedgioia

بوادر ضوء الصباح تنسل من نافذة الحمام.. ضوءٌ شحيح ولكنه يكفي للرؤية.
يقف الولد أمام المرآة محدقًا في انعكاسه، شاعرًا بشفقةٍ يشوبها اشمئزازٌ تجاه نفسه.
دون أن يحيد نظره عن المرآة، يُدير مقبض الصنبور فيتدفق الماء إلى التجويف المستقر في قعر الحوض. يفتح فمه على اتساعه ويرى: هناك فراغاتٌ قبيحة، بعض أسنانه غير موجودة في محلها. يلعق لثته بطرف لسانه مكان الفراغ، طعمٌ مالحٌ وملمس لزج، كأنه يلعق حلزونًا.
يمسك في يده اليمنى كماشة معدنية، كالتي كان يستعملها والده في صيانة مواسير الحمام أو المطبخ عندما تعطب. يحوّل نظره من المرآة إلى الكماشة. لقد طالها الصدأ وتراكمت عليها الأوساخ حتى صار لونها غامقًا.
يشرد ذهنه، وتفيق ذكرى بعيدة في مكان ما داخل رأسه.
يتذكر: على الأرجح كان في التاسعة حين خلع أول سن. لا يزال يتذكر الطبيب جيدًا. كان له وجه كوجه العنزة. لم ينتظر يومها في عيادته طويلًا. دقائق ثم دخل حجرة الكشف برفقة أمه.
كان الجو باردًا في الداخل، مثل برودة مشرحة. أخذ طريقه إلى المقعد الطويل المائل بني اللون ومدد جسده عليه. ضوء شديد ضرب بصره. “افتح فمك” أتاه الأمر من خلف المصباح ففتحه بتوجسٍ مغمض العينين. مرت دقيقة ثم أغلق وجه العنزة المصباح أخيرًا بعد أن ألقى نظرة متمعنة داخل فمه.
بسيطةبسيطة…” كان يهمهم وهو يضع كماشةً على الطاولة جانبه، كأنه نجار يستعد لخلع مسامير صدئة.
في تلك العمر، ومثل أي طفل، تلخلخت أسنانه واحدة تلو أخرى، ونبتت مكانها أسنان جديدة، عدا سن واحدة عنيدة ظلت ثابتة في مكانها، ومنعت السن المدفونة تحتها من الخروج.
على إثر ذلك، انتفخت لثته، وتكور ورمٌ مقززٌ على شكل فقاعة مائعة تحت السن العنيدة بالضبط. بدت لثته وكأنها حامل. تذكر التشابه وضحك، مثلما ضحك في كل مرة نظر إليها في المرآة وقتها. تذكر أيضًا أنه كان يداعبها بطرف إصبعه مقاومًا رغبةً ملحةً في فقعها.
يستأنف المشهد: ماذا سيفعل؟ سأل والدته. وفَرْقَع الطبيب ضحكة سمجة. لا شيء، فقط اِسترخ حتى أحقنك بالمخدر
يا ساتر! من أين أتى بها؟ لقد أخرجها من وراء ظهره بخفة ساحر. كانت أضخم حقنة رآها في حياته، مصنوعة من المعدن وطرف إبرتها يلمع من الحدة. فزع منها ورفضها تمامًا.
أنت حر نبرة صوت وجه العنزة حملت تحديًا مبطنًا.
بعد ذلك، كل ما يتذكره هو أمه تمسك بقدميه جيدًا. كان يرفس محاولًا الإفلات، بينما الطبيب يولج كماشته في فمه عنوة. وحاول عدة مراتٍ حتى قبض على السن أخيرًا، فجذبها بعنف. يُخيّل للولد أنه سمع السن وهي تشاركه الصراخ لحظتها. وانفجر طعم الدماء المعدني في فمه. بصق دماءً كثيرة في سلة موضوعة جانب المقعد. وعاد أدراجه بمصاصة رديئة الطعم.
الهدوء يعم الأرجاء، ولم يستيقظ أحد بعد. لا يزال الوقت مبكرًا.
الذكرى تجتر التي تليها، ويتذكر السن الثانية، تلك التي خُلِعت في الحادية عشر تقريبًا.
كان يلعب مع ابنة الجيران، ومن يمسك الآخر هو الفائز. ظلّ يركض وراءها، وكاد أن يمسك بأطراف فستانها إلا أن قدميه تعثرتا على آخر لحظة وسقط على وجهه. تحديدًا على مقدمة صف أسنانه العلوي. انكسرت واحدة من السنتين الأماميتين. وتذوق طعم الدماء المعدني مرة أخرى. ما زال النصف المتبقي من السن صامدًا حتى الآن، إنه يراه الآن بارزًا للنظر بين أسنان الصف العلوي في المرآة.
يطول شروده وهو مستغرق في ذكرياته، بينما الماء لا يزال يتدفق من الصنبور وينساب إلى التجويف المستقر في قعر الحوض.
السن الثالثة خُلِعتعلى الأرجحعندما كان في الثالثة عشر. كان ينتقل برفقة أمه إلى منزل جديد بعد أن انفصلت عن والده. وهو يخرج ملابسه من الدولاب إلى الحقيبة، كان قد وجد كعكة شوكولاتة مغلفة نُسِيَت داخل فجوة في جانبه. لابد أن تاريخ صلاحيتها كان قد مضى، لكنه لم يقدر على مقاومة اشتهائه لها؛ فقد توقفوا عن انتاجها منذ فترة طويلة. فكّ الغلاف ثم أخذ قضمةً ومضغ. شعر وكأنه يقضم قطعةً من الحجر، ومضغ طويلًا ثم بلع بصعوبة ولم يكمل باقي الكعكة.
لاحقَا، وجد سنًا ناقصةً في الصف السفلي. الأكيد أنه ابتلعها وخرأها مع الكعكة، ولم يكتشف ذلك إلا من خلال الهواء الذي يمر من الفجوة التي خلفتها السن وراءها.
اشتد الضوء قليلًا، دقائق وتشرق الشمس.
بقية الأسنان لم يصاحبها أي عناءٍ يُذكر. تساقطوا بخفة وانسيابية كأوراق الخريف، ثم نبتت أسنان جديدة مكانها، وبعدها لم يفقد أي سن أخرى لفترة طويلة.
مرت السنوات والشهور والأسابيع والأيام والساعات والدقائق حتى وصل إلى هذه اللحظة، بهذه الحال المثيرة للشفقة: واقفًا في حمام شقة صغيرة يسكنها هو وأمه، يتذكر مشاهد من طفولته، في صباح يوم جديد لا يختلف عن الأيام السابقة أو التالية في شيءٍ عدا أنه يريد أن يخلع أسنانه كلها الآن.
لكن وقوفه أمام المرآة قد طال، والماء لا يزال يتدفق، ستوبخه أمه على ارتفاع الفاتورة لاحقًا.
إنه متوتر ومتردد. متى سيتخذ خطوته تلك؟
لم يتناول شيئًا يجعله غائبًا عن وعيه، سيخلعها لأنه يجب أن يخلعها، بكامل إرادته وبكامل وعيه، إنها رغبة حارقة تستشيط في داخله.
لكن ما الذي جعل الأمور تصل إلى هذا الحد؟
هناك جلبة خلف الباب. لابد أن أمه استيقظت وستأتي للحمام في أي لحظة، يجب أن يسرع.
بدأ التوتر في التصاعد داخل معدته. يفكر في تأجيل الأمر لليوم التالي، إلا أنه قام بتأجيله فترة أطول مما يحتمل. لكن من ناحية أخرى، لو دخلت أمه الآن ووجدته يخلع أسنانه ماذا سيقول؟
بالطبع لن يقول لها شيئًا. سيدع كل شيء يمر. هكذا كان الأمر دائمًا. لو سقط من فوق دراجته على الأسفلت الصلب، فقط يقوم بإخفاء الكدمات خلف ثيابه جيدًا ولا يدعها تلحظ شيئًا. ولو عبث ابن الجيران بمؤخرته، لا داعي لأن تعرف، لقد حدث الأمر سريعًا ونقده بعضًا من المال بعدها. ولو تبول مجددًا على نفسه وهو نائم، فسيغير ملابسه والملاءة بسرعة. لقد تعود على إخفاء مشاكله والتعامل معها وحده، فما الداعي إلى أن تعرف هذه المشكلة الأخيرة؟
يرفع الكماشة إلى فمه. طعمها صدئ ومقزز، لكن لا مجال للتقزز الآن. يقبض بفكي الكماشة على أول سن. تحديدًا أول ضرس من الضروس الطاحنة في النصف الأيمن العلوي. يسحب ببطء أولًا ثم تشتد قوة السحب رويدًا رويدًا. تتسارع وتيرة أنفاسه. يغمض عينيه من الألم، ضاغطًا عليهما بجفنيه. وحالما تتلخلخ جذور السن، وينساب طعم الدماء المعدني إلى خلايا لسانه، تطل الذكرى الأقرب في رأسه.
هل كان ذلك الشهر الماضي أو الذي قبله؟
كان يومًا مدرسيًا ثقيل ظل، ولا يتذكر كيف ورّط نفسه في ذلك العراك.
الوقت كان ظهرًا. الملابس مبللة بعرق الأجساد، والوجوه متعبة عابسة.
أربعة صبية كانوا واقفين متكئين بظهورهم إلى الجدار بجانب بوابة المدرسة، يتبادلون أحاديث بذيئة عن مؤخرات فتيات المدرسة المجاورة، وكان هو دائخًا من حرارة الجو، يمشي مترنحًا ناظرًا للأرض، غير منتبهٍ للطريق أمامه.
ربما اصطدم بواحدٍ منهم دون قصد، وربما دفع أحدهم جسده عليه ليتظاهر بأنه قد اصطدم به، المهم أنهفجأةًوجد اللكمات والركلات تُسدد إلى وجهه وبطنه وباقي جسده من حيث لا يحتسب، ودون مبررٍ مقنعٍ.
لم يفلت منهم حتى لكمه أحدهم بأقوى ما يمكنه على فكه، فانخلع ضرس من ضروسه، وعندما رأوه يبصق الضرس؛ تركوه ومضوا في طريقهم هاربين بخطوات حثيثة.
قبل أن يعود للبيت، مرّ على برادة ماء في الطريق وغسل قميصه من بقع الدم جيدًا، وفي البيت تناول الغداء صامتًا كعادته، ومرّ اليوم دون شيء يُذكر.
في اليوم التالي، كان نفس الصبية يقفون نفس وقفتهم عند البوابة، على الأرجح كانوا ينتظرونه.
وقف مترددًا قبل أن يقترب من البوابة، هل يغادر الآن أم ينتظر مغادرتهم أولًا؟ لم يتمكن من اتخاذ قراره لأنهم هم من أتوا إليه، والتفوا حوله مثل كلاب جائعة.
وحدث مثل ما حدث اليوم الذي قبله، انهالوا عليه باللكمات والركلات حتى بصق سنًا إضافية من فمه، عندها تركوه وغادروا.
ثم صار الأمر جزءً من الروتين اليومي، لقد كانوا يتسابقون فيما بينهم ليحصدوا أكبر عدد من الأسنان المكسورة من فمه.
في الأيام التالية، بذل جهدًا كبيرًا كي يخفي آثار الضرب، من كدمات على وجهه وجسده ودماء على ملابسه.
بسبب أسنانه المكسورة لم يكن يأكل جيدًا، فقد صار يمضغ الطعام على جانب واحد، ولم يكن يجيب على أسئلة أساتذته في الصف أو يتبادل أي حديث في العموم حتى لا تظهر أسنانه المكسورة ولثغاته المضحكة، وعلى إثر ذلك أصيب باكتئابٍ حاد.
كان يعرف أنهم لن يتوقفوا حتى يبصق أسنانه كلها، لذلك قرر اختصار الألم والوقت.
تُشرق الشمس أخيرًا، ويغمر ضوؤها الحمام.
ينتهي من خلع أول سن بنجاح، ويرى جذورها تلمع وسط الدماء.
يرميها في الحوض. آخ، إن صوت اصطدامها وسقوطها في التجويف المستقر في قعر الحوض مريع، لكنه لا يكترث. فعل بالمثل مع باقي الأسنان، حتى صارت لثته لحمًا عاريًا متعرج السطح.
يفتح فمه على اتساعه ليرى إن كان هناك أي أسنان متبقية، لكنه لا يجد سنًا واحدة، وبدا له وجهه مخيفًا دون أسنان، كأنه شاخ فجأة.
يغلق الصنبور ويخرج، يمر من جانب أمه دون أن يتبادلا أي كلمة.
يغيّر ملابسه ويتناول حقيبة ظهره ثم ينزل إلى المدرسة.
إنه صباح بلا خوف.